فجر النبوة

عبدالله البرح - عضو الفريق العلمي

2021-10-15 - 1443/03/09 2021-10-17 - 1443/03/11
عناصر الخطبة
1/مولد خير البرية وأكرم البشرية 2/إرهاصات وبشائر زامنت مولده عليه الصلاة والسلام 3/واجب المسلم نحو نبيه صلى الله عليه وسلم.

اقتباس

لقد كان مولد الحبيب -صلوات ربي وسلامه عليه- بشارة لبزوغ فجر جديد يحمل في طياته النور المبين والحق المتين؛ فجر مؤذن بزوال الشرك، وإرساء توحيد .. وإن مما جعل الفرحة تعظم بمولد هذا النور ما حصل عند مولده من...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:

 

معشر المؤمنين: اتقوا الله واشكروه على آلائه ونعمائه، وعظيم فضله وإحسانه، واعلموا أن من أجل نعم الله على هذه الأمة أن أكرمها بخاتم الأنبياء وإمام الأتقياء محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ فقد كان دعوة أبيه إبراهيم -عليه السلام- حين قال: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)[البقرة:129].

 

وكان بشرى أخيه عيسى بن مريم -عليه السلام- حين قال: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ)[الصف: 6].

وقد روى العرباض ابن سارية -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إني عبد الله في أم الكتاب لخاتم النبيين، وأن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بتأويل ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى قومه، ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام"(صححه الحاكم).

 

أيها المسلمون: لقد كان مطلع فجر النبوة في صبيحة يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول، للعام الأول من حادثة الفيل، الموافق للعشرين من أبريل من سنة 571م بمكة المكرمة في شعبة من شعب بني هاشم والمعروفة بشعب أبي طالب، يتيم الأب.

 

ولما وضعته أمه آمنة بنت وهب أرسلت إلى جده تبشره؛ فجاء مستبشراً ودخل به إلى الكعبة، ودعا اللَّه وشكر له، واختار له اسم (محمد)؛ وبمولده امتلأ الكون ضياء وبهجة وسرورا، وحق للكون كله أن يبتهج بمولد نبي الرحمة ومعلم الحكمة، ولله در الشاعر حين قال:

ولد الهدى فالكائنات ضياء *** وفم الزمان تبسم وثناء

الروح والملأ الملائك حوله  ***  للدين والدنيا به بشراء

اسم الجلالة في بديع حروفه *** ألف هنالك واسم طه الباء

يا خير من جاء الوجود تحية  *** من مرسلين إلى الهدى بك جاؤوا

 

أيها المسلمون: لقد كان مولد النبي -صلى الله عليه وسلم- بشارة لبزوغ فجر جديد يحمل في طياته النور المبين والحق المتين؛ فجر مؤذن بزوال الشرك والكفر وسبيل المبطلين، وإرساء توحيد رب العالمين؛ وما أجمل قول الشاعر :

يا من ولدت فأشرقت بربوعنا *** نفحات نورك وانجلى الإظلام

أنت الحبيب وأنت من أروى لنا ***حتى أضاء قلوبنا الإسلام

حوربت لم تخضع ولم تخشَ العدا  ***  من يحمه الرحمن كيف يضام

وملأت هذا الكون نورا فاختفت *** صور الظلام وقوضت أصنام

 

وإن مما جعل الفرحة تعظم بمولد هذا النور ما حصل عند مولده من الدلالات والأمارات التي تنبئ بأن هذا ليس حدثاً سهلاً ولا أمراً عابراً؛ بل حدث عظيم ومولد مبارك، ومن تلك الإرهاصات التي زامنت ولادته -صلى الله عليه وسلم- ما يلي:

ما حصل عند ولادته من انشقاق طاق كسرى، وسقوط 14 شُرفة من إيوان كسرى.

 

ومن الإرهاصات التي زامنت مولد النبي الكريم -أيضا-: ظهور نور أضاء على أرض الشام عندما كان في حضن والدته؛ روى الطبراني أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ورأت أمي في منامها أنه خرج من بين رجليها سراج أضاءت له قصور الشام"(حسنه الألباني).

 

ومنها: وجود معالم النبوة عليه -صلى الله عليه وسلم-؛ يقول جابر بن سمرة -رضي الله عنه-: "رأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده"، وجاء ذكره في قول بحيرا الراهب لأبي طالب عن النبي -صلى الله عليه وسلم- "وإني أعرفه بخاتم النبوة في أسفل مِنْ غُضْروفِ كَتِفِهِ مثل التفاحة".

 

فاشكروا ربكم على أن جعلكم من أمته واسألوا الله أن يثبتكم على التمسك بسنته وأن يكرمكم بشفاعته.

 

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم..

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

 

عباد الله: إن مما ينبغي التذكير به في هذا المقام ونحن نتحدث عن مولد خير الأنام -عليه الصلاة والسلام- أن نُذَكِرَ بالواجب الذي علينا نحو نبينا -صلى الله عليه وسلم- لنقوم به على الوجه الأكمل ونبرهن بذلك على صدقنا في محبته وتوقيره؛ ألا وإن مما يجب علينا نحوه ما يلي:

اتباع ما جاء به النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- ولزوم سبيله واقتفاء أثره، قال -تعالى-: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)[الأعراف: 158].

 

ومما يجب علينا نحو نبينا الكريم: طاعته -صلى الله عليه وسلم-؛ فقد قرن الله طاعة نبيه بطاعته -سبحانه-؛ فقال في كتابه العزيز: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا)[النساء: 59].

 

ومن الواجب علينا نحو نبينا -صلى الله عليه وسلم-: الحذر من مخالفة أمره -صلى الله عليه وسلم- وفعل ما نهى وما لم يأمر به، قال -رب العزة والجلال-: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)[الحشر: 7]، وقد حذر الله من مخالفة أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)[النور:63].

 

كما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حذر من فعل ما لم يأمر به؛ كما في حديث عائشة -رضي الله عنها-: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"(متفق عليه).

 

وختاما -أيها المسلمون- اعلموا أن حقيقة المحبة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- تتجلى في اتباع النبي الأمين والسير على منهجه المبين، ودراسة سيرته والتأسي بأخلاقه، وبالدفاع عن سنته ونشرها والدعوة إليها ومناصرة أتباعه المتمسكين بشريعته -صلى الله عليه وسلم-؛ فتلك أصدق البراهين على محبته وأبر الأعمال الموجبة لنيل شفاعته.

 

وصلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير فقد أمركم بذلك العليم الخبير؛ فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

اللهم ارزقنا حبك وحب نبيك -صلى الله عليه وسلم- ووفقنا للزوم سنته والاستقامة على سبيله وشريعته.

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واخذل أعداءك أعداء الدين.

 

اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.

 

اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان وألف بين قلوبهم، واجمع على الحق كلمتهم وولي عليهم خيارهم واكفهم شر الأشرار ما تعاقب الليل والنهار.

 

المرفقات

فجر النبوة.pdf

فجر النبوة.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات