غنيمة المساجد الباردة (2)

محمود الفقي - عضو الفريق العلمي

2022-11-01 - 1444/04/07
التصنيفات: مقالات

اقتباس

ولك أن تعد من المحاسن النبوية في هذه الأحاديث ما شئت، ولكني أرى فيها شيئًا أحسبه جديدًا؛ إنه -صلى الله عليه وسلم- يريد أن يُعوِّد الحسنين -رضي الله عنهما- طريق المسجد، ويريد أن يحببهما فيه؛ فلا يطردهما منه لأن من طُرِد من المسجد صغيرًا قد لا يدخله كبيرًا...

لكل مؤسسة أيًا كان نوعها مستقبل تعمل على تأمينه؛ فتُعد المؤسسات الكوادر البشرية الجيدة القادرة على قيادتها والنهوض بها ورفع مستواها وحمايتها من الانهيار، ففي بعض الدول تقوم المؤسسات العملاقة كمؤسسة المياه ومؤسسة الكهرباء ومؤسسة الغاز الطبيعي -مثلًا- بإنشاء مدارس ومعاهد خاصة بها وتابعة لها تجلب إليها خيرة التلاميذ المتميزين وتُدرِّس لهم دراسات خاصة بمجالها ومستجداته؛ فما أن يتخرجوا منها حتى يلحقوا بوظائفها متقنين قادرين على النهوض بها.

 

وإنك لن تجد مؤسسة هي أهم ولا أعظم من مؤسسة المسجد؛ ذلك أن هدفها ليس توفير المياه النقية أو التيار الكهربائي أو الغاز الطبيعي لمواطنيها، بل هدفها صيانة دين الله وتعليمه ونشره وإقامة شعائره.

 

ولن يضطر المسجد أن يقيم مدرسة تابعة له تُعِد كوادره الخاصة؛ لأنه هو نفسه مدرسة تُعلِّم وتوجِّه وتُدرِّب، وأهم تلاميذ مدرسة المسجد هم هؤلاء الأطفال الذين يرتادونه بصحبة آبائهم أو بدونهم.

 

وهؤلاء الأطفال هم الذين لقبناهم في الجزء الأول من هذا المقال بـ"الغنيمة الباردة"، وحمَّلنا خطيب المسجد المسئولية الأكبر عنهم، وقدمنا هناك استراتيجية للعناية بهم وسميناها: "استراتيجية التعامل مع أطفال المساجد"، وذكرنا ثلاثة من بنودها، وكانت كالتالي:

البند الأول: حث الآباء على اصطحاب الأبناء إلى المسجد.

البند الثاني: تحبيب الأطفال في المسجد وتعليقهم به.

البند الثالث: صد "عدوان" الكبار ضد الصغار.

 

واليوم موعدنا مع مجموعة أخرى من بنود تلك الاستراتيجية:

 

البند الرابع: إشاعة الاقتداء بتعامل النبي -صلى الله عليه وسلم- مع الأطفال داخل المسجد:

ومن كرسول الله -صلى الله عليه وسلم- نرشحه لهم قدوة؟! فهو المثل الأعلى والنموذج الأكمل، فها هو -صلى الله عليه وسلم- يحمل أحد الحسنين -رضي الله عنهما- ويُدخِله إلى المسجد، مع أنه لا يعقل الصلاة، ويتركه يرتحل ظهره الشريف ساجدًا ولا يقلقه!

 

فيروي شداد بن الهاد فيقول: خرج علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في إحدى صلاتي العشي، وهو حامل حسنًا أو حسينًا، فتقدم النبي -صلى الله عليه وسلم- فوضعه، ثم كبر للصلاة فصلى فسجد بين ظهري صلاته سجدة أطالها، قال أبي: فرفعت رأسي فإذا الصبي على ظهر النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو ساجد، فرجعت إلى سجودي، فلما قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصلاة، قال الناس: يا رسول الله إنك سجدت بين ظهري صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر، أو أنه يوحى إليك، قال: "كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني، فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته"([1]).

 

وهذه المرة فعلها الحسنين معًا وليس أحدهما فقط، فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا أرادوا أن يمنعوهما أشار إليهم أن دعوهما، فلما صلى وضعهما في حجره ثم قال: "من أحبني فليحب هذين"([2]).

 

وها هو -صلى الله عليه وسلم- يقطع خطبته من أجلهما وينزل من على المنبر فيأخذهما ثم يصعد المنبر فيكمل خطبته حاملًا إياهما، فعن بريدة -رضي الله عنه- قال: خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأقبل الحسن والحسين -رضي الله عنهما- عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل فأخذهما، فصعد بهما المنبر، ثم قال: "صدق الله: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ)[التغابن: 15]، رأيت هذين فلم أصبر"، ثم أخذ في الخطبة([3]).

 

ولك أن تعد من المحاسن النبوية في هذه الأحاديث ما شئت، ولكني أرى فيها شيئًا أحسبه جديدًا؛ إنه -صلى الله عليه وسلم- يريد أن يُعوِّد الحسنين -رضي الله عنهما- طريق المسجد، ويريد أن يحببهما فيه؛ فلا يطردهما منه لأن من طُرِد من المسجد صغيرًا قد لا يدخله كبيرًا، وهو -صلى الله عليه وسلم- يريد أن يُعلِّم ذلك لصحابته -رضي الله عنهم- لذا فعله على مرأى ومسمع منهم وبصورة تلفت الانتباه.

 

وهذه المعاني وغيرها -أخي الخطيب- لا بد أن تصل إلى رواد مسجدك، ليدركوا ضرورة الرفق والاهتمام بأطفال المساجد، الذين سيكونون عُمَّاره في الغد.

 

البند الخامس: تفنيد الشبهات:

هناك شبهات عديدة يتمسك بها "أعداء الأطفال" ليُسوِّغوا طردهم إياهم من المساجد، فمن ذلك قولهم: قد ورد النهي عن اصطحاب الأطفال إلى المساجد: فعن واثلة بن الأسقع -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "جنبوا مساجدكم صبيانكم..."([4]).

 

وجوابها: أن الحديث ضعيف "لا يحتج به، وقد ضعفه جماعة من الأئمة مثل عبد الحق الأشبيلي وابن الجوزي والمنذري والبوصيري والهيثمي والعسقلاني وغيرهم"([5])، وعلته: أن فيه الحارث بن نبهان وهو متفق على ضعفه، والحديث كذلك معارض بفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في الأحاديث السابقة وغيرها.

 

والشبهة الثانية قولهم: "الأطفال تشوش على المصلين، والتشويش على المصلي حرام، إذن فحضور الصبيان إلى المسجد حرام".

 

وجوابها من عدة وجوه، أما الأول: فأن يُفرَّق بين الصبي الذي بلغ السابعة والذي لم يبلغها بعد، فمن لم يبلغها وأحدث تشويشًا في المسجد فإنه يُعلَّم ويؤدَّب ثم يُعلَّم ويؤدَّب ثم يُعلَّم ويؤدَّب حتى يستقيم، فإن فرضنا أنه لم يتأدب وهو يُحدث من التشويش ما يفتن الناس في صلاتهم، أفتينا ساعتها بعدم حضوره إلى المسجد حتى يصير مميزًا، وطيَّبنا خاطر والده.

 

أما من بلغ السابعة فما فوقها، فقد تأكد في حقنا أمره بالصلاة وأمره بإتيان المسجد؛ فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها، وهم أبناء عشر"([6])، فإذا أخطأ نصحناه وقومناه وصبرنا عليه وتحملنا عنته، لكن لا نطرده أبدًا. 

 

وثانيًا: أن طردهم يخالف هدي النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فقد كانت الأطفال الصغار تبكي في المسجد، فلم ينههم عن اصطحابهم، بل لقد كان يصنع العكس تمامًا؛ لقد كان يخفف صلاة الجماعة كلها من أجلهم، فهو -صلى الله عليه وسلم- القائل: "إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه"([7])، ولم يقل لها: لا تأتي به معكِ، أو: صلي في بيتكِ من أجله، خاصة أن الجماعة ليست واجبة على النساء.

 

وثالثًا: أن المصلي لو خشع حق الخشوع ما أخرجه شيء من صلاته: فهذا ابن أبي الورد يروي قائلًا: "صلى أبو عبد الله النباجي يومًا بأهل طرسوس فصيح النفير، فلم يخفف الصلاة، فلما فرغوا قالوا: أنت جاسوس، قال: ولم؟! قالوا: صيح بالنفير وأنت في الصلاة فلم تخفف! قال: ما حسبت أن أحدًا يكون في الصلاة فيقع في سمعه غير ما يخاطبه الله -عز وجل-"([8]).

 

ويروي بكر بن منير فيقول: "كان محمد بن إسماعيل -يقصد الإمام البخاري- يصلى ذات يوم فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة، فلما قضى صلاته قال: انظروا أيش هذا الذي آذاني في صلاتي؟ فنظروا فإذا الزنبور قد ورمه في سبعة عشر موضعًا، ولم يقطع صلاته"([9]).

 

فلو خشع المصلي في صلاته بحق ما أخرجته ضوضاء صبي من صلاته، ولما انتبه إليها من الأصل.

 

الشبهة الثالثة قولهم: الطفل تقع صلاته نافلة، فوجوده في الصف يقطع الصف، ويمثل فجوة فيه.

وجوابها: أن كلامنا في الطفل المميز، وهو وإن وقعت صلاته نفلًا فإنه لا يقطع الصف أبدًا، بل على العكس؛ فإنه يصح أن يكون إمامًا للرجال البالغين([10])، ففي صحيح البخاري يروي عمرو بن سلمة -رضي الله عنه- أن قومه لما أسلموا قال لهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: "فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنًا"، فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني؛ لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت علي بردة كنت إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تغطوا عنا است قارئكم؟ فاشتروا فقطعوا لي قميصًا، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص([11])، فصلاة الصبي المميز صحيحة مأمومًا وإمامًا.

 

ولقد سئل الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: "هل تصح صلاة الصبي في أثناء الصغر؟"، فأجاب: "نعم، ما دام مميزًا فإنه لا يعتبر قاطعًا للصلاة، حتى دون السابعة قد يكون مميزًا؛ لأن القول الراجح: أن المميز هو الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب، سواء كان دون السابعة أو في السابعة أو فوقها"([12]).

 

[1])) النسائي في الكبرى (731)، وأحمد (16033)، وصححه الألباني (صحيح وضعيف سنن النسائي: 1141).
[2])) النسائي في الكبرى (8114)، وابن حبان (6970)، وحسنه الألباني (الصحيحة: 312).
[3])) أبو داود (1109)، والترمذي (3774)، وصححه الألباني (صحيح وضعيف سنن أبي داود).
[4])) ابن ماجه (750)، والطبراني في الكبير (136)، وضعفه الألباني (صحيح وضعيف سنن ابن ماجه).
[5])) الأجوبة النافعة للألباني (ص: 114)، ط: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع.
[6])) أبو داود (495)، والحاكم (708)، وصححه الألباني (صحيح وضعيف سنن أبي داود).
[7])) البخاري (709)، ومسلم (470).
[8])) صفة الصفوة، لابن الجوزي (2/419)، ط: دار الحديث، القاهرة، مصر.
[9])) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (2/322)، ط: دار الغرب الإسلامي - بيروت.
[10])) اختلف الفقهاء في صحة إمامة الصبي المميز في الصلاة، فـ"ذهب الحنفية إلى: عدم صحة إمامة الصبي الذي دون البلوغ في فرض الصلاة ونفلها. وذهب المالكية والحنابلة إلى عدم صحة إمامته في الفرض دون النفل. وذهب الشافعية إلى: صحة إمامته في الفرض والنفل"(توضيح الأحكام لعبد الله البسام: 2/487، ط: مكتبة الأسدي مكة المكرمة)، والدليل مع الشافعية وهو الراجح.
[11])) البخاري (4302).
[12])) لقاء الباب المفتوح، لمحمد بن صالح بن محمد العثيمين (اللقاء: 192).

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات