فضل يوم الجمعة

د. منصور الصقعوب

2026-04-17 - 1447/10/29 2026-04-29 - 1447/11/12
عناصر الخطبة
1/تفاوت العبادات في الفضيلة والثواب 2/فضائل يوم الجمعة 3/سنن وآداب يوم الجمعة 4/التحذير من التخلف عن صلاة الجمعة 5/الدعاء يوم الجمعة وساعة الإجابة.

اقتباس

كلٌّ منا لديه حاجات، كلٌّ منا لديه مطالب وهموم، كلٌ منا لديه دعوات يتحرى أن تفتح لها أبواب السماء، وها هو رب العزة والجلال، ها هو الكريم يفتح لك باباً إليه للإجابة، فلا تغبنن عن هذه الساعة. تفرغ فيها والزم بيته، وتضرع إليه، وأحسن الظن به، وما هي إلا أوقات يسيرة، ولربما كان من أثرها تَغيّرُ حياةٍ، وإزالةُ كربة، وإجابة دعوة....

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله....

 

التفاضل من حكمة الله في شرعه، ومن سننه الكونية في خَلقه، فالأعمال ليست على درجة واحدة، بل العبادات متفاوتة في الفضيلة والثواب.

 

والناس ليسوا سواء، بل هم متفاوتون في المنزلة، والرسل بعضهم أفضل من بعض.

 

وجعل الأزمان والشهور متفاوتة في الفضل، وحين جعل أيام الأسبوع سبعة، فضّل واحداً منها على بقية الأيام، وشرّفه وزانه بالخيرات والأعطيات، وهو يوم الجمعة.

 

هذا اليوم هو خيرُ يومٍ طلعت فيه الشمسُ، قدَّر الله في هذا اليومِ أهمَّ حوادثِ الخلقِ، وأبرزَ وقائعِ التاريخِ الكبارِ، ففيه خُلق آدمُ، وفيه أُدخلَ الجنةَ، وفيه أُخرجَ منها، وفيه تقومُ الساعةُ، في الصحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "خيرُ يومٍ طلعت فيه الشمسُ يومُ الجمعة، فيه خُلقَ آدمُ، وفيه أُدخلَ الجنةَ، وفيه أُخرجَ منها"، وفي رواية: "ولا تقومُ الساعةُ إلا في يومِ الجمعة"، وعند أحمد "وما من دابَّةٍ إلا وهي مُسِيخةٌ يومَ الجمعة، من حينِ تصبحُ حتى تطلعَ الشمسُ شفَقاً من الساعةِ، إلا الجنَّ والإنس".

 

وهو يومٌ هدى الله له هذه الأمة في حين ضلَّ عنه اليهود والنصارى، فصار اليهود يعظّمون السبت، والنصارى يعظّمون الأحد، والفضل هو للجمعة، قال -صلى الله عليه وسلم-: "نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، الْيَهُودُ غَدًا وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَد"؛ فالحمدُ للهِ الذي هدانا للإسلامِ، وخصَّنا بأشرفِ الأيامِ.

 

لأجل هذا فأنت اليوم -يا موفق- في يومٍ شريف القَدْر، عظيم المنزلة، فقمن أن تقدره قدره، وتنهل من فضله.

 

فحين يأتي هذا اليوم الأغر يُستحب أن تغتسل فيه وتتطيب؛ امتثالاً لمن قال -صلى الله عليه وسلم-: "الغسلُ يومَ الجمعةِ واجبٌ على كلِّ محتلِم"، وفي لفظ: "وَالسِّوَاكَ وَأَنْ يَمَسَّ مِنَ الطِّيبِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ".

 

تم تغدو لصلاة الجمعة، باحثاً عن مغفرة ذنوبك، فـ"الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر".

 

وتتحرى التبكير لها، لِتُكتب في صحف الملائكة من المبكّرين، وبقدر تبكيرك تكون الفضيلة، ولا سواء بين مَن بكَّر وابتكر، وبين من جاء والإمام يخطب أو بعد ذلك، وكم من خير سيفوته حين لا يأتي إلا بعد إغلاق صحف الملائكة، "ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله".

 

قال -صلى الله عليه وسلم-: "إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف، وجاءوا يستمعون الذكر".

 

"وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي الْبَدَنَةَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الْكَبْشَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الدَّجَاجَةَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الْبَيْضَةَ".

 

وخرج ابن مسعود إلى الجمعة فَوَجَدَ ثَلَاثَةً قَدْ سَبَقُوهُ، فَقَالَ: رَابِعُ أَرْبَعَةٍ ‌وَمَا ‌رَابِعُ ‌أَرْبَعَةٍ بِبَعِيدٍ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "إِنَّ النَّاسَ يَجْلِسُونَ مِنَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ رَوَاحِهِمْ إِلَى الْجُمُعَاتِ".

 

بل إن في الجمعة فضلاً من أعظم الفضائل في السنة، ففي السنن أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَة وَاغْتَسَلَ، ثُمَّ بَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الإِمَامِ، فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ: أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيامِهَا"؛ فابتعد ما شئت عن الجامع أو اقترب، فلك بكل خطوة عمل سنة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

 

فإذا دخلت الجامع فادنُ من الإمام، واشتغل بالنفل والذكر والقرآن، وتفرغ من الشواغل، فأنت في أشرف البقع وأزكى الأيام ومنتظرٌ لصلاة، فاقدر هذا الوقت الشريف قدره، فلعل نفحة من نفحات الكريم تنالك.

 

فإذا وصلت فانأى بنفسك عن تخطي الرقاب؛ كي لا تؤذي المصلين، وقد رأى المصطفى -عليه السلام- رجلاً يتخطى وهو يخطب فقَالَ له :"اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ".

 

قال الشيخ ابن عثيمين: "تخطِّي الرقاب حرام حال الخطبة وغيرها، ويتأكد ذلك إذا كان في أثناء الخطبة؛ لأن فيه أذيةً للناس، وإشغالاً لهم عن استماع الخطبة، حتى وإن كان التخطي إلى فرجة؛ لأن العلة -وهي الأذيةُ- موجودة".

 

 واحذر حين يشرع الخطيب بخطبته من الانشغال بقلبك، والعبثِ بجوارحك، والحديثِ مع من حولك، وأقبلْ بكليتك على حديثه، رجاء النفع والأجر، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: أَنْصِتْ -وَالإِمَامُ يَخْطُبُ- فَقَدْ لَغَوْتَ"، وقال: "وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا"، ومسُّ الحصى أقل إشغالاً من العبث بالجوال، فكن على حذر أن يفوتك الأجر الكبير في هذا الوقت القصير حين تنصرف وتنشغل فيه عن الخطبة.

 

يا مبارك: وكن على غاية الحذر من التخلف عن الجمعة، فذاك مؤذن بالعقوبة العظيمة، وفي الصحيح أنه -صلى الله عليه وسلم- قال متوعداً من يتخلَّف عن صلاة الجمعةِ "لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدَعِهِمْ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِن الْغَافِلِينَ"

 

وفي يوم الجمعة تحرَّ الإكثار من الصلاة على النبي، فقد قال: "فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فيه، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ"؛ فهنيئاً لألسن لَهَجت بالصلاة على المصطفى -صلى الله عليه وسلم- فيه وأكثرت، فذاك من أعظم الذكر، سيما في الجمعة.

 

وداوم على قراءة سورة الكهف يوم الجمعة؛ فهي نورٌ وأمان، فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين".

 

يا كرام: وينبه مَن جاء متأخراً عن الجمعة والناس يصلون إلى أنه إن أدرك من الصلاة ركعة فيتمها جمعة، وإن أدرك أقل من ركعة فإنه يتمها معهم ظهراً أربع ركعات؛ لأن الجمعة قد فاتته فهو لم يدرك منها أيّ ركعة.

 

ومن الحرمان -يا كرام- ما يقع من البعض حين تجده يترك صلاة الجمعة في كثير من الأسابيع لأجل النزهة، وهو وإن كان قد فعل حلالاً، ولكن كم من خير سيفوته بذلك، وقد كان أبو طاهر الباقلاني الزاهد يقول لأصحابه: "أنا بحكمكم إلا يوم الجمعة، فإنه للتبكير والتلاوة"؛ فيومك هذا غنيمة، والنزهة مدركة بعد الجمعة، فلا تفوت هذا الفضل.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وحده...

 

في يوم الجمعة مزية عظيمة، أخبر عنها النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "فِي الْجُمُعَةِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ قَائِمٌ يُصَلِّي فَسَأَلَ اللَّهَ خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ".

 

وهذه الساعة أفاض العلماء واختلفوا في تحديدها، وأقوى ما قيل فيها وقتان: فأما الأول فمن حين يدخل الخطيب إلى أن تُقضَى الصلاة.

 

وأما الثاني فآخر ساعة من نهار الجمعة، وهو أقوى القولين، وقد روي في السنن "فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ"، وليس بعزيز على المُوفَّق أن يُعنَى بكلا الوقتين.

 

كلٌّ منا لديه حاجات، كلٌّ منا لديه مطالب وهموم، كلٌ منا لديه دعوات يتحرى أن تفتح لها أبواب السماء، وها هو رب العزة والجلال، ها هو الكريم يفتح لك باباً إليه للإجابة، فلا تغبنن عن هذه الساعة.

 

تفرغ فيها والزم بيته، وتضرع إليه، وأحسن الظن به، وما هي إلا أوقات يسيرة، ولربما كان من أثرها تَغيّرُ حياةٍ، وإزالةُ كربة، وإجابة دعوة، ولا عجب، فهو دعاء للكريم المجيب.

 

وما أنا بمحدثك عمّن غيّرت هذه الساعة حياتهم، ومن كان من بوابتها إجابة دعواتهم، فذاك كثير، وإنا وإياك لعلي يقينٍ أن الله لا يُجَرَّب، أهم شيء في هذا أن تُصلح دعاءك، بأن يكون بطلبة ليس فيها إثم، وتصلح قلبك بأن تزيل عنه التعلق بكل ما سوى الله، وأن تحسن الظن بربك، وبعد ذلك فَغِيرُ الله قريبة وإجابته للسائلين متحققة، إذا صلح الدعاء، لا تقل كيف ولا متى، فأنت تتعامل مع من بيده مقاليد السماء، واعتبر بقولة عمر: إني لا أحمل هم الإجابة وإنما أحمل هم الدعاء.

 

قال ابن الجوزي: اعلم أن الله لا يرد دعاء المؤمن، غير أنه قد تكون المصلحة في تأخير الإجابة، وقد لا يكون ما سأله مصلحة في الجملة، فيُعوّضه عنه ما يُصلحه، وربما أخَّر تعويضه إلى يوم القيامة، فينبغي للمؤمن ألا يقطع المسألة لامتناع الإجابة، فإنه بالدعاء مُتعبَّد، وبالتسليم إلى ما يراه الحق له مصلحة مُفوّض.

 

وبعد: فيوم الجمعة يوم عيد الأسبوع، فاقدروا يوم العيد قدره، وإذا كان اليهود يُعظّمون سبتهم والنصارى أحدَهم، وهم على ضلال، فنحن أهلَ الجمعة أهلَ الحق، أولى بالفرح بخيرات ربنا، والعناية بشرف يومنا.

 

نسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا....

وصلوا وسلموا....

 

المرفقات

فضل يوم الجمعة.doc

فضل يوم الجمعة.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات