فضل اليوم الثامن والتاسع والعاشر وأيام التشريق

إبراهيم الدويش

2016-09-26 - 1437/12/25
عناصر الخطبة
1/ أهمية موسم عشر ذي الحجة 2/ فضائل يوم عرفة 3/ أعمال يوم عرفة 4/ فضائل يوم النحر وأهم الأعمال المشروعة فيه 5/ خصائص العيد في الإسلام.
اهداف الخطبة
عنوان فرعي أول
عنوان فرعي ثاني
عنوان فرعي ثالث

اقتباس

يوم عرفة يوم بركة ومغفرة وعتق للحاج وللمقيم، فمن فضل ربنا علينا أن أبقى لنا يومًا يمكننا به إدراك فضل عظيم، يوم عرفة! وما أعظمه من يوم، وما أشرَفَه من مكان وزمان! إنه موسمٌ من مواسم الإيمان، له في القلب لوعة وشان، بعد غدٍ ما أشرَقَت الشَّمس في دهرها على يومٍ خير منه، يوم عظيم، مبارك كريم...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد اللهُ فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خير مَن صلَّى وصام، وحجَّ البيت الحرام. 

 

أمَّا بعدُ: إخوة الإيمان! هذا هو اليوم السابع من أيام عشر ذي الحجة، وبقي  أعظمها وأفضلها، بقي خير أيام الدنيا، وأفضلها وأعظمها عند الله تعالى، فغدًا يوم الثامن يوم التروية حيث يجتمع فيه الحجاج بمنى يتهيئون ويستعدون ليوم عظيم حيث يتم تفويج جميع الحجاج صبيحة اليوم التاسع لصعيد عرفات، يوم عرفة يوم بركة ومغفرة وعتق للحاج وللمقيم، فمن فضل ربنا علينا أن أبقى لنا يومًا يمكننا به إدراك فضل عظيم، يوم عرفة! وما أعظمه من يوم، وما أشرَفَه من مكان وزمان!

 

إنه موسمٌ من مواسم الإيمان، له في القلب لوعة وشان، بعد غدٍ ما أشرَقَت الشَّمس في دهرها على يومٍ خير منه، يوم عظيم، مبارك كريم، أقسَمَ به المَلِك العظيم، وهو  -سبحانه وتعالى-  لا يُقسِم إلاَّ بعظيم؛ فقال  جل جلاله: (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) [البروج: 3].

 

وقد بيّن لنا المصطفى -صلى الله عليه وسلم- بأن "اليومُ الموعودُ يومُ القيامةِ، والمشهودُ يومُ عرفةَ، والشاهدُ يومُ الجمُعةِ" الترمذي: 3339 وحسنه الألباني).

 

يوم عرفة يوم مشهود، أليس الله أكمل فيه علينا النعمة وأتم فيه الدين؟ ففي الصحيحين عن عمر بن الخطاب  -رضي الله عنه-  "أنَّ رَجُلاً مِنْ الْيَهُود قال له: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِين آيَةٌ تَقْرَؤونَهَا في كِتَابِكُمْ لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ وَنَعْلَمُ ذَلِكَ اليَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ،لاتَّخَذْنَاهُ عِيداً، قَالَ: أيُّ آَيَةٍ؟ قَالَ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا) [المائدة:3]، فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -رضي الله عنه- : إِنِّي لأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيه، وَالمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ  -صلى الله عليه وسلم-  بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، وَنَحْنُ وَاقِفُونَ مَعَهُ بِعَرَفَةَ" (البخاري: 45، ومسلم: 3017).

 

يوم عرفة يوم عظيم، أليس صيامه بغفران ذنوب عامين؛ الفائت والقادم؛ كما قال -صلى الله عليه وسلم-: "صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ،وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ" (صحيح مسلم: 196).

 

يوم عرفة يوم مبارك، أليس هو أكثر الأيام عتقًا من النار، كما في قوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَر مِن أَن يُعتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِن يَوْمِ عَرَفَةَ" (صحيح مسلم: 436). 

 

يوم عرفة يوم مشهود، أليس فيه نزول ربِّنا -عز وجل- إلى السماء الدنيا حتَّى يدنو من الحجَّاج بعرفة فيباهي بهم ملائكته؟ كما في قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ اللَّهَ -سبحانه وتعالى -يُبَاهِي مَلائِكَتَهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِأَهْلِ عَرَفَةَ، يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا" (أحمد: 7089، وقال الألباني: حسن صحيح).

 

ويعتق الرحمن من النار في ذلك اليوم الأفواجَ الكثيرة، والأعدادَ العظيمة فقد أخبر  -صلى الله عليه وسلم-  أنه: "مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمْ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ" (مسلم: 1348).

 

قال ابنُ عبد البر: "وهذا يدلُ على أنهم مغفورٌ لهم؛ لأنه لا يباهي بأهل الخطايا إلا بعد التوبة والغفران والله أعلم" (التمهيد: 1/ 120).

 

ووقف الفضيل بن عياض "بعرفة فنظر إلى تسبيح الناس وبكائهم عشية عرفة فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل فسألوه دانقًا [أي: سُدْسُ الدِرهمِ] أكان يخذلهم؟ قالوا: لا. قال: والله للمغفرة عند الله أهون في إجابة رجل لهم بدانق"  (جزء في فضل عرفة، لابن ناصر الدين الدمشقي، ص56).

 

 يوم عرفة يوم مبارك، أليس أفضل الدعاء دعاء عرفة،كما قال -صلى الله عليه وسلم-: "أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ" (الموطأ: 572، وحسنه الألباني في صحيح الجامع).

 

 فالدعاء في هذا اليوم هو أفضل الدعاء، فأكثروا فيوم عرفة يوم الدعاء ويوم الرضا والمغفرة ويوم العتق، هذا هو اليوم القادم بعد غدٍ، فيا هنيئًا لمن أدركه واستعد له وأحسن استغلاله، فكل هذه الفضائل من تكفير ذنوب عامين، وعتق من النار ورضا الرب، ومغفرةٍ للذنوب ودخولٍ للجنة فبخٍ بخٍ مطالب غالية عظيمة، وأمنيات كبيرة يحسب لها المؤمن العاقل ألف حساب، لعلمه أن سلعة الله غالية يبذل المؤمن في سبيل نيلها الثمن الذي تستحقه.

 

تريدين إدراك المعالي رخيصة *** ولا بد دون الشهد من إبر النحل

تَهونُ علينا في المعالي نفوسُنا *** ومن يَخْطُب الحسناءَ لم يُغْلِها المهر،

 

إنه يوم التجليات، يوم الأعطيات، يوم النفحات الإلهية، يوم البذل والسخاء، يوم اللقاء الأكبر بين العبد المذنب المنيب المشتاق، وبين ربه التواب الرحيم الرزاق؛ يا الله! لمشهد عرفات منظرٌ لم ترَ أهيب منه العيونُ، وموطنٌ لم تَخشَع في مثله القلوبُ، فسبحان مَن علَّق الأرواح بتلك الديار الجدباء، حيث لا ظِلَّ فيها ولا نظارة ولا ماء، إنما تحمل في محيطِها الشعور والمشاعر التي لا يُنسِيها الزمان، ولا تمحُوها الأيَّام، فقد جعَل الله  -سبحانه وتعالى - في هذا اليوم من العِبَر والعَبَرات، والذِّكرى والعظات ما يزيد الإيمان، ويغرس التقوى،

 

عَرَفَاتُ قَلْبِي لَجَّ بِالشَّكْوَى*** دَوَّى بِصَرْخَتِهِ وَكَمْ دَوَّى

هَاجَ الفُؤَادُ تَمَلَّكَتْنِي عَـبْرَةٌ *** لَمَّا رَأَيْتُ النَّاسَ وَالنَّجْوَى

هَذِي جُمُوعُ المُسْلِمِينَ تَوَحَّدَتْ ***فِي بُقْعَةٍ نَفْسِي بِهَا نَشْوَى

 

فاللهم بلغنا يوم عرفة ونحن بأتم صحة وعافية، وبلغنا فضل عرفة ومغفرة عرفة وعتق عرفة، اللهم وفقنا فيه للعمل الذي يرضيك عنا، ربنا رضاك خير ما نتمنى، فأعنا وتقبل منا، إن لم نكن مع الحجيج في البيت، فقلوبنا امتلأت وتعلقت برب البيت.

 

اللهم إنا نحبك فلا تحرمنا فضلك، فاهدنا اللهم فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا بأيامنا هذه وقنا برحمتك واصرف عنا شر ما قضيت، إنه اليوم التاسع بعد غدٍ فأي عاقل يضيع كل هذا الفضل استثقالًا لعمل يوم؟!

 

ثم من البشائر التي تتوالى هذه الأيام، فبعد التاسع العاشر، أعظم أيام الدنيا، يوم العيد، يوم العج والثج التكبير وكثرة الذبح وإنهار الدم تعظيمًا لله، ففي كل الأرض عرضها وطولاها تُذبح الأضاحي وتسيل دماء الأنعام في كل مكان، يا له من مشهد، (لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ) [الحج: 37].

 

 إنه اليوم العاشر فعظموه بكثرة ذكر الله والتكبير والصدقة، وكثرة انهار الدم لله، واستشعار الحكمة من ذلك، وتذكروا قول الحق -عز وجل-: (وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) [الحج: 32].

 

 ومما يُروى في الحديث أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ عَمَلًا أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ -عز وجل- مِنْ هِرَاقَةِ دَمٍ، وَإِنَّهُ لَيَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَظْلَافِهَا وَأَشْعَارِهَا، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنْ اللَّهِ -عز وجل- بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا".

 

 فما تقرب عبد لربه في مثل هذه الأيام أفضل من تقربه بدم ينحره من أجل الله؛ فإن نفس الذبح وإراقة الدم مقصود؛ إذًا فلئن كان يوم عرفة بهذا الفضل العظيم فإن العاشر أعظم فهو يوم الحج الأكبر، يوم النحر، يوم العيد أفضل أيام الدنيا، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: "أَعْظَمُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ" (رواه أحمد وغيره)، ويوم القرّ: هو يوم الحادي عشر؛ لأن الحجاج يستقرون في منى.

 

وهذا لا يتنافى مع قوله -صلى الله عليه وسلم-: "أفضل الأيام يوم الجمعة"، فالأفضلية هنا بالنسبة لأيام الأسبوع، وأما يوم النحر فأفضل أيام العام؛ وقد عظمه الله لكثرة الدماء التي تُنهر شكرًا لله، وتعظيمًا من كل المسلمين في كل بقاع الدنيا، فطيبوا نفسًا في يوم العيد واسعدوا وافرحوا، وأدخلوا السرور على أهليكم وعلى كل مسلم، فإنه لما قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الْمَدِينَةَ كانَ لَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ:  "مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟" قَالُوا:كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ" (أبو داود: 1134، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود).

 

 فهذان عيدان سنويان، وعيد ثالث هو العيد الأسبوعي وهو الجمعة، فهذه الأعياد الثلاثة قد جعلها الله -عز وجل- بعد إكمال الطاعات؛ فبعد إكمال صلوات الأسبوع يأتي عيد الأسبوع وهو الجمعة، وبعد إكمال رمضان يأتي عيد الفطر، وبعد إكمال الحج يأتي عيد الأضحى.

 

 وإنما يكمل الحج بيوم عرفة والوقوف بعرفة؛ فإنه ركن الحج الأعظم كما قال -صلى الله عليه وسلم-: "الحَجُّ عَرَفَةُ" (أحمد 18774، وصححه الألباني في الإرواء).

 

فيوم عرفة هو يوم العتق من النار، فيعتق الله من النار من وقف بعرفة ومن لم يقف بها من أهل الأمصار من المسلمين، فلذلك صار اليوم الذي يليه عيدًا لجميع المسلمين في جميع أمصارهم؛ من شهد الموسمَ منهم، ومن لم يشهده، لاشتراكهم في العتق والمغفرة يوم عرفة، وإنما لم يشترك المسلمون كلهم في الحج كل عام رحمةً من الله -عز وجل- وتخفيفًا على عباده؛ فإنه جعل الحج فريضة العمر، لا فريضة كل عام، وإنما هو في كل عام فرض كفاية، بخلاف الصيام فإنه فريضة كل عام على كل مسلم.

 

فإذا كمل يوم عرفة، وأعتق الله -عز وجل- عباده المؤمنين من النار اشترك المسلمون كلهم في العيد عقب ذلك، وشرع للجميع التقرب إليه بالنسك وهو إراقة دماء القرابين، والعيد عباد الله هو موسم الفرح والسرور، أفراح المؤمنين وسرورهم بإكمال طاعتهم، وبفضله ومغفرته كما قال تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس: 58] .

 

 ثم تستمر الأفراح حتى أيام التشريق الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر فكلها أوقات ذبح للأضاحي وفرح وأكل وشرب، لحديث عُقبة بنَ عامرٍ قالَ: قال -صلى الله عليه وسلم-: "يومُ عرفة ويومُ النحرِ وأيامُ التشريقِ عيدُنا أهلَ الإسلامِ، وهي أيامُ أكلٍ وشُرْبٍ" .

 

أيها المؤمنون: هذه هي الأيام القادمة وفضلها، وعظمتها، فتنافسوا وتسابقوا واهنئوا واسعدوا، وعلموا أولادكم هذا الفضل للأيام فقد يجهلون الكثير عنها، نسأل الله الفقه في الدين، والبصيرة والمعرفة في أحكامه وحِكَمِه، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى.

 

 اللهم نسألك أن تعيننا على أنفسنا الضعيفة، وتغفر لنا وترحمنا، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه.

 

 

 

المرفقات

اليوم الثامن والتاسع والعاشر وأيام التشريق

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات