فضل العشر الأواخر وليلة القدر

عبدالله بن عبدالرحمن الرحيلي

2021-04-30 - 1442/09/18 2022-10-11 - 1444/03/15
عناصر الخطبة
1/فضائل العشر الأواخر من شهر رمضان 2/اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر 3/فضل ليلة القدر 4/معاني سورة القدر 5/عبادات وأعمال صالحة في العشر الأواخر.

اقتباس

أيامكم هذه فاضلة عظيمة، يُقبل المؤمنون على ربهم فيها بقلوب سليمة، ينقطعون فيها للتلاوة والذكر والصلاة، أوقات تحلو فيها المناجاة. كم لله فيها من نادم تائب قُبِلَت توبته!، وداع مستغيث أُجيبت دعوته!، كم فيها ممن أُعتقت من النار رقبته!. المغبون فيها من انصرف عن طاعة الله، والمحروم من حرم رحمة الله. وإنه لَمِن الحِرمان العظيم...

الخطبة الأولى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ؛ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

 

أمَّا بعد: فاتقوا الله أيها المؤمنون، وأنيبوا إليه لعلكم تفلحون، (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)[البقرة:281].

 

واشكروا الله -تعالى- أن بلَّغكم شهر رمضان؛ وهو الشهر الذي فضَّله الله على ما سواه من الشهور، وأودعه عظيم الخيرات والأجور؛ فهو الشهر الذي (أُنزِلَ فيهِ القُرآنُ هُدًى لِلنّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى وَالفُرقانِ)[البقرة: 185].

 

إنه شهر الرحمة، والمغفرة، والعتق من النيران؛ من صامه إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليله إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه.

 

ألا وإن شهركم الكريم قد أخذ في النقص والاضمحلال، فتداركوا أيامه الثمينة بصالح الأعمال. كيف وأنتم مقبلون على خير أيامه ولياليه، وهي عَشْرُهُ الأخيرة، فأيام العشر أفضل أيام الشهر، ولياليه أفضل ليالي العام.

 

وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخصُّ هذه العشر بمزيد من التعبد، ويضاعِف فيها القيام والتهجد؛ فعن عائشةَ -رضي الله عنها- "أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم كان يجتهدُ في العَشْرِ الأواخِرِ ما لا يجتهدُ في غيرها".

 

وقالت عائشة -رضي الله عنها-: "كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلّم- يَخْلِطُ العِشْرين بصلاةٍ ونومٍ فإذا كان دخلت العشرُ شمَّر وشدَّ المِئزرَ". وقالت -رضي الله عنها-: "كان النبيُّ صلى الله عليه وسلّم إذا دخلَ العَشرُ شَدَّ مِئزره وأحيا ليلَه وأيقظ أهلَه".

 

عشر تزيَّنت فيها الجنان، وتوالت فيها فضائل الكريم المنان. فاحرص عبدَ الله على اغتنامها بالطاعة والذكر، فإنَّها غنيمة الْعُمرِ، عسى أن تحظى بنفحة من نفحات المولى، فتسعد في الدنيا والأخرى.

 

عباد الله: إن بين أيديكم ليالياً شريفةً عظيمة ؛ حوت خيرات جسيمة. فيها ليلةُ القَدْرِ، ليلة شرَّفها الله على غيرها، ومَنَّ على هذه الأمة بجزيل خيرها. أشادَ الله بفضلها في كتابة المبين فقال -تعالى-: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَاركةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ)[الدخان: 3-4]

 

 ليلة كثرت خيراتها! وعمت بركاتها، أُنْزِلَ هذا القرآنَ المباركَ فيها؛ إنها ليلة تجري فيها أقلام القضاء بإسعاد السعداء وشقاء الأشقياء، وقسم الأرزاق وتقدير الآجال: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ)[الدخان: 4]؛ أنزل الله فيها سورة تُتلى إلى يوم القيامة.

 

قال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم من كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)[القدر:1-5]؛ ليلة لا يساويها شيء من ليالي الدهر، ليلة هي خيرٌ مِنْ ألفِ شهرٍ، خيرها عظيم، من حُرِم خيرها فقد حُرِم.

 

إنها خير من ألف شهر خلت من ليلة القدر! خير من ألف شهر، في الفضل وكثرةِ الثواب والأجر. وألف شهر تعدل ثلاثًا وثمانين سنة وثلاثة أشهر. الله أكبر!  يا له من فضلٍ عظيمٍ لا يقصر فيه إلا مغبون، ولا يُحرم منه إلا محروم.

 

إنها ليلة الدعوات والنفحات، ملائكة الرحمن -أيها المؤمنون- تتنزل فيها بالخيرات والبركات والرحمات؛ (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم من كُلِّ أَمْرٍ)[القدر: 4]، إنها ليلةُ سلامَ للمؤمنين والمؤمنات؛ (سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)[القدر:4]، يسلمون من كل مخوف؛ لكثرة من يعتقُ فيها من النار.

 

ليلة بلغ من عظيم فضلها أنَّ مَن عمرها بالصلاة، إيمانا بفرضها من الله، واحتسابا لأجرها عند الله، أن يكفر الله عنه ما سلف من خطاياه. يقول النبيَّ -صلى الله عليه وسلّم-: "من قَامَ ليلةَ القدرِ إيماناً واحتساباً غُفِر له ما تقدَّم من ذنبِه"؛ أمر نبيكم -صلى الله عليه وسلم- بتحريها، وكثرة القيام لله -تعالى- فيها.

 

فقال -صلى الله عليه وسلّم-: "تَحَرّوا ليلةَ القدرِ في العشرِ الأواخر من رمضانَ"؛ أخُفَى الله -سبحَانه- عِلْمَها على عباده، ليكونوا في جميع العشر على أتم ما يكون من العبادة، فمن حرِص على شيء جَدَّ في طلبه، وهان عليه ما يلقى من عظيم تعبه.

 

عباد الله: اجتهدوا في عشركم هذه بالدعاء والإنابة، فإنكم فيها على رجاء قبول وإجابة، فقد قال ربكم -عز شأنه-: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)[البقرة:186].

 

انتهزوا فرصة الأوقات الفاضلة والأحوال الشريفة، العشر الأخيرة، جوف الليل من رمضان، والأسحار من رمضان، وفي أحوال السجود وتلاوة القرآن، في مجامع المسلمين في الصلاة والقنوت.

 

عباد الله: أيامكم هذه فاضلة عظيمة، يُقبل المؤمنون على ربهم فيها بقلوب سليمة، ينقطعون فيها للتلاوة والذكر والصلاة، أوقات تحلو فيها المناجاة. كم لله فيها من نادم تائب قُبِلَت توبته!، وداع مستغيث أُجيبت دعوته!، كم فيها ممن أُعتقت من النار رقبته!.

 

 المغبون فيها من انصرف عن طاعة الله، والمحروم من حرم رحمة الله. وإنه لَمِن الحِرمان العظيم أن ترى من انشغل فيها بمضيِّعات الأوقات؛ فكيف بمن عمر لياليه بالمعاصي والسيئات؟!

 

فاتقوا الله -رحمكم الله-، واعملوا وجِدوا وأبشروا وأمِّلوا الخير.

اغتنموا فرص الشهر، ولا تفرطوا في ليالي العشر، وتحروا ليلة القدر.

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد؛ عباد الله: هذا أوان السباق فأين المتسابقون؟ وهذا أوان القيام فأين القائمون؟

يا رجال الليل جِدّوا *** رُبَّ صوت لا يُرَدّ

لا يقـوم الليـل إلا *** مَن له عـزم وجِدُّ

 

إن الليل ميدان ذوي الهمم العالية من المتقين الأبرار.

كيف يرجو النجاة من سوء الحساب من ينام الليل ويلهو بالنهار؟ إنها سمت الصالحين وعبادة القانتين، (كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [الذاريات:17-18].

 

يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة للإثم".

 

إن مَن أحبّ أن يُهوِّن الله عليه طول الوقوف يوم القيامة فليره الله في ظلمة الله ساجداً وقائماً، يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه.

 

يقول أبو سليمان الداراني -رحمه الله-: "أهل الليل في ليلهم ألذّ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل لما أحببت البقاء في الدنيا".

 

الله أكبر! يقول الله -تعالى- عن أهل الليل: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[السجدة:16-17]، أخفوا عملهم بالليل؛ فأخفى الله ثوابهم في الجنة.

 

ويقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أقرب ما يكون الربُّ من العبد في جوف الليل الآخِر، فإن استطعت أن تكون ممَّن يذكر الله في تلك الساعة فكُنْ".

 

ثم صلوا وسلموا عباد الله؛ على نبينا محمد رسول الله.

 

المرفقات

فضل العشر الأواخر وليلة القدر.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات