قد خلت من قبلكم سنن

عبد الرحمن بن صالح الدهش

2017-02-26 - 1438/05/29
عناصر الخطبة
1/ نهج الدين في التحذير من سبل المخالفين 2/ الاعتبار بالأندلس وبيان حالها لارتباط الهزيمة بالطاعة 3/ فوائد الأحداث الأخيرة وتمحيصها للمؤمنين وكشفها للماكرين 4/ سبيل النجاة
اهداف الخطبة
عنوان فرعي أول
عنوان فرعي ثاني
عنوان فرعي ثالث

اقتباس

نأخذ بلاداً قيل عنها -ولا يزال يقال-: إنها من جنان الدنيا، إحدى بلاد المسلمين التي اغتبط المسلمون بفتحها وضمها تحت دولة الإسلام، فتحها المسلمون سنة اثنتين وتسعين من الهجرة، على يد القائد المسلم طارق بن زياد -رحمه الله-، إنها بلاد الأندلس. فكيف كان حال الجيش الذي فتحها؟ وما هي صفته؟ وكيف كان تمسكه بهذا الدين؟..

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

أما بعد: فقد وعظ الله عباده أبلغ عظة، وساق في كتابه أحوال السابقين، وعقوباته للمعاندين، بما فيه التذكرة والعبرة.

 

وكان من أساليب الأنبياء مع قومهم تخويفهم سبل المخالفين، فهذا خطيب الأنبياء شعيب -عليه السلام- يقول لقومه: (وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ) [هود:89].

 

إنها السنن، أَمَرَ الله بالسير في الأرض للنظر فيها، (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) [آل عمران:137]، (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآَثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [غافر:82].

 

أيها الإخوة: يقولون: التاريخ يعيد نفسه، نعم، يعيد نفسه بأمر الله، (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً) [فاطر:43]. 

 

حينما يفتح الله على أمة من الأمم التبصر في واقعها، والتأمل في سير من سبقوها، فهذا من أسباب التمكين لها، والتنبيه لأسباب استقرارها وأسباب زعزعتها.

 

إذن؛ ليس بين الله وأحد من خلقه واسطة، وليس في خلق الله شعوب مستثناة، أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- خبر صدق؛ محذراً لا مقراً: "لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بشِبر، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْيَهُود وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: "فَمَنْ؟" متفق عليه. فهذا عَلَمٌ مِن أعلام النبوة. 

 

أيها الإخوة: إن لله سنناً لا بدَّ أن يمضيها، وحكماً تقصر الأذهان عن مراميها. تاريخنا طويل، قديم وحديث؛ فماذا نختار منه؟ وأي بقع نتدارسها؟.

 

نأخذ بلاداً قيل عنها -ولا يزال يقال-: إنها من جنان الدنيا، إحدى بلاد المسلمين التي اغتبط المسلمون بفتحها وضمها تحت دولة الإسلام، فتحها المسلمون سنة اثنتين وتسعين من الهجرة، على يد القائد المسلم طارق بن زياد -رحمه الله-، إنها بلاد الأندلس. فكيف كان حال الجيش الذي فتحها؟ وما هي صفته؟ وكيف كان تمسكه بهذا الدين؟.

 

لقد دخل المسلمون الفاتحون بلاد الأندلس، كل واحد منهم يرى أنَّه رسول هذا الدين إلى كل الأمم، حيث تأدبوا بآدابه، فاتبعوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، مثلوا أخلاقياته وما يدعو إليه واقعاً ملموساً، أدركها جميع أهل تلك الديار، فأعجبوا بها.

 

والحق ما شهدت به الأعداء! قال أحد قادة الكفار في رسالة بعث بها إلى سيده يصف بها جيش المسلمين الأول الذي عبر إلى الأندلس: لقد نزل بأرضنا قوم لا ندري أهبطوا من السماء أم نبعوا من الأرض؟. اهـ.

 

لماذا؟ وماذا يعني؟ نعم! لقد رأي جيشاً قُوّاماً بالليل، وفرساناً بالنهار، معاملتهم أحسن معاملة، صدق بالعهود، ووفاء بالمواثيق، همهم إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، فما أعظم القصد حينما يفهم المسلم رسالته! لتكون كلمة الله هي العليا، وينكس الصليب، وتبطل عبادة غير الله.

 

بقي المسلمون خلال القرون الثلاثة الأولى من وجودهم هناك، محافظين على تلك القيم، معتزين بها، حتى جدَّ ما جدَّ في حالهم؛ فنسوا حظاً مما ذكروا به، وبدأ التملص من أسباب العزة، وأسباب المهابة في قلوب الأعداء، فغيروا، فبدأ تغيير الله عليهم! (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ) [الأنفال:53-54]، سنة ماضية، وطريقة محكمة.

 

يقول ابن خلدون موضحاً هذه القضية: إذا تأذن الله بانقراض الملك من أمة حملهم على ارتكاب المذمومات، وانتحال الرذائل، وسلوك طريقها، وهذا ما حدث في الأندلس وأدى -فيما أدى- إلى ضياعه. اهـ.

 

وأصدق من أقوال البشر قول الله -تعالى- رب البشر: (وإذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً) [الإسراء:16].

 

أيها الإخوة: إنَّ هناك تلازماً واضحاً لا انفكاك فيه بين تسلط الأعداء في الداخل والخارج وانغماس الشعوب في معاصيهم، وتساهلهم فيما حرَّم الله.

 

فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" رواه أبو داود وغيره.

 

فالعينة نوع من الربا، إلا أنه لا يؤتاه من بابه، ولكن يتحايل عليه. واسأل عن معاملات كثير من الناس؛ كيف قيدوا أنفسهم بحبال الديون الموثقة في معاملاتٍ السالم فيها قليل؟!.

 

أما أخذ أذناب البقر المذكور في الحديث فهو إشارة إلى الاهتمام بأمور الدنيا، والركون إليها، وعدم الاهتمام بالشريعة وأحكامها، فهو مشغول في حرثه وفلاحته، ورضي بالزرع ولزمه، أما أمور دينه، والدعوة إليه، والذود عنه، وتمعر الوجه لمنكر وقع، فهو أبعد ما يكون عنه، وهو منه في واد سحيق.

 

أيها الإخوة: إنَّ من فوائد الأحداث الأخيرة، والتقلبات السياسية المريرة، وما جرى على تلك الشعوب المستضعفة الفقيرة، لا يخرج عما قاله الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ?لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) [النور:11].

 

من فوائده أنَّ الله محص فيه بعض الناس، وعرف الإنسان العاقل قدر نفسه، وموضع قدميه، فتبين الغيورون على دينهم الذين لم تطب حياتهم منذ بدايات تلك المتغيرات، فهم من ذنوبهم خائفون، ولربهم مخبتون، ولإخوانهم يدعون ويستغيثون.

 

وتبين من هم في غيهم سائرون، فهم على ما هم عليه في ترفهم وإضاعة أوقاتهم، فلم تقطعهم مشاهد الجراحات وقصف الطائرات عن متابعة المباريات، وتقليب الأنظار في سيء المواقع والقنوات!.

 

وقد يكون بعض هؤلاء ممن يجرون أمتهم إلى هاوية الردى، فهم سوس ينخر في أخلاقيات الأمة، ينادون بمجارات المجتمعات الغربية، ومنيتهم أن تتحول بلادهم إلى نموذج للحياة الأوربية والأمريكية؛ فالاختلاط بضاعتهم المزجاة، وتحرير المرأة المزعوم هو قضيتهم الأولى في كل وادٍ به ينعقون.

 

لقد بلغ المكر في بعض النفوس المنهزمة أن تنكر التغريب الذي اجتاح الأمة الإسلامية منذ عقود مضت، ولا يزال يزحف بوجهه المكفهر إلى كثير من المجتمعات الإسلامية وقيمها الأخلاقية، وهم يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق، ويسفهون من يحذرون من الركون إلى الذين ظلموا، أو الارتماء في أحضان الأمم الكافرة.

 

وما حال هؤلاء مع أمتهم، والأمم الكافرة، وحضارتها المفلسة التي بهرتها، إلا كمن  يحاول ربط حصان مضمر جواد، بذيل حمار منتن قد مزق جلده الجرب، ومص دمه القراد!.

 

"الحكمة ضالة المؤمن"، لا ننكر سبق تلك الأمم في ميادين شتى، ولهم تقدم تأخرنا عنه لما خدرتنا الشهوات، واخترنا عيش التقليد والترف. ولكن، مع ذلك، لا يكن حظنا مما عندهم كما صوره من وفق في التصوير، ومثله أحسن تمثيل، فقال: حالنا وحال من يستوردون ثقافات الأمم المتقدمة بعلّاتها لمجتمعاتهم، كحال من أرسل إلى قطيع غنم ليأخذ منها شاة طعاما له، فأتى بكلب الغنم وترك الغنم. نعوذ بالله من الخذلان!   

 

 ورحم الله العلماء الناصحين، والمغردين الصادقين، ومن بينوا حقائقهم للغافلين، وكشفوا أقنعتهم في المقاطع الموثقة التي يرسلون، وفي مواقع النت ينزلون، (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) [الأنعام:55]، (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [يوسف:21].

 

لقد كان من أسباب ضياع الأندلس وتسلط النصارى أن الناس انكبوا على ما حرَّم الله عليهم؛ فأضيعت الصلاة، وشربت الخمور، وتنافس الناس في تقليد أعدائهم في بناء دور الخنا، والتساهل بالزنا، والطرب والغناء، فأقبل الناس عليها، لا يكاد يتورع عنها أحد، حتى الفلاحون والفقراء، والعمال في مصانعهم، أولعوا بالغناء والطرب؛ فرقَّ الدين، وخفت الذمم، فتبع ذلك فساد إداري، وإضاعة لحقوق الخلق، وأعجب الجهال بالكفار، فاندرست معالم الولاء والبراء، فقلدوهم في نواح كثيرة من حياتهم، حتى إن منهم من اقتنى القردة وافتخر بها مشابهة لبعض ملوك النصارى! فما أشبه الليلة بالبارحة! ما أقرب صفات المسلمين أيام ضعفهم حين أضاعوا الأندلس وجثم العدو على بلادهم ونهب خيراتهم من صفاتهم الآن! فاللهم هيئ لأمة محمد من أمرهم رشدا...

 

 

الخطبة الثانية:

 

أما بعد: فبعد أن عرفت: من هلك كيف هلك، فأعظم منه وأهم أن تعرف: من نجا كيف نجا! ولا نجاة من أمر الله إلا لمن لجأ إلى الله، (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) [الذاريات:50].

 

وأبدأ بنفسك، ثم بمن تعول؛ فقلب حساباتك ما دمت في زمن السراء وممن حولك مَن هم في عسر وضراء، وادفع عن نفسك بلزوم ما أمرك به ربك، فصلاتك لا غنى لك عنها، قم له حيثما ينادى لها، (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) [طه:132]. احفظ جوارحك عن محارم الله، أطب مطعمك.

 

لايستخفنك الذين لا يوقنون، ليس كل مهرجان تسوق نفسك وأهل بيتك لحضوره، وليست كل دعوة لحفل أو تجمع تكون كريمة، بل منها ما هي دعوات لئيمة.

 

حضور أماكن السفهاء يهزون أكتافهم وأردافهم على موسيقى محرمة عيب في المروءة، وخلل في الرجولة، فضلا عن الديانة؛ وهي شماتة من المغرضين، ومتنفس للحاسدين الذين يدركون ضرر هذه التفاهات على أجيالنا، وعلى وحدتنا، وعلى أمننا، وعلى حروب تخوضها حكومتنا من أجل استقرارنا، والاستبقاء على تميزنا وريادتنا. 

 

فاللهم إنا نعوذ من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك.

 

 

المرفقات

خلت من قبلكم سنن

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات