فضائل وفوائد الصيام

عبدالمحسن بن محمد القاسم

2012-07-27 - 1433/09/08
التصنيفات: رمضان
عناصر الخطبة
1/ بني الإسلام على قواعد لا يقوم إلا بها 2/ خصوصية شهر رمضان بالصيام 3/ فضائل شهر رمضان 4/ عبادات تكفر الخطايا 5/ فوائد الصيام 6/ الحكمة من تشريع الصيام

اقتباس

وخصَّ رمضان بالصوم؛ لأنه الشهرُ الذي أُنزِل فيه القرآن، فيشكرُ المسلمون ربَّهم بالصيام في هذا الشهر؛ لأنه الشهر الذي حلَّت فيه السعادةُ للبشر بنزول القرآن وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم فيه، قال -عز وجل-: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ). قال ابن كثير رحمه الله: "يمدحُ تعالى شهرَ الصيام من بين سائر الشهور بأن اختاره من بينهنَّ ..

 

 

 

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فاتقوا الله -عباد الله- حقَّ التقوى؛ فالتقوى أجمل ما أظهرتُم، وأكرمُ ما أسررتُم.

أيها المسلمون: بنى لله الدينَ على قواعد لا يقوم إلا بها، ونوَّع سبحانه بين أركان الإسلام في الأداء؛ فمنها ما يُقام في اليوم مرات، ومنها ما يُؤدَّى مرةً في العام، ومنها ما أُمِر بفعله في العُمر مرة، ومنها ما يكون مُلازمًا للمُسلم في كل حينٍ وهما: الشهادتان.

وهذه الأُسس تشملُ عبادةَ القلب واللسان والمال والجوارح، ليكون المرءُ كلُّه لله، مُمتثلاً أمرَه في قوله: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام: 162، 163].

وركنٌ في الإسلام جعلَه الله شهرًا كاملاً في العام ليتزوَّد فيه المسلمون من التقوى، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: 183].

وخصَّ رمضان بالصوم؛ لأنه الشهرُ الذي أُنزِل فيه القرآن، فيشكرُ المسلمون ربَّهم بالصيام في هذا الشهر؛ لأنه الشهر الذي حلَّت فيه السعادةُ للبشر بنزول القرآن وبعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه، قال -عز وجل-: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) [البقرة: 185].

قال ابن كثير -رحمه الله-: "يمدحُ تعالى شهرَ الصيام من بين سائر الشهور بأن اختاره من بينهنَّ لإنزال القرآن العظيم".

ورفع الله قدر هذا الشهر؛ فأبوابُ الجنة تُفتح فيه وتُغلَّقُ فيه أبوابُ النار، وتُصفَّدُ فيه الشياطين ليمتنعوا من أذى المؤمنين وإغوائهم، قال -عليه الصلاة والسلام-: "إذا جاء رمضان فُتِّحت أبوابُ الجنة، وغُلِّقت أبوابُ النار، وصُفِّدت الشياطين". رواه مسلم.

قال ابن العربي -رحمه الله-: "وإنما تُفتح أبوابُ الجنة ليعظُم الرجاءُ، ويكثُر العملُ، وتتعلَّق به الهِمم، ويتشوَّق إليها الصابر، وتُغلَق أبوابُ النار لتُخزَى الشياطين، وتقِلَّ المعاصي".

وأساسُ التقوى إخلاصُ الأعمال لله وحده، والصائم يدَع شهوتَه وطعامَه وشرابَه من أجل معبوده، وهو سرٌّ بين العبد وربِّه لا يطَّلِع على صومه سوى الله، وتلك حقيقةُ الإخلاص والمراقبة لله.

في رمضان عباداتٌ تُكفِّرُ الخطايا؛ فصيامُه يغفِر الزلات والأوزار، قال -عليه الصلاة والسلام-: "رغِم أنفُ رجلٍ دخل عليه رمضان ثم انسلخَ قبل أن يُغفَر له". رواه الترمذي.

ومن حافظَ على صيامه كان وقايةً له من النار، قال -عليه الصلاة والسلام-: "الصيامُ جُنَّة". متفق عليه.

قال ابن حجر -رحمه الله "إذا كفَّ نفسَه عن الشهوات في الدنيا كان ذلك ساترًا له من النار في الآخرة".

ومن صلَّى في ليله غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه، قال -عليه الصلاة والسلام-: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه". متفق عليه.

قال النووي -رحمه الله-: "والمرادُ بقيام رمضان: صلاة التراويح".

شهرٌ مُبارَك، العُمرةُ فيه حجَّة، قال -عليه الصلاة والسلام- لامرأةٍ من الأنصار: "ما منعَكِ أن تحجِّي معنا؟!". قالت: كان لنا ناضِحٌ فركِبَه أبو فلانٍ وابنُه -لزوجها وابنِها- وترك ناضِحًا ننضحُ عليه. قال: "فإذا كان رمضان اعتمِري فيه؛ فإن عُمرةً في رمضان حجَّة". رواه البخاري.

قال ابن الجوزي -رحمه الله-: "فيه أن ثوابَ العمل يزيدُ بزيادة شرف الوقت كما يزيدُ بحضور القلبِ وبخُلوص القصد".

في الصوم تزكيةٌ للبدن وتضييقٌ لمسالك الشيطان، وهو يُهذِّبُ اللسانَ فيدعو إلى مُجانبَة الكذب وقول الحرام، قال -عليه الصلاة والسلام-: "من لم يدَع قولَ الزور والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أن يدَع طعامَه وشرابَه". رواه البخاري.

قال ابن القيم -رحمه الله-: "من جالسَ الصائم انتفعَ بمُجالسته، وأمِن فيها من الزور والكذب والفُجور والظلم، فإن تكلَّم لم يتكلَّم بما يجرحُ صومَه، وإن فعل لم يفعل ما يُفسِدُ صومَه، فيخرج كلامُه كلُّه نافعًا صالحًا".

ورمضان شهر الكرم والبذل للفقراء، فإذا صام الغنيُّ تذكَّر من لا قوتَ له، فيدعُوه ذلك إلى العطاء والسخاء.

سُئِل بعضُ السلف: لِمَ شُرع الصيام؟! قال: "ليذوق الغنيُّ طعمَ الجوع فلا ينسَى الجائِعَ".

رمضانُ نهارُه عبادةٌ بالصوم والدعاء ونفع المُسلمين، وفي ليله دعاءٌ واستغفارٌ وتلاوةٌ للقرآن العظيم، في ليله كانت مُدارسة جبريل -عليه السلام- للنبي -صلى الله عليه وسلم- القرآن.

قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "كان يلقاه في كل ليلةٍ من رمضان فيُدارِسه القرآن". رواه البخاري.

الصيامُ جُنَّةٌ من أمراض الروح والقلب والبدن، قال ابن القيم -رحمه الله-: "منافعُه تفوقُ الإحصاء، وله تأثيرٌ عجيبٌ في حفظ الصحة".

في الصوم دقَّةُ العبادة، فجميعُ المسلمون يُفطِرون في وقتٍ واحدٍ، لا يتقدَّم أحدٌ على آخر، ولا يسبِقُ واحدٌ واحدًا في الطعام.

الصائمُ يجمعُ حفظَ الجوارح الظاهرة وحراسة الخواطر الباطنة، فينبغي أن يُتلقَّى رمضانُ بتوبةٍ نصوحٍ وعزيمةٍ صادقةٍ.

رمضانُ موسم التعبُّد لله، كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يخُصُّه بالعبادة بما لا يخصُّ غيرَه من الشهور، وكان الصحابة -رضي الله عنهم- أحرصَ الناس على العبادة في رمضان، قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: "كانوا إذا صاموا جلسُوا في المسجد".

وإذا فُتِح لك بابُ خيرٍ فبادِر إليه؛ فأبوابُ البرِّ لا تُفتحُ للمرء على الدوام.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الحديد: 21].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه، والشكرُ له على توفيقِهِ وامتِنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا مزيدًا.

أيها المسلمون: الحكمةُ من تشريع الصيام: التقوى، ومن التقوى: الإمساكُ عن الأقوال المحرمة كما يُمسِك عن الطعام والشراب.

قال جابرٌ -رضي الله عنه-: "إذا صمتَ فليصُم سمعُك وبصرُك ولسانُك عن الكذب والمآثِم، وليكُن عليك وقارٌ وسكينةٌ يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فِطرك سواءً".

وقال أبو ذرٍّ -رضي الله عنه-: "إذا صُمتَ فتحفَّظ ما استطعتَ".

وإذا صُمتَ عن الطعام والشراب والأقوال الآثِمة فلا يكن للشيطان عليك سبيلاً بالنظر والسمع المحرم، واجعل الجوارح كلَّها صائمةً لله.

ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاةِ والسلامِ على نبيِّه، فقال في مُحكَم التنزيل: (يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا) [الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلِّم على نبيِّنا محمدٍ، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين الذين قضَوا بالحق وبه كانوا يعدِلون: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابةِ أجمعين، وعنَّا معهم بجُودِك وكرمِك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلد آمِنًا مُطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين.

اللهم إنا نسألك الإخلاص في القول والعمل، اللهم تقبَّل منا صيامَنا وقيامَنا، اللهم أدخِلنا الجنةَ بغير حسابٍ ولا عذابٍ، اللهم حرِّم بشرَتنا ولحومنا عن النار.

اجعل أعمالَنا كلَّها صالِحة، واجعلها لوجهِك خالِصة، ولا تجعل لأحدٍ فيها شيئًا.

اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم انصر المُستضعفين من المؤمنين في كل مكان، اللهم كن لهم وليًّا ونصيرًا، ومعينًا وظهيرًا، اللهم قوِّ عزائِمَهم، وسدِّد رميَهم، واحقِن دماءَهم، واحفظ أعراضَهم وأموالَهم.

اللهم وأدِر دوائر السوء على عدوِّك وعدوِّهم، اللهم إنا نجعلُك في نحورهم، وندرأُ بك من شرورهم.

اللهم وفِّق إمامنا لهُداك، واجعل عمله في رِضاك، ووفِّق جميع ولاة أمور المسلمين للعملِ بكتابك، وتحكيمِ شرعك يا رب العالمين.

عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل: 90].

فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
 

 

 

 

المرفقات

وفوائد الصيام

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات