فضل الحج وعشر ذي الحجة

عبدالمحسن بن محمد القاسم

2010-10-12 - 1431/11/04
التصنيفات: الحج
عناصر الخطبة
1/ فضل الحج 2/ فضل عشر ذي الحجة 3/ بعض أحكام الأضاحي

اقتباس

ومِن برِّ الحجِّ إطعامُ الطعام فيه وإفشاءُ السلامِ وطِيب الكلامِ ومُعامَلة الخلقِ بالإحسان إليهم، فلا تحقرَنَّ في حجِّك من المعروف شيئًا، فخيرُ الناس أنفعهم للناس، وأعزُّهم أصبرُهم على أذاهم، وخادِمُ الحجيج المخلِصُ لله في رعايَتِهم شريكٌ لهم في الأجرِ والثواب ..

 

 

 

 

أمّا بعد: فاتَّقوا الله -عبادَ الله- حقَّ التقوى، وراقِبوه في السرّ والنجوى.

أيّها المسلمون: مواسِم الخيراتِ على العباد تترَى، فما أن تنقضِيَ شعيرة إلا وتتَراءَى لهم أخرَى، ها هِيَ أفواجُ الحجيج قد أمَّت بيتَ الله العتيق ملبِّيةً دعوةَ الخليل عليه السلام: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) [الحج:27]. بيتٌ جعَلَه الله مثابةً للنّاس وأَمنًا، حَولَه تُرتَجى من الكريم الرحماتُ والعطايا، حرمٌ مبارَك فيه هدًى وخيرات وآياتٌ ظاهرات، (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) [آل عمران:96، 97]، حجُّه مِن عمادِ الإسلام، قال سبحانه: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ) [آل عمران:97].

جاء الشّرعُ بالأمرِ ببلوغِ رِحابِه لأداءِ فريضةِ الدِّين، قال عليه الصلاة والسلام: "يا أيها الناس، قد فرَض الله عليكم الحجَّ فحجّوا" رواه مسلم. حجُّه من أجلِّ الأعمال عندَ الله، يقول أبو هريرة رضي الله عنه: سئِل النبي: أيّ العمَل أفضل؟ قال: "إيمانٌ بالله ورسولِه"، قيل: ثمّ ماذا؟ قال: "الجهادُ في سبيل الله"، قيل: ثم ماذا؟ قال: "حجٌّ مبرور" متفق عليه.

في أداءِ ركن الإسلامِ الخامِس غُفران الذّنوب وغَسل أدران الخطايا والعصيان، يقول المصطفَى: "مَن حجَّ فلم يرفُث ولم يفسق رجَع كيوم ولدَته أمّه" رواه البخاري. ومن لازَم التقوى في حجِّه أعدَّ الله له الجنةَ نُزُلاً قال عليه الصلاة والسلام: "والحجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة" متفق عليه، قال النوويّ رحمه الله: "لا يقتصر لصاحبِه من الجزاءِ على تكفيرِ بعض ذنوبه، بل لا بدّ أن يدخلَ الجنة".

والأعمال توزَن بالإخلاص، وإذا شابَهَا شركٌ أو رِياء أفسدَها، قال جل وعلا: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ) [الزمر:65]. ولا يتمّ بِرّ الحجّ إلا بكسبٍ طيّب تنزَّه عن شوائبِ المحرمّات ودنسِ الشبهات.

والصّحبةُ الصالحة في الحجّ عونٌ على الطاعة وحسنِ العبادة، والإحسانُ إليهم عبادَة متعدّيةُ النفع، قال مجاهد رحمه الله: "صحِبتُ ابنَ عمر رضي الله عنهما في السّفَر لأخدمه فكان يخدِمني"، قال ابن رجب رحمه الله: "وكان كثيرٌ من السّلَف يشترط على أصحابِه في السفر أن يخدِمَهم اغتنامًا لأجرِ ذلك". وما قدَّم أحدٌ حقَّ الله على هوَى نفسه وراحتِها إلاّ ورأَى سعادةَ الدنيا والآخرة.

وخيرُ زادٍ يحمِله الحاجّ مع رفقته زادُ الخشيةِ والتقوى، قال جل وعلا: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) [البقرة:197].

ومِن برِّ الحجِّ إطعامُ الطعام فيه وإفشاءُ السلامِ وطِيب الكلامِ ومُعامَلة الخلقِ بالإحسان إليهم، فلا تحقرَنَّ في حجِّك من المعروف شيئًا، فخيرُ الناس أنفعهم للناس، وأعزُّهم أصبرُهم على أذاهم، وخادِمُ الحجيج المخلِصُ لله في رعايَتِهم شريكٌ لهم في الأجرِ والثواب، يقول عليه الصلاة والسلام: "إنَّ الله ليدخِل بالسهم الواحدِ ثلاثةً الجنة: صانِعَه يحتسِب في صنعَتِه الخيرَ، والرامِي به، والممدَّ به" رواه الترمذي.

ومن أمَّ البيتَ حقيقٌ بلزوم ثلاثِ خِصال: ورَعٍ يحجزه عن معاصِي الله، وحِلمٍ يكفّ به غضبَه، وحُسنِ الصحبة لمن يصحَبه.

أيها المسلمون: خير ما يتقرَّب به العبادُ إلى ربهم إظهارُ التوحيد في نسكِهم وإخلاص الأعمال لله في قرباتهم، قال جلّ وعلا: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) [البقرة:196]. وإظهارُ النسك بالقولِ فيه وحدانيّةٌ للخالق: لبّيك اللهم لبيك، لبّيك لا شريك لك لبيك. وخيرُ ما نطق به الناطقون به يومَ عرفة كلِمةُ التوحيد، قال عليه الصلاة والسلام: "خيرُ الدعاءِ دعاءُ يومِ عرفة، وخير ما قلتُ أنا والنبيّون من قبلي: لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير" رواه الترمذي.

والتوكّل على الله من أجلِّ العبادات؛ قال سبحانه: (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) [هود:123]. واليأسُ ليس من دينِ الله في شيء، قال جل وعلا: (إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ) [يوسف:87].

هاجَر تلتمِس الماءَ لها ولرضيعها في وادٍ غيرِ ذي زرع بين جبلين، أنهَكها العطش وأضناهَا الإشفاقُ على صبيِّها، وبعد توكّلٍ على الله وبذلِ الأسبابِ وجدت نَبعًا متدفِّقًا لها وللأجيال بعدها، يقول النبيّ: "رحِمَ الله أمَّ إسماعيل، لو تركَت زمزمَ لكانت زمزمُ عينًا معينًا" رواه البخاري.

واللهُ جلّ وعلا بيده النّفعُ والضرّ، فارجُ الكروبِ وكاشِف الخطوب، متعالي على عباده، بيدِه مقاليدُ السماوات والأرض، متَّصف بالكبرياء والعظمة، يعلِن ذلك الحاجُّ بالتكبيرِ في أنساكه في الطوافِ والسعي ورميِ الجمار وفي يومِ النحر وأيّام التشريق، ليبقَى القلب مجرَّدًا لله، متعلِّقًا به، منسلِخًا عن التعلُّق بما في أيدِي المخلوقين.

وفي رميِ الجِمار تذكيرٌ لبني آدمَ بعدوٍّ متربِّص بهم يدعوهم إلى النّارِ، قال عز وجل: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [فاطر:6]. فكن على حذَرٍ من تقصيرٍ في واجبٍ أو وقوعٍ في معصية تورِدُك المهالك.

واعلَم أنّ لحظاتِ الحجّ عزيزة وساعاتِه ثمينة، قال جلّ وعلا: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) [البقرة:203]، فسابِق فيه إلى كلِّ خيرٍ وقربةٍ من الذّكر والاستغفارِ والتكبير وتلاوةِ القرآن، قال جل وعلا: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ) [البقرة:198].

وبعدَ انقضاءِ النُّسُك احمَده على الهدايةِ واشكُره على العبادة، (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) [البقرة:200]. وفي ثنايَا النّسُك استغفارٌ ورجوع إلى الله، قال عزّ وجلّ: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:199]. قال شيخ الإسلام رحمه الله: "الاستغفارُ من أكبرِ الحسنات، وبابُه واسِع، فمن أحسَّ بتقصيرٍ في قوله أو عمَلِه أو حَالِه أو رِزقِه أو تقلّب قلب فعليه بالتوحيدِ والاستغفار، ففيهما الشِّفاءُ إذا كانا بصدقٍ وإخلاص".

والعِبادُ في الحجِّ على قدرِ هِمَمهم، منهم من يطلُب الدنيا العاجِلة، ومنهم من يطلُب الآخرةَ ومرضاة ربِّه، قال سبحانه: (فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [البقرة:200-202.

والموفَّقُ من أدَّى حجَّه بنيّةٍ صالحة خالِصة ونفقةٍ طيّبة، وعطَّر لسانَه بذكرِ الله، وصاحب عبادَتَه إحسانٌ ونفعٌ للمَخلوقين. فكونُوا في حجِّكم كذلك، وأخلِصوا في دينِكم لله، واجتَهِدوا في الأعمالِ الصّالحة، وسارِعوا إلى جنّات ربّكم.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ) [البقرة:197].

بارَك الله لي وَلكُم في القرآنِ العَظيم، ونفعني الله وإيّاكم بما فيهِ منَ الآياتِ والذّكر الحَكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفِر اللهَ لي ولَكم ولجميعِ المسلِمينَ من كلّ ذنب فاستغفِروه، إنّه هو الغفور الرّحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

 

الحمدُ لله علَى إحسانِه، والشّكرُ له علَى توفيقِه وامتِنانِه، وأشهَد أن لاَ إلهَ إلا الله وَحدَه لا شَريكَ له تعظيمًا لشَأنه، وأَشهَد أنّ نبيَّنا محمّدًا عبدُه ورَسولُه، صلّى الله عَلَيه وعلَى آلِه وأصحَابه وسلّم تسليما مزيدًا.

أمّا بعد: أيّها المسلمون: أظّلَتكم أيّامُ عشرٍ مباركة، الأعمالُ فيها فاضلة، يقول النبيّ: "ما مِن أيّامٍ العملُ الصالح فيها أحبّ إلى الله من هذه الأيام"، يعني أيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهادُ في سبيل الله؟! قال: "ولا الجهادُ في سبيل الله، إلا رجلٌ خرَج بنفسِه ومالِه فلم يرجِع من ذلك بشيء" رواه البخاري.

فأكثِروا فيها من التكبيرِ والتّحميدِ وقراءةِ القرآن وصِلةِ الأرحام والصّدقةِ وبِرّ الوالدين وتفريجِ الكرُبات وقضاءِ الحاجات وسائرِ أنواع الطاعات، قال شيخ الإسلام رحمه الله: "أيّامُ عشرِ ذي الحجّة أفضلُ من أيّامِ العَشر مِن رمضان، والليالي العشرُ الأواخر مِن رمضانَ أفضلُ من ليالي عشر من ذي الحجة"، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يحيُونَ في العشر سُنّةَ التكبير بين الناس، كان ابن عمر وأبو هريرةَ رضي الله عنهما يخرُجان إلى السوقِ في أيام العشرِ، فيكبران ويكبِّر الناس بتكبيرهما. رواه البخاري.

والخيرُ يتتابَع في العشر بذبحِ الأضاحي يومَ العيد وأيام التشريق، وقد ضحّى النبيّ بكبشَين أملَحَين أقرنين، سمَّى وكبَّر وذبحهما بيده. متفق عليه.

وأفضَلُ الأضاحي أغلاهما ثمنًا وأنفسُها عند أهلها، وتجزِئ شاةٌ واحدَة عن الرّجل وعن أهل بيته، ويحرُم على مَن يُضحِّي أن يأخذَ في العشرِ شيئًا من شعرِه أو أظفاره أو بَشرتِه إلى أن يضحّيَ، فطيبوا بها نفسًا، وكُلوا وأطعِموا وتصدّقوا، وتحرَّوا بصدقاتكم فقراءَكم، وبهداياكم منها أرحامَكم وجيرانكم، وصونوا أعيادَكم عمّا يغضِب خالِقَكم، وشاركوا الحجيجَ في الدعاءِ والتهليلِ والتكبيرِ، ومَن أقام في بَلَدِه وسَبقَه الحجّاجُ إلى المشاعِرِ شُرِع له صيامُ يومِ عرفه، يقول عليه الصلاة والسلام: "صيامُ يومِ عرفة أحتسِب على الله أن يكفِّرَ السنّةَ التي قبلَه والتي بعده" رواه مسلم. فاغتنِموا مواسمَ العبادة قبل فواتها، فالحياةُ مغنَم، والأيّام معدودَة، والأعمارُ قصيرة.

ثم اعلَموا أنّ الله أمرَكم بالصلاة والسلام على نبيه، فقال في محكم التنزيل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56]. اللّهمَّ صلِّ وسلِّم على نبيّنا محمّد، وارضَ اللّهمَّ عن خلفائهِ الراشدين...

 

 

  

المرفقات

الحج وعشر ذي الحجة

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات