في حضرة مالك الملك

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2014-05-13 - 1435/07/14
عناصر الخطبة
1/ مشهد من مصارع الملوك الظالمين   2/الملك في كلام العرب والأصل الذي يدور عليه   3/اسم الملك والمالك والمليك في القرآن والسنة   4/أقوال السلف في تفسير اسم الملك    5/الفرق بين الملك والمالك والمليك   6/استحقاقات الإيمانية بملوكية الله عز وجل   7/الحياة في ظلال فقه اسم الملك.

اقتباس

الله -عز وجل- مستغنٍ عن الخلق وعن كل ما في الوجود بل يحتاجه كل مخلوق، وهذا هو الوصف الدقيق للمَلِك, ولا يصدق إلا على الله -عز وجل-، وصفة الملك تستلزم سائر صفات الكمال, فالملك الحقيقي التام يستلزم الحياة المطلقة، والقدرة التامة، والعلم الشامل، والإرادة النافذة...

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله عدد ما غردت الأطيار على الأشجار، والحمد لله عدد ما لمعت في السماء أقمار، الحمد لله عدد من طاف بالبيت وزار، والحمد له عدد ما نطق اللسان ورُفع الآذان، والحمد له  عدد ما وُزِن في الميزان وقُرِئ من القرآن، الحمد لله الذي خَلَق الخلق فأحصاهم عددا وكُلهم آتيه يوم القيامة فردا، الحمد لله الذي خلق كلَّ شيء بقدر، وملك كل شيء وقهر، عنَّت الوجوه لعظمته، وخضعت الرقاب لقدرته.

 

وأشهد أن لا إلـه إلا الله وحده لا شريك له،  له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا هو محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، هو نبيه المصطفى ورسوله المجتبى صلوات ربي وسلامه عليه ما ذكره الذاكرون الأبرار, وما تعاقب الليل والنهار, وعلى صحبه الأخيار وأتباعه الأطهار.

 

أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى العزيز الغفار، فهي العاصمة من دواهي الليل والنهار، كما قال في محكم كلامه: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً) [مريم:72].

 

عباد الله: كان عضد الدولة البويهي سلطانا من سلاطين الدولة البويهية الشيعية، وكان جبارا عنيدا شديد البطش والفتك بخصومه، وقد سيطر على أجزاء كبيرة من بلاد العراق، وكان له جيش كبير خاض به معارك كثيرة ضد باقي الأمراء والملوك، فلما حضرته الوفاة سنة 373هـ، وعاين سكرات الموت أخذ ينشد أشعارا تدل على سير حياته وشعوره بالندم والحسرة على ما اقترف في ملكه فقال:

 

قتلت صناديد الرجال فلم أدع *** عدوا ولم أمهل على ظنه خلقا

وأخليت دار الملك من كان باذلا *** فشردتهم غربا وشردتهم شرقا

فلما بلغت النجم عزا ورفعة *** وصارت رقاب الخلق أجمع لي رقا

رماني الردى سهما فأخمد جمرتي *** فها أنا ذا في حفرتي عاطلا ملقى

فأذهبت دنياي وديني سفاهة *** فمن ذا الذي مني بمصرعه أشقى

 

ثم أخذ في البكاء وترديد قوله عز وجل: (مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ) [الحاقة:29-30], وصاح بأعلى صوته: "يا من لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه".

 

نعم عباد الله: كثير من خلق الله نسوا حقيقة في غاية الأهمية في حياتهم الدنيا، ألا وهي أن لا مالك على الحقيقة إلا الله، فهو الملك الحقيقي للدنيا وما فيها، والآخرة وما فيها، ولعل السبب الرئيسي لنسياهم هذه الحقيقة الأساسية في منظومة حياتهم الدنيا، أنهم جهلوا أسماء الله وصفاته، ولم تتشرب قلوبهم بالمعاني الإيمانية والآثار اليقينية للعلم بالله وبأسمائه وصفاته، خاصة اسم الله الملك الذي هو محور خطبتنا اليوم بمشيئة الله.

 

الملك اسم من أسماء الله -عز وجل- التي لها دلالات عظيمة وآثار عميقة في دنيا العبد وآخرته، والاستعمال اللغوي لمعنى الملك يدور حول التصرف والهيمنة والسيادة، فالمُلْكُ: هو التصرف بالأمر والنهي في الجمهور، وذلك يختص بسياسة الناطقين، ولهذا يقال: مَلِكُ الناس، ولا يقال: مَلِكُ الأشياء، والمُلْكُ الحقُّ الدائم لله، ولفظ الملكوت وهو بمعنى الملك - لكنّه مختص بمِلْكِ الله تعالى, قال تعالى: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) [الأنعام:75]، والمملكة: سلطان المَلِكِ وبقاعه التي يتملَّكها.

 

وقد ورد اسم الله الملك بمترادفات ثلاثة في كتاب الله -عز وجل- وسنة الحبيب محمد -صلى الله عليه وسلم-: الملك والمليك ومالك الملك، وهذه الأسماء وردت في الكتاب والسنة في مواضع عديدة  منها:

 

اسم الملك في خمس مواضع من القرآن، مقرونا تارة بالقدوس، كما في قوله: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ) [ الحشر23]، وتارة مقرونا بالحق كما في قوله: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) [المؤمنون: 116].

 

أما في السنة فعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قَالَ: "جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الأحْبَارِ إِلَـى رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: يَا مُـحَـمَّدُ، إِنَّا نَجِد أنَّ الله يَـجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَـى إِصْبَعٍ، وَالأرَضِينَ عَلَـى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَـى إِصْبَعٍ، وَالْـمَاءَ وَالثَّرَى عَلَـى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْـخَلائِقِ عَلَـى إِصْبَعٍ، فَيَقُولُ أنَا الْـمَلِكُ. فَضَحِكَ النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقاً لِقَوْلِ الْـحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) [الزمر:67]" [البخاري(4811) مسلم(2786)].

 

وأمّا اسم الله: المالك, فقد جاء في قوله تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ..)   [آل عمران:26]. ودلت السنّة الصحيحة عليه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على ورود هذا الاسم، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "إِنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ" [مسلم: (2143)], زَادَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي رِوَايَتِهِ: "لَا مَالِكَ إِلَّا اللَّهُ -عز وجل-"  قَالَ سُفْيَانُ: مِثْلُ شَاهَانْ شَاهْ, وأَخْنَعَ معناه: أَوْضَعَ، قال ابن حجر: "واستدل بهذا الحديث على تحريم التسمي بهذا الاسم لورود الوعيد الشديد، ويلتحق به ما في معناه مثل خالق الخلق وأحكم الحاكمين وسلطان السلاطين وأمير الأمراء".

 

وأما اسم الله: المليك, ففي قوله: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ) [القمر: 54، 55].

 

ولأئمة السلف -رحمهم الله- أقوال في تفسير معنى اسم الله (الملك المالك المليك)، وهاكم طائفة من أقوالهم:

 

قال الزجاج: "الملك، النافذ الأمر في ملكه إذ ليس كل مالك ينفذ أمره أو تصرفه فيما يملكه، فالملك أعمُّ من المالك، واللَّه تعالى مالك المالِكين كلِّهم، وإنما استفادوا التصرف في أملاكهم من جهته تعالى". وقال الخطابي: الملك: "هو التام الملك الجامع لأصناف المملوكات، فأما المالك: فهو خاص الملك". وقال ابن جرير: "الملك الذي لا ملك فوقه ولا شيء إلا تحت سلطانه". وقال ابن كثير: "في قوله: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ) [الحشر: 23]  أي: "المالك لجميع الأشياء المتصرف فيها بلا ممانعة ولا مدافعة".

 

وقد يبدو للوهلة الأولى أن هذه الأسماء بمعنى واحد, ولكن عند التبصر والتدبر نجد أن ثمة فارق بينها، يوضحه لنا ابن القيم -رحمه الله- بقوله: "الملك الحق هو الذي يكون له الأمر والنهي, فيتصرَّف في خلقه بقوله وأمره، وهذا هو الفرق بين الملك والمالك؛ إذ المالك هو المتصرِّف بفعله، والملك هو المتصرِّف بفعله وأمره، والرب تعالى مالك الملك فهو المتصرِّف بفعله وأمره".

 

ومن خلال هذا العرض لأقوال أهل العلم في معنى اسم الملك يتضح لنا  -عباد الله- عدة حقائق غاية في الأهمية عن فقه اسم الله الملك ومنها:

 

أولا: إن الله -جل جلاله- هو الملك الحقيقي الذي يملك كل شيء،  وهو مالك المالكين كلهم، وما يملكون كله، وإنما استفادوا التملك والتصرف في أملاكهم من جهته -سبحانه-، فهو الذي خلقهم وملَّكهم ما هم فيه، وهو -سبحانه- ملك الملوك، ومالك الملك، ومالك الممالك، له الملك كله في الدنيا والآخرة، وله ملك السموات والأرض، وما فيهن من الملائكة والملوك والممالك والمماليك, وسائر المخلوقات في العالم العلوي والعالم السفلي ملكه: من شمس وقمر، وليل ونهار، وكواكب ونجوم، وملائكة وأرواح، وإنس وجن، وطير وحيوان، وجماد ونبات، وبـحار وأنهار، وسحب ومياه، وتراب وجبال، وهواء ورياح، وغير ذلك مما لا يمكن إحصاؤه، أو الوقوف على آحاده: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَـاوَ‌تِ وَلْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ) [المائدة: 120].

 

ثانيا: الله -جل جلاله- هو الواحد القهار، المتصرف في المخلوقات قاطبة, بلا ممانعة ولا مدافعة، ملكه كبير عظيم واسع، له الملكوت والجبروت، والكبرياء والعظمة، والعزة والقوة وقدرته في ملكه تامة مطلقة، فلا يعجزه شيء: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الحديد: 2] فهو -سبحانه- الملك الحق، الحي القيوم، القادر الذي لا يثقل عليه، ولا يعجزه حفظ هذا الملك العظيم، الواسع الكبير: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) [البقرة: 255].

 

فهو الملك القوي القادر القاهر، الذي يدبر الأمر، ويصرِّف الأحوال، ويقلب الليل والنهار، ويفعل ما يشاء، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، يأمر وينهى، ويثيب ويعاقب، ويعطي ويمنع، ويعز ويذل، ويكرم ويهين، وينعم وينتقم، ويخفض ويرفع، ويحيي ويميت، ويرسل الرسل إلى أقطار مملكته، ويحكم عباده بأمره وشرعه، ويعمهم بفضله ورحمته: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) [الفتح: 14], فسبحانه لا إله غيره، ولا رب سواه, له الحمد على ملكه العظيم، وفضله الكبير، ورحمته الواسعة، وآلائه ونعمه السابغة: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) [سبأ:1].

 

ثالثا: إن الله -عز وجل- مستغنٍ عن الخلق وعن كل ما في الوجود بل يحتاجه كل مخلوق، وهذا هو الوصف الدقيق للمَلِك, ولا يصدق إلا على الله -عز وجل-، وصفة الملك تستلزم سائر صفات الكمال, فالملك الحقيقي التام يستلزم الحياة المطلقة، والقدرة التامة، والعلم الشامل، والإرادة النافذة، ويستلزم السمع والبصر، والكمال والفعل، وغير ذلك من صفات الكمال والجلال والجمال.

 

رابعا: إن الله -سبحانه- من كمال ملكه وكمال رحمته، وكمال قدرته حمَدَ نفسه, وأثنى  عليها, ومما أثنى على نفسه به أنه ملك ومالك, قال -سبحانه-: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) [الفاتحة: 2 - 4], ومن رحمته بالخلق أن الله -سبحانه- مالك يوم الدين وحده، وله الملك يوم القيامة وحده، لأنه الذي يحاسب بالعدل والإحسان، ويعفو ويسامح، ويغفر ويستر، ولا يظلم ولا يجور: (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [غافر: 17].

 

أيها المسلمون: إن استحقاقات اسم الله الملك بالغة الأثر على حياة العبد, بما فيها من سلوكيات وممارسات وأخلاقيات وعبادات ومعاملات، وهذه الاستحقاقات يتوجب على كل مسلم أن يعيها ويفهمها جيدا ليصلح سيره في الدنيا، ومصيره في الآخرة، ومن هذه الاستحقاقات:

 

أولا: إن الطاعة المطلقة إنما هي له وحده لا شريك له، لأنه الملك الحقيقي الذي له الملكية المطلقة، و لأن ما سواه من ملوك الأرض وغيرهم إنما هم عبيد له، وتحت أمره وقهره، فلا بد من تقديم طاعة الملك الحق على طاعة من سواه، وتقديم حكمه على حكم غيره، ولا طاعة لأحد إلا في حدود طاعته.

 

أما في معصيته فلا سمع ولا طاعة لأحد كائناً من كان، فالمخلوقات كلها مملوكة لله، مفتقرة  إليه، لا تملك من السموات والأرض شيئاً، ولا مثقال ذرة، ولا تنفع أحداً ولا تضره إلا بإذن الله -سبحانه-: (قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [المائدة: 76], وقد يُسمَّى بعضُ المخلوقين ملِكاً إذا اتسع ملكه، إلا أن الذي يستحق هذا الاسم على وجه الكمال والإطلاق هو الله -جل جلاله-، لأنه مالك الملك, ومالك الأملاك، وليس ذلك لأحد غيره -سبحانه-، لذا لا يستحق العبادة والطاعة الكاملة المجردة سواه -عز وجل-.

 

ثانيا:  إن الأمر والنهي لله -عز وجل-، فالله -تبارك وتعالى- هو الملك الحق، والملك الحق هو الذي يكون له الأمر والنهي، ويتصرف في خلقه وأمره كما يشاء، فمن ظن أن الله -عز وجل- خلق خلقه عبثاً لم يأمرهم ولم ينههم، فقد طعن في ملكه، ولم يقدره حق قدره: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) [الأنعام: 91], فكل من جحد شرع الله، وأمره ونهيه، وجعل الخلق بمنزلة الأنعام المهملة، فقد طعن في ملك الله، ولم يقدره حق قدره.

 

ثالثا: إن الله -تبارك وتعالى- هو الملك الذي له ملك كل شيء، وله وحده الملكية الشاملة المطلقة في هذا الكون، والناس ليس لهم ملكيةً ابتداءً لشيء، إنما لهم استخلاف من الملك الواحد الذي يملك كل شيء: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) [الحديد: 7] فالخلق مستخلفون فيما في أيديهم من الأملاك، وعليهم أن يخضعوا في خلافتهم لشروط المالك الذي استخلفهم وملكهم، فإن خالفوا فإن الله سيسألهم ويحاسبهم ويعاقبهم. ويروى أن رجلا مرّ بأعرابي له إبل، فقال له: يا أعرابي، لمن هذه الإبل؟ فقال: هي لله عندي. قال ابن عطيّة: "فهذا موقف مصيب إن كان ممن صحب قوله عمله".

 

فهو يهب من يشاء من ملكه الواسع, فقد أعطى آل إبراهيم الملك والنبوة والكتاب، قال -سبحانه-: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً) [النساء:54], وآتى فرعون الملك والسيادة، وقارون المال والريادة, (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ) [الزخرف:51], (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ) [القصص:76], ثمّ ابتلى هؤلاء, وابتلى أولئك، ففاز هؤلاء المقرّبون, وخسر أولئك المبعدون.

 

وملوك الأرض حين ينسون هذه الحقائق وهذه الاستحقاقات يتجبرون ويسيرون على درب فرعون لعنه الله، فيعاقبهم الله -عز وجل- بأنواع من المثلات ليكونوا عبرة للأوليين والآخرين، من هذه العقوبات:

 

غَلْقُ أبواب السماء دون حاجتهم, فإن اللَّه -عز وجل- قد جمع لهم أسباب الحكم والعطاء وجعل بيدهم خزائن الأرض فمن حجبها عن الضعفاء والمساكين حجب الله عنه ما ينفعه وعطل عليه حاجته, عن عَمْرو بْنُ مُرَّةَ أنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ مَا مِنْ إِمَامٍ[أَوْ وَالٍ] يُغْلِقُ بَابَهُ دُونَ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالْخَلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ إِلَّا أَغْلَقَ اللَّهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ خَلَّتِهِ وَحَاجَتِهِ وَمَسْكَنَتِهِ"، قال: فَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا عَلَى حَوَائِجِ النَّاسِ. [الترمذي(1253), وصحّحه الألباني في الجامع (5685)].

 

ومنها: احتجاب الله عنهم يوم القيامة: فمن ملك من أمر الناس شيئًا تَطَلَّعوا إليه, ورجوا ما عنده, فإن حجب نفسه عنهم وحرمهم مما يرجون احتجب اللهُ عنه يوم القيامة وحرمه مما يرجو من النجاة, عن أبي مريم الأزدي -رضي الله عنه- قال: قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "من ولي من أمور المسلمين شيئا فاحتجب دون خلتهم وحاجتهم وفقرهم وفاقتهم احتجب الله عنه يوم القيامة دون خلته وحاجته وفاقته وفقره" [صحيح الجامع (6595)].

 

ومنها: يأتي الملوك إلى الله مغلولة أيديهم إلى أعناقهم, فكما كانوا أحرارًا طلقاءً في الأرض لا يسألهم أحدٌ من الخلق ولا يتقيدون في حركتهم كبقية الرعية فإنهم يأتون يوم القيامة مغلولين إلى الله -عز وجل-, عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: "مَا مِنْ رَجُلٍ يَلِي أَمْرَ عَشَرَةٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَّا أَتَى اللَّهَ -عز وجل- مَغْلُولًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ فَكَّهُ بِرُّهُ أَوْ أَوْبَقَهُ إِثْمُهُ, أَوَّلُهَا مَلَامَةٌ وَأَوْسَطُهَا نَدَامَةٌ وَآخِرُهَا خِزْيٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [أحمد (21268) , وانظر صحيح الجامع (5718)].

 

ويُحْرمون من شفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم-, فكما أن الظلمة من ملوك الأرض ظلموا الناس حقوقهم، ولم يعدلوا فيهم بشرع الله, ولم يَشفع عندهم ضعف الرعية ومسكنتهم, فإنهم يُحْرَمُون من شفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم-, فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "صنفان من أُمتي لن تنالهما شفاعتي: إمام ظلوم غشوم، وكل غالٍ مارق" [صَحِيح الْجَامِع: (3798)].

 

وكذلك لا يدخلون الجنة, فكما أن الأمن والعدل يكون نعيمًا للضعفاء والمساكين، بل ولكل الرعية, وقد حرمهم منهم الملك الظالم وغشهم وضيع مصالحهم فإنه يُحرم من دخول الجنة. فعَنْ مَعْقِل بْنَ يَسَارٍ الْمُزنِيَّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ" [مسلم(203)].

 

ومنها: مناداة الملك لهم يوم القيامة لمن الملك اليوم؟ قال تعالى: (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لاَ يَخْفي عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [غافر:16]، وهو يوم القيامة الذي يزول فيه كل مالك ومملوك إلا ملك الملوك -جل جلاله-. قال تعالى: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ) [الفرقان:26]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ" [متفق عليه].

 

ولا ينتقل ملك ملك عن هذه الدار بشيء من ملكه سوى الكفن, ثمّ يأت يقف يوم القيامة كسائر البشر، عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ, لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لِأَحَدٍ" [متفق عليه]، و(بَيْضَاء عَفْرَاء): أيّ: بَيْضَاء تميل إِلَى حُمْرَة, كَأَنَّ النَّار غَيَّرَتْ بَيَاض وَجْه الْأَرْض إِلَى الْحُمْرَة وَ (النَّقِيّ) هُوَ الدَّقِيق الذي منه الخُبز, والمقصود الْأَرْض الْجَيِّدَة.

 

والمقصود من الحديث أنه ليس عليها مملكة لملك، ولا سلطنة لذي سلطان، ولا قوة لحاكم، ولا حكم لقاضي، ولا قدرة لوالي، ليس على الأرض معلم لذي عرش ولا تاجٍ ولا صولجان، فـ(الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ) [الفرقان:26], فقد ذهب الملوك وما ملكوا، وقد فني الحُكَّام وما حكموا، وهلك كسرى وقيصر، وذي يزنٍ، و(الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ).

 

اللهم اغفر لنا أجمعين، وهب المسيئين منا للمحسنين، وأدخلنا في ظلك يوم لا ظل إلا ظلك، إنك على شيء قدير وبالإجابة جدير، أقول قولب هذا وأستغفر الله لي ولكم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وحده وصلاة وسلاما على من لا نبي بعده، محمد بن عبد الله، وعلى من والاه، صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم الدين.

 

أما بعد: فإن الحياة في ظلال الفقه والفهم لأسماء الله الحسنى وصفاته العُلا، حياة لها مذاق خاص، تختلف عن حياة هؤلاء الذين اختاروا الحياة لشهواتهم، والتلذذ بمباهج الدنيا دون رادع أو واعظ. وإن فقه اسم الله الملك ينتج آثارا عظيمة, ونتائج جسيمة على حياة العبد الديني والدنيوي:

 

أولها: يقين العبد أنه لا ملك إلا الله, وأن ما يملك من شيء فلا يقدر على حفظه والتصرف المطلق فيه؛ لذا لا ينبغي لعبد أن يتسمى به، فإن اسم الملك يشعرك -أيها المؤم - ويغرس في قلبك بأن الله -جل وعلا- بيده مقاليد كل شيء عند الشدائد, لا يمكن أن تفزع لأحدٍ غير الله, لأنك تعلم أن ملكوت كل شيء بيد الرب -تبارك وتعالى-: (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) [المؤمنون: 88 - 89], فتأمل كيف نعت الله -جل وعلا- ذاته العلية بأن بيده ملكوت كل شيء, وأن غيرَه -تبارك وتعالى- ليس بيده شيء من الأمر كله, هذا أول ما ينبغي أن يستشعره المؤمن إذا سمع اسم الله "الملك" الذي تسمى الله به في كتابه، في مثل قوله: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ)[طه: 114].

 

واعلم -أيّها المبارك- أن ملوك الدنيا إذا أعطوا غيرهم من ملكهم نقص ملكُهم, وقلَّ ما في خزائنهم, ولكنَّ الملكَ  الحقَّ -سبحانه- يعطى فلا ينقص شيء أبداً من ملكه, ولا مما في يديه, وفي الحديث القدسي العظيم عَنْ أَبِي ذَرٍّ: "يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ" [مسلم(2577)], فتأمّل هذا الملك العظيم, والثراء العميم، أين ثرى الأثرياء، وأين أملاك الأدعياء؟, وغير ذلك أن الله -جل وعلا- حي باقٍ, أما الخلائق فإنهم ميتون لا محالة, فكل ملك في الدنيا إما أن يزول عن ملكه بموته, وإما أن يُزال ملكه عنه قسرا.

 

ثانياً:  الإقرار بأنه -سبحانه- فعَّال لما يريد: قال ابن القيم: "الملك الحق هو الذي يكون له الأمر والنهي, فيتصَّرف في خلقه بقوله وأمره", قال تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس: 82 ], كل شيءٍ تحت قهره ويحدث بقَدَرِه ويتحرك بأمره, والله قد ملك كل شيءٍ بأمره ونهيه.

 

ثالثا: من آثار الإيمان باسم الله الملك: حصول التواضع للمؤمن، فإن من عرف أن اللَّه هو الملك الحق، فلا بد له من أن يتواضع, ولا يرفع نفسه فوق منزلة العبيد, حتى لو كان من الملوك, فإنه لا يعدو كونه عبدًا فقيرًا, يعيش تحت قهر الله وسلطانه, قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "يَطْوِي اللَّهُ -عز وجل- السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ .." [مسلم (4995)]. فبماذا يجيب الجبارون والمتكبرون بعد هذا النداء؟ يوم لا تسمع إلا همساً, ولا تكلم نفس إلا بإذنه.

 

ولهذا كان -صلى الله عليه وسلم- سيّد المتواضعين, ولم يسْعَ للملك قطّ, ومن أجل ذلك اختار أن يكون عبدًا رسولاً وأبى أن يكون ملكًا نبيًا, فعن أبي هريرة قال: "جَلَسَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا مَلَكٌ يَنْزِلُ فَقَالَ جِبْرِيلُ: إِنَّ هَذَا الْمَلَكَ مَا نَزَلَ مُنْذُ يَوْمِ خُلِقَ قَبْلَ السَّاعَةِ, فَلَمَّا نَزَلَ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ رَبُّكَ, قَالَ: أَفَمَلِكًا نَبِيًّا يَجْعَلُكَ, أَوْ عَبْدًا رَسُولًا؟ قَالَ جِبْرِيلُ: تَوَاضَعْ لِرَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ, قَالَ: بَلْ عَبْدًا رَسُولًا" [أحمد (6863)].

 

ولما أُدخل عليه رجلٌ ترعد فرائصُه خوفا من النبي -صلى الله عليه وسلم- لما يعلم هذا الرجل من بطش الملوك، فظنّ أن النبي حاله كحال ملوك الأرض، الذين لا يرحمون خائفا لخوفه، ولا راجيا لرجائه, طمئنه النبي واعلمه بأنه في أمان فعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ, فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ [الْفَرَائِص جَمْع فَرِيصَة وَهِيَ لَحْمَة تَرْتَعِد عِنْد الْفَزَع], فَقَالَ لَهُ: "هَوِّنْ عَلَيْكَ, فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ, إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ" وَالقديد: اللَّحْم الْمُمَلَّح الْمُجَفَّف فِي الشَّمْس [ابن ماجه(3303)].

 

رابعا: إن العبد إذا علم أن الله هو الملك الحقيقي وأن لكل ملك حِمَى، تورَّع من التورط في محاداة الملك ومعاندته بالولوج إلى حِمَاه، وحمى الله محارمه وما نهى عنه، "أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى, أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ" [متفق عليه], فإياك -عبدَ الله- ومحارمَ اللَّه -عز وجل-؛ فإنها منطقة خَطرة، وبقعة وَعِرة، فمن ارتكب شيئًا من محارم اللَّه فقد تعدى حدَّه وعرَّض نفسه لعقوبة الملك، وَانْأَ بنفسه عن ذلك الحمى.

 

وقد كان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يتركون ثلاثة أرباع الحلال خشية الحرام، وكان ابن عمر -رضي الله عنه- يقول: "أُحب أن أجعل بيني وبين الحرام حائلاً من الحلال"، وجاء في حديث أخرجه الترمذي وابن ماجه، واللفظ له عَنْ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ الْبَأْسُ" [حسّنه الألباني في مشكاة المصابيح(2775)].

 

خامسا: دعاء اللَّه بهذا الاسم الكريم, فقد أورد الشيخان من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ, كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ, وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ, وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ, وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ, وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ" [البخاري (3293) مسلم(2961)], والأحاديث في هذا كثيرة مستفيضة.

 

سادسا: من آثار الإيمان والفقه لاسم الله الملك أن العبد يكون بما في يَدَيِ الله أوثق منه مما في يديه, أو في يد غيره من الخلق, ولهذا ورد في الدعاء المأثور عن رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ" [الترمذي (3486)], فإذا أراد أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يديِ الله أوثق منه مما في يديه، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، إذا أردت أن تكون أكرم الناس منزلةً فاتق الله.

 

وقد ورد أن حاتما الأصم كان صائماً يوماً فلما أمسى قُدِّم إليه فطوره فجاء سائل فدفع ذلك الفطور إليه فَحُمِلَ إليه في الوقت ذاته طبق عليه كل ألوان الأطعمة فأَتاه سائل آخر فدفع إليه كل ذلك، ففتح بصره فإذا دنانير في الوقت نفسه بين يديه، فلم يتمالك أن صاح: الغوث من الخَلفِ. وكان في جيرانه من يسمى "خلفاً" فتسارع الناس إليه وقالوا: يا أخي لمَ تُؤذى الشيخ وما زالوا به حتى جاءوا به إلى الشيخ, وقالوا هذا خَلَف جاءك معتذراً، فقال: إني لم أعْنيِهِ إطلاقاً إنما عجزت عن شكر الله -عز وجل- على ما يعاملني به من الخلف فكلما أنفقت شيئاً أعطاني الله خيراً منه.

 

وهذا  عبد الرحمن بن عوف قالت عنه السيدة عائشة: "أخشى أَن يدخل الجنة عبد الرحمن زحفاً لكثرة ماله"، فقال هذا الصحابي الجليل: "والله لأَدخلنَّها خبباً (ركضاً) وما عليّ إذا كنت أُنفق مائة في الصباح فيؤتيني الله ألفاً في المساء".

 

اللهم نور قلوبنا بالأنس بك، وبالعلم بأسمائك وصفاتك، اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سببا لمن اهتدى.

 

 

 

المرفقات

حضرة مالك الملك

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات