فصبر جميل والله المستعان

عادل العضيب

2022-10-12 - 1444/03/16
عناصر الخطبة
1/ لا ينفك عبدٌ عن الابتلاء 2/ أعظم سلاح في مواجهة هموم وآلام الدنيا 3/ الصبر الجميل بلسم الحياة 4/ مع كل بلاء صبر جميل لا شكوى فيه 5/ ما أحسن التسليم والرضا بأقدار رب العالمين.

اقتباس

آلام وهموم وحسرات، دمعات وأحزان وزفرات، لا يطفئ نارها ويخمد سعيرها ويزيل أثرها إلا أن نقول: صبر جميل والله المستعان. نعم، صبر جميل والله المستعان على مُرّ القضاء، صبر جميل والله المستعان وإن طال البلاء، إنه الصبر الجميل الذي لا يعرف الشكوى إلا للملك الجليل، عباد الله، من مات له حبيب صبر جميل والله المستعان، من حرم الذرية صبر جميل والله المستعان، من تسلطت عليه الأمراض صبر جميل والله المستعان، من لم يوسع له في الرزق صبر جميل والله المستعان، من ظلم من سحر من حرم صبر جميل والله المستعان. صبر جميل لا سخط معه ولا جزاء، صبر جميل لا يأس فيه ولا قنوط، صبر جميل يقود للتسليم لحكم الله والخضوع لقدره، صبر جميل يقوي الإيمان ويقود للثقة بالله، صبر جميل يرضي الله ويقرب إليه..

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ إقرارًا به وتوحيدًا، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليمًا مزيدًا.

 

 أما بعد: عباد الله، أيها المسلمون، نعيش في هذه الحياة نكابد مشاقها وأحزانها وهمومها وغمومها، وتجري علينا أقدار الله فيها بما نحب ونكره، فقد أراد الله أن تكون الدنيا دارًا للابتلاء، يبتلى العبد فيها؛ ليعلم الله الذين صدقوا ويعلم الكاذبين، (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران:142].

 

قد يُبتلى العبد في نفسه؛ إما بمرضٍ يسكن جسده الضعيف، أو بظالم يضع القيد في يديه ويرمي به في غياهب السجون؛ ظلمًا وعدوانًا، قد يُبتلى في ماله، أو يُبتلى بابن عاقّ، أو بزوجة سليطة اللسان، أو والد رحل الإيمان من قلبه، أو جارٍ لا يعرف حق الجوار، ولا يرعى له حرمة، أو قريب سيئ الخلق، بذيء اللسان، مهما بذل من النفع له لم يسلم له، أو بحاقد حاسد لا يرضى بشيء دون ذهاب النعمة التي يتقلب فيها.

 

قد يُبتلى برئيس في عمل، أو بمسئول يسمع كلامه ويصغي لقوله؛ يتتبع عثراته، ويتلمس زلاته، ويتربص به بالليل والنهار، قد يبتلى العبد ببلاء يرى أنه لا سبيل له إلى دفعه أو رفعه، فماذا يفعل؟ هاؤكم الجواب من لسان نبي من الأنبياء ورسول من الرسل، جار أبناؤه فلم يرحموا شيبته، ولم يرعوا حق الأخوة، بل استأمنوا فخانوا، ووعدوا فأخلفوا إنهم إخوة يوسف مع أنهم تابوا وتاب الله عليهم.

 

والذين فرقوا بين الوالد والولد، ورموا بأخيهم في غيابة الجب، ثم قالوا لأبيهم: أكله الذئب، وجاءوا على قميصه بدم كذب، لكن يعقوب -عليه السلام- أدرك أن مكيدة دُبرت ليوسف، فما كان منه أمام هذا البلاء إلا أن قال: (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) [يوسف:18].

 

صبر جميل والله المستعان على كل بلاء، صبر جميل والله المستعان على كل ظالم، صبر جميل والله المستعان على ما كتب وقدر.

 

لما أذى أحدهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بكلام قاله، قال عليه الصلاة والسلام: "رحم الله موسى قد ابتُلي بأكثر من هذا فصبر".

 

صبر جميل، قالت عائشة -رضي الله عنها- حين اتُّهِمَت بعفتها، وخاض المنافقون ومن تبعهم في عِرْضها، فقد دخل عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم قال: "يا عائشة، قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه وتاب تاب الله عليه، قالت: فلما خلص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من مقالته خلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عني رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقلت لأمي: أجيبي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قالت: فقلت وأنا جارية حديثة السن ما قرأت كثيرًا من القرآن، والله لقد علمت أنكم سمعتم بهذا الحديث قد استقر في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقونني، وإن اعترفت بالأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقونني، فوالله ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف: فصبر جميل والله المستعان.

 

نعم، صبر جميل والله المستعان على البلاء، صبر جميل والله المستعان على مُرّ القضاء، صبر جميل والله المستعان وإن طال البلاء، يا مَن اتُّهِمْت في دينك وشكّك الناس في عملك، وحكموا عليك في عملك فصبر جميل، فقد اتُّهِم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبلك، عندما قسم غنائم حنين وأعطى المؤلفة  قلوبهم، قال الخويصرة التميمي: "والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله"، فقال عليه الصلاة والسلام: "ويحك إذا لم أعدل فمن يعدل؟"

 

يا من اتهم في عرضه، صبر جميل، فقد اتُّهِم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في عرضه، ورُميت زوجه عائشة- رضي الله عنها- بالفاحشة حتى برأها الله من فوق سماوات.

 

يا من عتب الأقربون عليه لفعل فعله لمصلحة يراها، لكنهم لم يدركوا مقصده ومراده، صبر جميل فقد عتب الأنصار على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه أعطى أناسًا وتركهم، فجمعهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! مَا مَقَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ، أَلَمْ آتِكُمْ ضُلالا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟" قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ اللَّهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ. قَالَ: "أَلَمْ آتِكُمْ عَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟"، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، اللَّهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ. ثُمَّ قَالَ: " أَلا تُجِيبُونِي؟"، قَالُوا: فَبِمَ نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَكَ الْفَضْلُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: "أَمَا لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ، جِئْتَنَا طَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ، وَجِئْتَنَا مَخْذُولا فَنَصَرْنَاكَ، وَعَائِلا فَآسَيْنَاكَ، يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا أَقْوَامًا، وَوَكَّلْتُكُمْ إِلَى إِسْلامِكُمْ، أَلا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى رِحَالِكُمْ؟ لَوْ أَنَّ النَّاسَ سَلَكُوا شِعْبًا، وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ، وَلَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ، الأَنْصَارُ عَيْبَتِي وَكَرِشِي، وَهُمْ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ" اللهم ارحم الأنصار وأبناء أبناء الأنصار، قَالَ: فَقَالُوا: رَضِينَا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ قَسْمًا.

 

يا من فقد ولدًا أو زوجًا أو حبيبًا أو حبيبةً أو صديقًا، صبر جميل والله المستعان؛ فقد فقَدَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خديجة وكانت أحب الناس إليه؛ حتى إنه لما قالت عائشة-رضي الله عنها-: "ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين، قد أبدلك الله خيرًا منها". قال عليه الصلاة والسلام: "والله ما أبدلني الله خيرا منها، والله ما أبدلني الله خيرا منها، قد آمنت إذ كفر بي الناس، وصدقتني وكذبني الناس، وواستني من مالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله -عز وجل- الأولاد منها إذا حرمني أولاد من سواها".

 

ومات أولاده وبناته جميعًا في حياته إلا فاطمة، يا من جرت مدامعك برحيل ابنه، سكن حبه قلبك قد رقت مدامع الرسول -صلى الله عليه وسلم- على فراق ابنه إبراهيم، فقد رُزق إبراهيم بعد أن بلغ من الكبر عتيا، بعد أن بلغ الستين عليه صلوات ربي والسلام، ولما بلغ إبراهيم سنة ونصف توفي.

 

يقول أنس- رضي الله عنه-: دخلنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على إبراهيم وهو يجود بنفسه، فجعلت عيني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله" فقال: "يا ابن عوف: إنها رحمة"، ثم أتبعها بأخرى، ثم قال عليه الصلاة والسلام: "إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون". إنه الصبر  الجميل.

 

عباد الله، آلام وهموم وحسرات، دمعات وأحزان وزفرات، لا يطفئ نارها ويخمد سعيرها ويزيل أثرها إلا أن نقول: صبر جميل والله المستعان.

 

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، وتاب علي وعليكم إنه هو التواب الرحيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيد الأولين والآخرين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 أما بعد: معاشر المسلمين، صبر جميل واستعانة بالملك الجليل نواجه بها أقدار الله المؤلمة، يا من تخلى عنه القريب والبعيد، وخذله الصديق والحبيب، هذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذّبه قومه، وأذوه وسبوه، وافتروا عليه، فخرج بدعوته إلى الطائف فردوه ردًّا قبيحًا، وسلطوا عليه الصبيان والعبيد، يرمونه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين عليه الصلاة والسلام.

 

 فدخل بستانًا يلوذ به من أذاهم ثم توجه بالدعاء إلى رب الأرض والسماء قائلا: "اللهم أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أنت تنزل بي غضبك أو يحل عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله".

 

إنه الصبر الجميل الذي لا يعرف الشكوى إلا للملك الجليل، عباد الله، من مات له حبيب صبر جميل والله المستعان، من حرم الذرية صبر جميل والله المستعان، من تسلطت عليه الأمراض صبر جميل والله المستعان، من لم يوسع له في الرزق صبر جميل والله المستعان، من ظلم من سحر من حرم صبر جميل والله المستعان.

 

صبر جميل لا سخط معه ولا جزاء، صبر جميل لا يأس فيه ولا قنوط، صبر جميل يقود للتسليم لحكم الله والخضوع لقدره، صبر جميل يقوي الإيمان ويقود للثقة بالله، صبر جميل يرضي الله ويقرب إليه (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) [فصلت:35].

 

عباد الله، صلوا وسلموا على رسول الله، اللهم صلّ وسلم وبارك وزد وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين وعن تابعي التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، وانصر عبادك المجاهدين، واجمع كلمة عبادك على الهدى والحق يا رب العالمين، اللهم كن للمستضعفين من المسلمين، اللهم كن لهم ناصرًا ومعينا وظهيرا يا قوي يا قادر، اللهم ارحم ضعفهم، اللهم عجل لهم بالنصر والتمكين يا قوي يا قادر.

 

 اللهم فك أسر المأسورين، اللهم فرج هم المهمومين، اللهم نفس كرب المكروبين، اللهم اقض الدين عن المدينين، اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين، واكتب الصحة والهداية والتوفيق لنا ولكافة المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

اللهم نسألك إيمانا يباشر قلوبنا، يقينا صادقا حتى نعلم أنه لا يصيبنا إلا ما كتبته لنا.

اللهم أصلح ذرياتنا وزوجاتنا وأصلح فساد قلوبنا، اللهم اغفر لنا ولوالدينا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغارا.

 

اللهم أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أسقنا وأغثنا، اللهم إنا خلق من خلقك فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك.

 

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم صل على محمد وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

 

 

 

المرفقات

جميل والله المستعان

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات