فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم

خالد القرعاوي

2016-11-01 - 1438/02/01
عناصر الخطبة
1/ آثار تخاصم المسلمين 2/ تفاهة أسباب كثير من الخصومات 3/ وجوب إصلاح ذات البين وحث الشرع عليه 4/ الهدي النبوي في ذلك 5/ فضل السعي في الإصلاح بين الناس 6/ الإصلاح بين الزوجين 7/ المسارعة في مصالحة الوالدين والأرحام

اقتباس

إنَّ دِينَ الإسلامِ جَاءَ بِإصلاح ِذَاتِ البَينِ، وَحَثِّ المُتَخَاصِمَينِ عَلى قَبُولِ أَيَّةِ مُبَادَرَةٍ لِلصُّلْحِ وَفَضِّ النِّزَاعِ وَإنْهَاءِ القَطِيعَةِ، والتَّنَازُل عَنْ كَثِيرٍ مِن الحُقُوقِ لِمَصْلَحَةٍ أكْبَر. قَالَ اللهُ -تَعالى-: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ) [الحجرات:9].

 

 

 

الخطبة الأولى:  

 

الحمدُ للهِ؛ شَرحَ قُلُوبَنا بالإسلام، وَألَّف بَيْنَ قُلُوبِنَا بالإيمانِ، نَحمدُه عَلى مَا هدانا، وَنشكُره عَلى ما أولانَا وَأْعْطَانا.

 

وَنَشهدُ ألَّا إله إلَّا اللهُ وحده لا شريك له؛ إلهنا وَمَولانا، أمَرَنا بِإزَالَةِ الشَّحنَاءِ مِن القُلُوبِ وَمَلْئِهَا بالمَحَبَّةِ وَالمَوَدَّةِ لِلمُؤمِنينَ، وَدَحْرِ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ؛ وَنَشهدُ أنَّ مُحمدا عبدُ اللهِ وَرَسُولُه الأمِينُ، الصَّالِحُ المُصْلِحُ، البَشِيرُ النَّذِيرُ، أَمَرَنا بِالإصلاحِ بَينَ النَّاسِ، وَرَغَّبَنا فِيهِ، وَرَتَّبَ عَلى سَعْينا الأَجْرَ العَظِيمِ، صَلَّى اللهُ وَسلَّمَ وَبَاركَ عَليه وعلى آلِه وأَصحَابِهِ الهُدَاةِ المُهتَدِينَ، وعلى التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإحسَانٍ وَإيمَانٍ إلى يَومِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعدُ: فَوَصِيَّةُ اللهِ لَكُمْ أنْ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.

 

يا مُؤمِنينَ: طَيِّبُوا قُلُوبَكُم على إِخْوانِكُم، وَلِينُوا لَهم، وادْمَحُوا زَلَّاتِهِمْ، وَتَجَاوَزُوا عَنْ تَقْصِيرِهِمْ، وَاحذَرُوا الخُصُومَةَ والشَّحنَاءَ مَعَهُمْ؛ فَكُلُّنا خَطَّاءٌ،

                      مَنْ ذا الذي مَا سَاءَ قَطّ *** وَمَنْ لَهُ الحُسنى فَقطْ

 

ألا تَعْلَمُونَ أنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هيَ الْحَالِقَةُ التي تَحلِقُ الدِّينَ، والأجْرَ والعَمَلَ الصَّالِحَ؟! (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الحجرات:10].

 

عِبادَ اللهِ: لا بُدَّ أنْ نُؤمِنَ أنَّ الاخْتِلافَ مِن سَجَايَا البَشَرِ، والتَّنَازُعَ مِن عَادَاتِهِم؛ وَذلِكَ لاخْتِلافِ أَخْلاقِهم وَطِبَاعِهِم، وَصِدْقِ تَدَيُّنِهِمْ وَحُسْنِ اتِّبَاعِهِمْ، (وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) [هود: 119].                  

 

وَمَعَ الأسَفِ! أَكْثَرُ غَضَبِنا لِأَجْل الدُّنْيَا، لا الدِّينِ، والدَّليلُ على مَا أقُولُ: تُنْتَهكُ حُرُمَاتِ اللهِ -تَعَالى- أمَامَ جَمْعٍ مِن النَّاسِ، فَيَكُونُ مَثلاً رَقْصٌ واخْتِلاطٌ، وَمُوسِيقَى، وَفِرَقٌ أَجْنَبِيَّةٌ كَافِرَةٌ أمَامَ الملأ، فَلا تَتَحَرَّكُ قُلُوبُ إلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ! وَلَكِنَّنا نَغْضَبُ أَشَدَّ الغَضَبِ إذَا انْتُقِصَ شَيءٌ مِنْ دُنْيانَا، أو اعْتَدى أحَدٌ عَلى كَرَامَتِنا! أليسَ كَذَلكَ يَا مُؤُمِنُينَ؟.

 

عِبادَ اللهِ: لَقَدْ كَثُرَت الخُصُوماتُ فِيمَا بَينَنا عَلى أُمُورٍ حَقِيرَةٍ، وَأَسبَابٍ تَافِهَةٍ نَفَخَ الشَّيطَانُ فِيها حَتَّى عَظَّمَها فِي نُفُوسِ المُتَخَاصِمَينِ؛ فَكَم مِن قَتِيلٍ ذَهَبَتْ رُوحُهُ فِي خُصُومَةٍ بَدَأَتْ صَغِيرَةً فَكَبَّرَها الشَّيطَانُ الرَّجِيمُ حَتَّى أفَقَدَتْهُ أُسْرَتَهُ! وَكَمْ مِنْ رَحِمٍ قُطِّعَت سَنَوَاتٍ بِكَلامٍ وَقِيلَ وَقَالَ! وَكَمْ مِن إخْوَانٍ مِنْ صُلْبٍ وَاحِدٍ تَهَاجَروا وَتَشَاجَروا وَتَخَاصَمُوا وَلَرُبَّما تَرَافَعُوا فِي المَحاكِمِ فِي وِشَايَةٍ سَرَتْ بَينَهُم! أو لِحَفْنَةِ مَالٍ فَرَّقَتْ جَمْعَهُم!.

 

يَا مُؤمِنُينَ: إنَّ دِينَ الإسلامِ جَاءَ بِإصلاح ِذَاتِ البَينِ، وَحَثِّ المُتَخَاصِمَينِ عَلى قَبُولِ أَيَّةِ مُبَادَرَةٍ لِلصُّلْحِ وَفَضِّ النِّزَاعِ وَإنْهَاءِ القَطِيعَةِ، والتَّنَازُل عَنْ كَثِيرٍ مِن الحُقُوقِ لِمَصْلَحَةٍ أكْبَر. قَالَ اللهُ -تَعالى-: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ) [الحجرات:9].  

 

وَقَعَتْ خُصُومَةٌ بَينَ حَيَّينِ مِن الأَنْصَارِ في عَهْدِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَسَعَى بِنَفْسِهِ لِلصُّلْحِ بَينَهُمَا؛ رَوَى سَهْلُ بنُ سَعْدٍ -رضي الله عنه-: "أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا حتى تَرَامَوْا بِالْحِجَارَةِ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ -صَلى اللهُ عليه وسلم- بِذَلِكَ فَقَالَ: اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ" رواه البخاري. وفي رواية قَالَ لِبِلالٍ: "إنْ حَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ وَلَمْ آتِكَ فَمُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ". فَتَصَوَّر رَسُول اللهِ -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- يَهمُّ بِتَرْكِ إِمَامَةِ النَّاسِ مِن أَجْلِ الإصْلاحِ بَينَ المُتَخَاصِمِينِ.

 

وَلَقَدْ حَازَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ -رضي الله عنهما- قَصْبَ السَّبْقِ، حِينَ صَالَحَ مُعَاوِيَةَ -رضي الله عنه- عَن الخِلافَةِ فَحَقَنَ دِمَاءَ المُسلِمِين، وَأَخْمَدَ نَارَ الفِتْنَةِ، وَجَمَعَ اللهُ المُسلِمينَ عَلى يَدَيهِ. فَليَبْشِرْ! فَإنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ فِيه: "إِنَّ ابْنِي هذا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بينَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ من الْمُسْلِمِينَ" رواه البخاري.

 

يَا مُؤمِنُينَ: لَقْد بَشَّرَ  نَبِيُّنا -صلى الله عليه وسلم- أنَّ الإصلاحَ بينَ الناس أَفْضَلُ الأعْمَالِ وَأزْكَاها: عن أبي الدَّرْدَاءِ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاةِ وَالصَّدَقَةِ؟"، قَالُوا: بَلَى. قَالَ: "صَلاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ! لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ".

 

أسَمِعْتُمْ يَا كِرَامُ! الفَسَادُ بَينَ النَّاسِ والخُصُومَةُ بَينَهُمْ تَمْنَعُ خَيرَاً عَظِيمَاً! قَالَ نَبِيُّنا -صلى الله عليه وسلم-: "تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، إِلا رَجُلا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا! أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا! أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا!" رواه مسلم. أي: أَخِّرُوهُمَا حَتَّى يَرْجِعَا إِلَى الصُّلْح وَالْمَوَدَّةِ.              

 

فَيَا عِبَادَ اللهِ: خُذُوا بِوَصِيَّةِ رَسُولِنَا -صلى الله عليه وسلم-: "لا تَبَاغَضُوا،  وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ". وَعن أبي خِرَاشٍ السُّلَمِي -رضي الله عنه- أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: "مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ" رواهُ أبو داودَ وصححه الأَلْبَانِيُّ.

 

اللهم طهِّر قُلُوبَنَا مِن الحِقْدِ والبغْضَاءِ والشَّحناء على كُلِّ مُسلمٍ ومسلِمَةٍ. أقُول قولي هذا وأستغفرُ اللهَ فاستغفرِوهُ وتُوبوا إليهِ؛ إنهُ هو الغفور الرحيمُ.  

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العليُّ الأعلى، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله لَهُ المَحَلُّ الأسْمى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

 

أما بعد: فاتقوا الله ربكم، واعملوا صالحا تجدوه أمامكم، (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [الزَّلزلة: 7-8].               

 

أبشِر أيُّها السَّاعي للإصلاحِ! فَسَيَعْيُكَ مَشْكُورٌ، وَعَمَلُكَ مَبرورٌ، وَأجْرُكَ مَوفُورٌ، وَجُهْدُكَ وَوَقْتُكَ مُبَارَكٌ بِإذنِ اللهِ، فَلَكَ خَيرِيَّةٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ القَائِلِ: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء:114]. قَالَ الشيخُ السعديُّ -رَحمَهُ اللهُ-: أي: لا خيرَ في كثيرٍ مِمَّا يَتَنَاجَى بِه النَّاسُ وَيَتَخَاطَبُونَ، إلاَّ بالإصْلاحِ بَيْنَ النَّاسِ، وَلِذَلِكَ حَثَّ الشَّارِعُ على الإصلاحِ بينَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ والأَمْوَالِ وَالأعرِاضِ، والسَّاعِي في الإصلاحِ أَفْضَلُ مِن القَانِتِ بِالصَّلاةِ وَالصِّيامِ وَالصَّدَقَةِ، والمُصلِحُ لا بَدُ أنْ يُصْلِحَ اللهُ سَعْيَهُ وَعَمَلَهُ. إنْ قَصَدَ بِذلِكَ وَجْهَ اللهِ -تَعَالَى- وَأخْلَصَ العَمَلَ لِلهِ، فَيَتِمّ لَهُ الأَجْرُ، سَواء تَمَّ مَقْصُودُهُ أَمْ لا؛ لأنَّ النِّيَةَ حَصَلَتْ وَاقْتَرَنَ بِهَا مَا يُمْكِنُ مِن العَمَلِ. اهـ

 

عِبَادَ اللهِ: تَقعُ خُصُوماتٌ بينَ الزَّوجَينِ وَتَشْتَدُّ حتَّى يَكونَ طَلاقٌ وَفُرْقَةٌ؛ وَيكونَ الأَولادُ هُم الضَّحِيَّةُ!.

 

وَفِي زَمنِنَا كَثُرَتِ الخِلافَاتُ الزَّوجِيَّةُ، بَعْضُها بِسَبَبٍ وَجِيهٍ، وَأكَثَرُها لأسْبَابٍ تَافِهَةٍ، فَإنْ وُفِّقَ الزَّوجانِ لِمُصْلِحِينَ حُكَمَاءَ فَسَيُوَفِّقُ اللهُ بَينَهُما، أو على أقَلِّ الأحوالِ: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [البقرة:229].

 

وَلِئَلا تَبلُغَ الخُصُومَةُ بينَ الزَّوجَينِ مَبْلَغَ الفُجُورِ، وَكَشْفَ أسرَارِ البُيُوتِ، أمَرَ اللهُ أنْ يُنْتَدَبَ لِهذا الأمْرِ الرِّجَالُ المُصْلِحُونَ الحُكَمَاءُ الأكْفَاءُ؛ قَالَ اللهُ -تَعالى-: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) [النساء:35].

 

دَخَلَ رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَومَاً بَيْتَ ابْنَتِهِ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا -رضي الله عنه- في الْبَيْتِ فقال: "أَيْنَ ابنُ عَمِّكِ؟"، قالت: كان بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ فَغَاضَبَنِي فَخَرَجَ فلم يَقِلْ، أي لَمْ يَنَمْ وقْتَ القَيلُولَةِ عِنْدِي، فَبَحَثَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَإذا هو في الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ، مُضْطَجِعٌ، قد سَقَطَ رِدَاؤُهُ عن شِقِّهِ وَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ -صلى الله عليه وسلم- يَمْسَحُهُ وَيَقُولُ: "قُمْ أَبَا تُرَابٍ، قُمْ أَبَا تُرَابٍ". إنَّهُ تَلَطُّفٌ وَتَودُّدٌ لِكلا الزَّوجَينِ حتى يَصْطلِحَا.

 

أيُّها المُصْلِحُونَ: إنَّ مِن أَشَدِّ أَنْواعِ الخُصُومَةَ خَطَرَاً وَضَرراً وَإثْمَاً مَا قَدْ يَكُونُ مَعَ أحَدِ الوالِدَينِ -عَافَانا اللهُ وإيَّاكُمْ- فَتَحِلُّ على القَاطِعِ عُقُوبَةُ الدُّنيا وَخِزْيُ الآخِرَةِ! (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [الإسراء:23]، وَإنَّه "لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ".

 

غَذَوْتُكَ مولوداً وَعلتُكَ يافعاً *** تُعَلُّ بِما أُدْنِي إليك وتَنْهَلُ

إذا لَيلةٌ نابَتْكَ بالشَّكْوِ لم أَبِتْ *** لشَكْواكَ إِلا ساهراً أَتَمَلْمَلُ

فلما بَلَغْتَ السِّنَّ والغايةَ التي *** إليها مَدَى ما كُنْتُ فيكَ أُؤَمِّلُ  

جَعَلْتَ جَزَائِي غِلْظةً وفظاظة *** كَأَنَّكَ أنتَ المُنعِمُ المتفضِّلُ

فَلَيتَكَ إذْ لم تَرْعَ حَقَّ أُبُوَّتي *** فَعَلْتَ كَمَا الجَارُ المُجَاوِرُ يَفعلُ  

 

عبادَ اللهِ: ألا وَمِمِّا يَنبغي مُسَارَعَةُ الصُّلحِ فِيهِ -كَذلِكَ- ما قَدْ يَقَعُ بينَ الإخْوَانِ وَالأعمَامِ والأَخْوَالِ وَالأصْهَارِ، وَلَرُبَّما مَكَثوا سَنَواتٍ عَلى حَالٍ لا تُرضي اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- ولا المُؤمِنِينَ ولا تُرْضِيهم كذلكَ وَهُم يَعلَمُون عَظِيم حَقِّ الرَّحِمِ عَلَيهم، التي قَالَ عَنْها نَبِيُّنا -صلى الله عليه وسلم-: "الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ".

 

عباد اللهِ: الخُصُومَاتُ والنِّزَاعَاتُ هي مَرتَعُ الشَّيطانِ الرِّجيمِ، كَمَا قَالَ نَبِيُّنا -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ؛ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ".

 

فَوَاجِبٌ على عُقُلاءِ الأُسْرِ، وَوُجَهَاءِ القَبَائِلِ، والدُّعَاةِ والنَّاصِحِينَ أَنْ يَسْعَوا لِلصُّلحِ بَينَ المُتَخَاصِمِينِ. جَعَلَنا اللهُ جَمِيعَا مَفَاتِيحَ خَيرٍ مَغَاليقَ شَرٍّ.

 

اللهم اهدنا واهدِ بنا واجعلنا مِن المصلحينَ. (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [الحشر:10]، (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف: 23]، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [البقرة:201].  

 

اللهم أنت اللهُ لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيثَ يا أرحَمَ الراحمين، اللَّهمَّ أغثنا، اللّهمَّ أغثنا، اللهمَّ أغثنا، اللهم سقيا رحمة لا سقيا بلاء ولا هدم ولا غرق. اللهم أغث قُلُوبَنا بالعلمِ والإيمانِ، وبلادَنَا بالخير والأمطار يا رب العالمين.

 

اللهم إنا نَعُوذُ بك من الغلا والربا والزنا والزلازل والفتَنِ ما ظَهَرَ منها وما بطنَ.

 

عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل:90]،  فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكرْكم، واشكروه على عُموم نعمه يزدْكم،  ولذكرُ الله أكبرُ،  والله يعلم ما تصنعون.

 

 

المرفقات

الله وأصلحوا ذات بينكم

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات