فضل العمل والتكسب

عبد الله بن علي الطريف

2013-09-03 - 1434/10/27
التصنيفات: الحياة الآخرة
عناصر الخطبة
1/أحق الناس بالاستخلاف في الأرض 2/أهمية عمارة الدنيا 3/الفضل السعي في كسب الحلال وبذل الأسباب 4/فضل الكسب والإنفاق على العيال 5/حاجات الأمة العامة 6/خطر البطالة ومفاسدها

اقتباس

إن هذا الدينَ -أيها الإخوة-: يوجبُ على أهله أن يكونوا أجدر بالحياتين: الآخرة بالعمل الصالح، والدنيا بعمارةِ الأرض، واتخاذِ أسباب القوة بخوض المجالات المشروعة من تجارة، وصناعة وحرفة، وقد حث الله -تعالى- على السعي والتكسب، من...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

أما بعد:

 

يقول الله -تعالى-: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) [الطلاق: 2- 3].

 

أيها الإخوة: خلق اللهُ البشر في هذه الدنيا، وأنشأهم من الأرض واستعمرهم فيها، وتتعاقب على هذا الاستخلاف الأمم والأجيال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ كل ذلك: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الملك: 2].

 

والأحق بهذا الاستخلافِ، والأجدرُ به عباد الله الصالحون، قال الله -تعالى-: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ) [الأنبياء: 105- 106].

 

ومن هنا فإن كلَ قصد من عمارة الأرض كما أمر الله -تعالى- فهو توجه محمود، وكلَ عمل في هذا السبيل من الأعمال الصالحات، وكلَ مجهود في سبيل الحق سعي مبرور.

 

إن هذا الدينَ -أيها الإخوة-: يوجبُ على أهله أن يكونوا أجدر بالحياتين: الآخرة بالعمل الصالح، والدنيا بعمارةِ الأرض، واتخاذِ أسباب القوة بخوض المجالات المشروعة من تجارة، وصناعة وحرفة، وقد حث الله -تعالى- على السعي والتكسب، من ذلك قوله: (وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا) [النبأ: 11].

 

فذكره في معرض الامتنان، فقال: (وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) [الأعراف: 10].

 

فجعلها ربك نعمة وطلب الشكر عليها، بل جعل سبحانه السعي في الكسب والمعاش عذراً لترك قيام الليل الطويل، فقال: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) [المزمل: 20] أي مسافرون في الأرض يبتغون من فضل الله في المكاسب والمتاجر.

 

وقال: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) [الجمعة: 10] أي: لطلب المكاسب والتجارات.

 

وعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ -رضي الله عنه-، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، قَالَ: "مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ، خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ -عليه السلام-، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ"[رواه البخاري].

 

قال ابن حجر -رحمه الله-: والحكمة من تخصيص داود -عليه السلام- بالذكر، أن اقتصاره في أكله على ما يعمله بيده لم يكن من الحاجة؛ لأنه كان خليفة في الأرض كما قال الله -تعالى-: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) [ص 26].

 

وإنما ابتغى الأكل من طريق أفضل، ولهذا أورد النبي -صلى الله عليه وسلم- قصته في مقام الاحتجاج بها على ما قدمه من أن خيرَ الكسبِ عملُ اليد.

 

 وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لأن يحتطِبَ أحدكم حُزْمَةً على ظهرِهِ خيرٌ من أن يسألَ أحداً فيُعْطيَهُ أو يمنعَهُ"[رواه البخاري].

 

هذا هو الخلق النبيل أن لا يخضع الإنسان لأحد ولا يذل له، بل يأكل من كسب يده من تجارته، أو صناعته، أو حرثه.

 

وقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ" فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: "نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ"[رواه البخاري].

 

"قراريط" جمع قيراط وهو جزء من النقد.

 

وقَالَ صلى الله عليه وسلم: "السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ، كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَكَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ"[رواه البخاري ومسلم].

 

والساعي: الكاسب لهما العامل لمؤنتهما، والأرملة من لا زوج لها سواء كانت تزوجت قبل ذلك أم لا.

 

وقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "إِنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ أَرَى الرَّجُلَ فَارِغًا، لَا فِي عَمَلِ الدُّنْيَا، وَلَا فِي عَمَلِ الْآخِرَةِ".

 

وكان زيد بن مسلمة يغرس في أرضه، فقال له عمر -رضي الله عنه-: "أصبت استغن عن الناس يكن أصون لدينك، وأكرم لك عليهم".

 

وقال عمر -رضي الله عنه-: "ما من موضع يأتيني الموت فيه أحبَ إليَّ من موطن أتسوَّق فيه لأهلي أبيع وأشتري".

 

وجاءت ريح عاصفة في البحر، فقال: أهل السفينة لإبراهيم بن أدهم -رحمه الله-، وكان معهم فيها: أما ترى هذه الشدة؟ فقال: ما هذه الشدة، وإنما الشدةُ الحاجة إلى الناس قصده بمسألتهم.

 

وقال أيوب: قال لي أبو قلابة: "إلزم السوق فإن الغنى من العافية" -يعني الغنى عن الناس-.

 

وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: "قِيلَ لِأَحْمَدَ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ جَلَسَ فِي بَيْتِهِ أَوْ مَسْجِدِهِ، وَقَالَ: لَا أَعْمَلُ شَيْئًا حَتَّى يَأْتِي رِزْقِي؟ فَقَالَ أَحْمَدُ -رحمه الله-: هَذَا رَجُلٌ جَهِلَ الْعِلْمَ أَمَا سَمِعَ قَوْلَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي"[رواه البخاري].

 

وَقَالَ حِينَ ذَكَرَ الطَّيْرَ: "تَغْدُوا خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا"[صحيح].

 

فذكر أنها تغدوا في طلب الرزق، وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَتَّجِرُونَ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَيَعْمَلُونَ فِي نَخْلِهِمْ، وَالْقُدْوَةُ بِهِمْ، وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ -رحمه الله-: "لَيْسَ الْعِبَادَةُ عِنْدَنَا أَنْ تَصُفَّ قَدَمَيْك وَغَيْرُك يَقوتُ لَك، وَلَكِنْ ابْدَأْ بِرَغِيفِك فَاحْرُزْهُمَا ثُمَّ تَعَبَّدْ".

 

ورُوي أن الأوزعي لقي إبراهيمَ بنَ أدهم -رحمهم الله- وعلى عنقه حُزمة حطب، فقال له: "يا أبا إسحاق إلى متى هذا؟ إخوانُك يكفونَك، فقال: دعني عن هذا يا أبا عمرو، فإنه بلغني أنه من وقف موقف مذلة في طلب الحلال، وجبت له الجنة".

 

أيها الإخوة: إن الكسب بقدر الكفاية لنفسه وعياله، وقضاء دينه، ونفقةِ من يجبُ عليه نفقتُه؛ فرضٌ من الفروض.

 

ولا يجوز للقوي القادر أن يجلس، أو يسأل الناس، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ"[رواه أبو داود وصححه الألباني].

 

 ثم إن الإنفاق على العيال أفضل الإنفاق على الإطلاق؛ فعَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ، دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ" قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: "وَبَدَأَ بِالْعِيَالِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ راوي الحديث: وَأَيُّ رَجُلٍ أَعْظَمُ أَجْرًا، مِنْ رَجُلٍ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالٍ صِغَارٍ، يُعِفُّهُمْ أَوْ يَنْفَعُهُمُ اللهُ بِهِ، وَيُغْنِيهِمْ".

 

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ"[رواهما مسلم].

 

 أيها الإخوة: لقد سمى فقهاؤنا -رحمهم الله- حاجاتِ الأمةِ من الأعمال والصنائع والحرف فروضَ كفايات، وهي تشمل حراسة الأمن، ودواوين القضاء، وإجادة الأعمال، وامتهانَ الحرف، وكلَّ ما فيه عمران الأمة؛ صنوف متعددة لا يحسنها كلُ أحد، ولا يقوى عليها كلُ أحد، ولكن يحتاج إليها كلُ أحد، إنما هي مواهب وقدرات، وهمم متفاوتة، قسمها الله بين خلقه، ليتخذ بعضُهم بعضاً سخريا.

 

أيها الإخوة: لا بد من ارتفاع الهممِ، ونفضِ غبارِ الكسل، وإنك لا تكاد ترى سبباً لأنواع البطالات المكشوفة والمقنعة إلا سقوطَ الهمة، وفتورَ العزيمة، فالرجل إنما يترك الجد في طلب العمل، ويتهاونُ في السعي من أجل الرزق، حين تنحطُ همته، وتصغرُ نفسه، أما من شمَّر عن الساعدِ وضرب في الأرضِ ابتغاء فضل الله، فطرق الأبواب، وسلك المسالكَ، واستسهل كلَ صعب من أجل معالي الأمور، فهو الجدير بالحياة الكريمة، تأسياً بعظماء الرجال؛ حتى قال ابن الجوزي -رحمه الله-: فينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه، فلو كان يُتصور للآدمي صعودُ السموات لرأيتُ من أقبح النقائص رضاه بالأرض، ولو كانت النبوة تحصلُ بالاجتهاد رأيتُ المقصرَ في تحصيلها في حضيض، غير أنه إذا لم يمكن ذلك فينبغي أن يطلب الممكن، والسيرة الجميلة عند الحكماء خروجُ النفس إلى غاية كمالها الممكن لها في العلم والعمل، أسأل الله -تعالى- بمنه وكرمه أن يوفقَ شباب أمتنا للخير، وأن يجعلهم ممن يعمر الأرض حق العمارة؛ إنه جواد كريم.

 

أقول قولي هذا...

 

 

الخطبة الثانية:

 

أيها الإخوة: وإذا كان العمل يُلْبِسُ أهله لباس الاستغناء والكرامة، فإن البطالة ثوبُ حقارة فضفاض؛ يقول عمر -رضي الله عنه-: "أرى الفتى فيعجبني فإذا قيل لا حرفة له سقط من عيني".

 

ويقول أيضاً: "مَكْسَبَةٌ فيها دناءة خيرٌ من مسألة الناس".

 

 ويأبى الرجال، أصحاب الهمم العالية، الرضا بالدون من العيش، حتى لو وجدوا ما يكفلُ لهم معاشهم؛ هاهو عبدُ الرحمن بنُ عوف -رضي الله عنه- لا يقبل عرض أخيه من الأنصاري سعد بن الربيع، ليشاطره ماله، بل قال: "دلوني على السوق" فنزل فعمل في التجارة، حتى أصبح من أغنياء الصحابة، ينفق على الجيوش في سبيل الله، ويسير القوافل لنصرة دين الله.

 

إن البطالة -أيها الأحبة-: تجعل صاحبَها كلّاً على غيره، يتنكرُ له العارفون ويستثقله حتى الأقربون، تنفكُ من حوله الأواصر، وتنقطعُ الصلات، إنها مصيبة ماحقة، تحترق في سعيرها الفضائل والمصالح وتذوب في مضاعفاتها الأفراد والجماعات.

 

أيها الإخوة: إن الجد والنشاط في العمل من أعظم الأعمال وأجلها إذا صلحت النية، واسمعوا -يا رعاكم الله- إلى هذا الموقف العجيب؛ فعن كعب بن عجرة قال: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وَأَصْحَابِهِ، فَرَأَوْا مِنْ جَلَدِهِ وَنَشَاطِهِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ -يعني في الجهاد- فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: "إنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يُعِفُّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى رِيَاءً وَمُفَاخَرَةً فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ"[رواه الطبراني وصححه الألباني في صحيح الجامع].

 

أيها الإخوة: إن على الآباء والمربين، ومن ولي أمر المسلمين: أن يرشدوا الشباب العاطلين عن العمل إلى سبل الرزق، وأن يبينوا لهم طرقها، وأن يغرسوا فيهم حب العمل، وأن الكسب يحتاج إلى صبر ومثابرة، وحسن تدبير.

 

وصلوا...

 

 

 

المرفقات

العمل والتكسب

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات
عضو نشط
زائر
08-01-2021

السلام عليكم    موضوع جميل