في التحذير من تضييع الأوقات بمناسبة العطلة الصيفية

صالح بن فوزان الفوزان

2022-10-12 - 1444/03/16
عناصر الخطبة
1/ أهمية العمر 2/ كيفية استغلال الوقت 3/ أصناف الناس في قضاء الإجازة 4/ الحذر من سلاح الكفار في القضاء علينا

اقتباس

ومن هذه العبادات ما هو فرض وما هو نافلة وجعل سبحانه لبعض الأوقات فضلاً على بعض في مضاعفة الحسنات وإجابة الدعوات. كالأشهر الحرم وشهر رمضان. وعشر ذي الحجة وليلة القدر، ويوم عرفة ويوم الجمعة. وما من موسم من هذه المواسم إلا ولله نفحة من نفحاته يصيب بها من يشاء بفضله ورحمته. فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات. وتقرب فيها إلى الله بأنواع الطاعات. فعسى أن تدركه نفحة من تلك النفحات. فيسعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً

 

 

 

الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. بعثه بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

أيها الناس: اتقوا الله واعلموا أن الوقت الذي تعيشونه في هذه الدنيا لا يقدر بالأثمان، فاحفظوه فيما ينفكم في دنياكم وآخرتكم. ولا تضيعوه باللهو واللعب والغفلة فتخسروا الدنيا والآخرة.

فهذا العمر الذي تعيشه أيها العبد هو مزرعتك التي تجني ثمارها في الدار الآخرة. فإن زرعته بخير وعمل صالح جنيت السعادة والفلاح وكنت مع الذين ينادى عليهم في الدار الباقية: ( كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ) وإن ضيعته في الغفلات.. وزرعته بالمعاصي والمخالفات.

ندمت يوم لا تنفع الندامة. وتمنيت الرجوع إلى الدنيا يوم القيامة. فيقال لك: ( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ).

أيها المسلمون: صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: " لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه. وعن جسمه فيم أبلاه. وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه. وعن علمه ما عمل به؟ ".

فهذا العمر هو أعز شيء لديكم فلا تضيعوه ولا تفرطوا فيه. فإن الله سبحانه وتعالى جعل في كل يوم وظائف لعباده من وظائف طاعته. فمنها ما هو فرض كالصلوات الخمس، ومنها ما هو نافلة كنوافل الصلوات والذكر وغير ذلك وجعل سبحانه للشهور وظائف كالصيام والزكاة والحج.

ومن هذه العبادات ما هو فرض وما هو نافلة وجعل سبحانه لبعض الأوقات فضلاً على بعض في مضاعفة الحسنات وإجابة الدعوات. كالأشهر الحرم وشهر رمضان. وعشر ذي الحجة وليلة القدر، ويوم عرفة ويوم الجمعة. وما من موسم من هذه المواسم إلا ولله نفحة من نفحاته يصيب بها من يشاء بفضله ورحمته.

فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات. وتقرب فيها إلى الله بأنواع الطاعات. فعسى أن تدركه نفحة من تلك النفحات. فيسعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً. روى الإمام أحمد بسنده عن عقبة بن عامر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: " ليس من عمل يوم إلا ويختم عليه " وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن مجاهد قال: ما من يوم إلا يقول: ابن آدم قد دخلت عليك اليوم، ولن أرجع إليك إلى يوم القيامة فانظر ماذا تعمل فيّ؟ فإذا انقضى طواه، ثم يختم عليه فلا يفك حتى يكون الله هو الذي يفك ذلك الخاتم يوم القيامة.

ويقول اليوم حين ينقضي: الحمد لله الذي أراحني من الدنيا وأهلها. ولا ليلة تدخل على الناس إلا قالت كذلك. وقد كان عيسى عليه السلام يقول: إن الليل والنهار خزانتان فانظروا ماذا تضعون فيهما وكان عليه السلام يقول: اعملوا الليل لما خلق له. واعملوا النهار لما خلق له. وعن الحسن رضي الله عنه أنه قال: ليس يوم يأتي من أيام الدنيا إلا يتكلم يقول: يا أيها الناس إني يوم جديد وإني على ما يعمل في شهيد. وإني لو قد غربت الشمس لم أرجع إليكم إلى يوم القيامة. وعنه أنه قال: اليوم ضيفك. والضيف مرتحل يحمدك أو يذمك.

أيها المسلمون: إن الله سبحانه قد أمر بشغل الأوقات بذكره وطاعته. قال تعالى ( وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ) وقال: ( وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ) وقال تعالى: ( فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ ).

أيها المسلمون: إننا بمناسبة بداية العطلة الصيفية والتي سيكون في أثنائها شهر هو أعظم الشهور وهو شهر رمضان المبارك- إننا بهذه المناسبة نوصيكم بتقوى الله تعالى وحفظ أوقات هذه العطلة فيما ينفعكم في الدنيا والآخرة. وإعطاء الجسم فيها قسطاً من الراحة الخالية من الإثم، وعليكم بملاحظة أولادكم وتوجيههم إلى استغلال هذه العطلة فيما يعود عليهم بالنفع، فالناس في العطلة ينقسمون إلى أقسام: فمنهم الرابح فيها، ومنهم الخاسر؛ " وكل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها ".

فمنهم من يقيم في بلده يقضيها بتعليم أولاده القرآن الكريم ويحضرهم إلى المساجد لتلقي القرآن ويراقب حضورهم وغيابهم ويتعاهد حفظه وتحصيلهم ويلزمهم بأداء الصلوات الخمس مع الجماعة. فهذا قد نصح أولاده. وخلفاً وذخراً له بعد الممات. قد قام بالواجب وبذل الأسباب. والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً...

والبعض: يقضي العطلة بالسفر لزيارة المسجد الحرام والمسجد النبوي، فيقضي أوقاته في الحرمين الشريفين بأنواع الطاعات. " والصلاة الواحدة في المسجد الحرام عن مائة ألف صلاة وفي المسجد النبوي عن ألف صلاة " -فهذا قد عرف قيمة الوقت ووفق لاستغلاله...

والبعض الآخر: يسافر لزيارة أقاربه وصلة أرحامه ويقضي العطلة معهم وعندهم لتقر أعينهم به ويؤدي حقهم عليه -فهذا مأجور وقد استفاد من وقته وأدى ما عليه.

والبعض الآخر: يسافر للنزهة في داخل البلاد وبين أظهر المسلمين في أرجاء المملكة يقضي وقته في ناحية من نواحيها محافظاً على دينه؛ فعمله هذا مباح لا لوم عليه فيه..

والبعض الآخر: يقضي العطلة في اللهو واللعب وترك الواجبات وفعل المحرمات أو يسافر إلى البلاد الكافرة بلاد الكفر والفجور. والعهر والخمور. لينغمس في أحوال الضلالة. ويتربى في أوكار السفالة. يقضي وقته بين لهو ومزمار. ولعب ميسر ومسرح وحانة خمار. وربما يستصحب معه نساءه وأولاده ليأخذوا حظهم من الشقاء.

فتخلع المرأة لباس الستر وتلبس لباس ذوات الكفر. فهذا الذي قد ضيع الزمان. وباء بالإثم والخسران –وسوف يندم عن قريب- إن لم يتب إلى ربه.

أيها المسلمون: قد وجد في هذا الزمان سلاح يستعمل لقتل الأخلاق والقضاء على الفضيلة حتى تحل مكانها الرذيلة. سلاح صنعه الكفار ورمونا به في بلادنا حتى تسلل إلى كثير من بيوت المسلمين. وصار في متناول النساء والأطفال. وسفلة الرجال. ألا وهو جهاز الفيديو- ذلكم الجهاز الخبيث الذي تعرض على شاشته أفلام الدعارة والمجون، أفلام الزنا واللواط.

وأفلام الرقص والاختلاط. والأفلام التي تعلم السرقة والخيانة وممارسة الجريمة. إن هذا الفيديو الخبيث يقضي على الغيرة والحياء، ويجرئ على ارتكاب الفحشاء. فيا من عافاك الله منه احمد الله واحذر أن يدخل بيتك. ويا من ابتليت به تب إلى الله وأخرجه من بيتك. لا تفسد به أخلاق نسائك وأولادك وجيرانك- فتكون مع الذين يحملون أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم...

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) الآيات..

 

 

 

 

 

المرفقات

1057

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات