غض البصر

خالد بن عبدالله الشايع

2016-01-05 - 1437/03/25
عناصر الخطبة
1/ وجوب غض البصر 2/ البصر أحد أهم منافذ الشيطان إلى القلب 3/ شؤم إطلاق البصر وعواقبه الوخيمة 4/ ثمرات غض البصر في الدنيا والآخرة 5/ تحريم النظر إلى المردان.

اقتباس

لما كان الخطر على الفرج يبدأ من النظر الحرام أمر سبحانه الخلق بغضّ البصر أولاً، ثم ثنَّى بحفظ الفرج؛ فإنَّ الحوادث مبدؤها من النظر، كما أنَّ معظم النار من مستصغر الشرر. إنَّ البصر من نعم الله –تعالى- على العبد، ولكن إذا استخدمه في الحرام صار نقمة عليه يورده المهالك، فإن النظرة تولِّد خطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة، فيقع الفعل ولا بد ما لم يمنع منه مانع...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، الحمد لله الحيي الستير، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، أباح لهم كل نافع وحرّم على الخلق كل ضار.

 

وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله خير عباد الله، وأطهرهم وأزكاهم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

 

أما بعد: فيا أيها الناس! اتقوا الله ربكم وراقبوه، واعلموا أنكم ملاقوه، وأن ملك الموت قد تخطاكم إلى غيركم، وسيتخطى غيركم إليكم فخذوا حذركم، وإذا أيقن العبد أن ملك الموت سيهجم عليه في أيّ لحظة كان الواجب عليه الاستعداد لذلك الموقف بالإكثار من الأعمال الصالحات، والتخفف من السيئات، فنحن في دار العمل، فلنتدارك أمرنا قبل فوات الأوان.

 

معاشر المسلمين: إن الشيطان لا يأتي ابن آدم طالبًا منه الوقوع في المعصية مباشرة، بل إنه يستدرجه في حبائله، ولا يزال يَعِدُه ويُمَنِّيه حتى يقع في شراكه، ثم لا تسل عنه وقد حذَّرنا ربنا من ذلك في كتابه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ) [النور: 21]، إنَّ الشيطان يقول لأوليائه وجنده دونكم ثغر العين، فإنَّه منه تنالون بُغيتكم، فإنِّي ما أفسدت بني آدم بشيء مثل النظر، فإنّي أبذر به في القلب بذر الشهوة، ثم أسقيه بماء الأمنية، ثم لا أزال أعِده وأُمنيه حتى أثوى عزيمته وأقوده بزمام الشهوة إلى الانخلاع من العصمة، فلا تهملوا هذا الثغر!!

 

قال تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) [النور: 30]، لما كان الخطر على الفرج يبدأ من النظر الحرام أمر سبحانه الخلق بغضّ البصر أولاً، ثم ثنَّى بحفظ الفرج؛ فإنَّ الحوادث مبدؤها من النظر، كما أنَّ معظم النار من مستصغر الشرر.

 

عباد الله: إنَّ البصر من نعم الله –تعالى- على العبد، ولكن إذا استخدمه في الحرام صار نقمة عليه يورده المهالك، فإن النظرة تولِّد خطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة، فيقع الفعل ولا بد ما لم يمنع منه مانع، وفى هذا قال الشاعر:

كل الحوادث مبدؤها من النظر *** ومعظم النار من مستصغَر الشرر  

 كم نظرة بلغت من قلب صاحبها *** كمبلغ السهم بين القوس والوتر  

 والعبد ما دام ذا طرف يقلبه *** في أعين الغيد موقوف على الخطر   

 يسر مقلته ما ضر مهجته *** لا مرحبًا بسرور عاد بالضرر

 

ولقد تكاثرت النصوص القرآنية والأحاديث، النبوية والآثار السلفية الآمرة بغض البصر والمحذرة من عواقبه، قال تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) [النور: 30]، أخرج الترمذي وأبو داود وغيرهما أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال لعليٍّ -رضي الله عنه-: "لا تتبع النظرة النظرة، فإنَّها لك الأولى وليست لك الآخرة".

وأخرج مسلم في صحيحه من حديث جرير بن عبدالله قال: سألت رسول الله -رضي الله عنه-: "عن نظر الفجاءة، فقال: اصرف بصرك".

 

ومعنى هذا الحديث والذي قبله، أنَّه إذا اتفق للعبد أن وقع بصره على محرم من غير قصد فليصرف بصره سريعاً.

 

أيها المؤمنون:

إنَّ النظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، فلنتق الله بغضِّ أبصارنا عن المحرمات.

وقد قيل: "الصبر على غض البصر، أيسر من الصبر على ألم ما بعده".

 

فيكفي مطلِق البصر من العذاب ما يورثه نظره من الحسرات والزفرات والحرقات، فيرى العبد ما ليس للعين قدرة عليه ولا صبراً عنه.

 

قال ابن القيم -رحمه الله-: "ومن العجب أنَّ لحظة الناظر سهم لا يصل إلى المنظور إليه حتى يتبوأ مكاناً من قلب الناظر".

وصدق الشاعر:

يا رامياً بسهام اللحظ مجتهداً *** أنت القتيل بما ترمي فلا تصيب

وباعث الطرف يرتاد الشفاءَ له *** احبس رسولك لا يأتيك بالعطب

 

قال ابن القيم -رحمه الله-: "إن غض البصر عن المحارم يوجب ثلاث فوائد عظيمة الخطر جليلة القدر: إحداها: حلاوة الإيمان ولذّته التي هي أحلى وأطيب وألذ مما صرف بصره وتركه لله –تعالى-؛ فإن من ترك شيئا لله عوَّضه الله -عز وجل- خيرًا منه.

 

 الفائدة الثانية في غض البصر: نور القلب وصحة الفراسة، قال أبو شجاع الكرماني: "من عمَّر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وكفَّ نفسه عن الشهوات، وغضَّ بصره عن المحارم، واعتاد أكل الحلال لم تخطئ له فراسة"، وقد قال تعالى عقب أمره للمؤمنين بغضِّ أبصارهم وحفظ فروجهم: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [النور: 35].

 

 وسر هذا: أن الجزاء من جنس العمل، فمن غضَّ بصره عما حرم الله -عز وجل- عليه عوضه الله –تعالى- من جنسه ما هو خير منه، فكما أمسك نور بصره عن المحرمات، أطلق الله نور بصيرته وقلبه، فرأى به ما لم يره من أطلق بصره ولم يغضه عن محارم الله تعالى.

 

الفائدة الثالثة: قوة القلب وثباته وشجاعته، فيعطيه الله تعالى بقوته سلطان النصرة كما أعطاه بنوره سلطان الحجة، فيجمع له بين السلطانين، ويهرب الشيطان منه، كما في الأثر: إن الذي يخالف هواه يهرب الشيطان من ظله، ولهذا يوجد في المتبع هواه من ذل النفس وضعها ومهانتها ما جعله الله لمن عصاه، فإنه سبحانه جعل العز لمن أطاعه والذل لمن عصاه قال تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المنافقون: 8].

 

اللهم أعنا على غض أبصارنا، وتحصين فروجنا يا أرحم الراحمين.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين والعاقبة للمتقي، ولا عدوان إلاَّ على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له إله الحق المبين، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله وحبيبه وخليله رسول رب العالمين صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى صحابته الكرام الميامين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

 

أما بعد: معاشر المؤمنين:

ومما ورد في السنة المطهرة في الأمر بغضّ البصر والنهي عن إطلاقه، ما رواه الإمام أحمد من حديث عبادة بن الصامت –رضي الله عنه- قال: -صلى الله عليه وسلم-: "اضمنوا لي ستاً من أنفسكم أضمن لكم الجنة، وذكر منها غضوا أبصاركم".

 

وأخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه- قال: -صلى الله عليه وسلم-: "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد".

 

عباد الله:

من هذا الحديث يظهر لنا أنَّ غض البصر إنما هو من أجل العورات، وعن كل ما من شأنه أن تنتج الشهوة، أياً كان المنظور إليه.

 

قال ابن تيمية -رحمه الله-: "قد أمر الله في كتابه بغض البصر وهو نوعان: غض البصر عن العورة، وغضه عن محل الشهوة، فالأول منها: كغض الرجل بصره عن عورة غيره، وأما النوع الثاني: فهو غض البصر عن الزينة الباطنة من المرأة الأجنبية، وهذا أشد من الأول" اهـ.

 

وقال القرطبي -رحمه الله-: "البصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وأعمر طرق الحواس إليه، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته، ووجب التحذير منه وغضه واجب عن جميع المحرمات، وكل ما يخشى الفتنة من أجله" اهـ.

 

أيها المؤمنون: سؤال أجب عليه في نفسك، هل غض البصر من أطلقه في القنوات الفضائية؟ أم هل غض بصره من قلّب بصره في المجلات الساقطة؟ أم هل غض بصره من تتبع المقاطع الجنسية عبر جواله الشخصي؟

 

وإياك أن تقول: إنَّها نظرة عابرة بريئة!! قال ابن مسعود –رضي الله عنه-: "الإثم حوّاز القلوب، وما من نظرة إلاَّ للشيطان فيها مطمع".

وقال أنس بن مالك –رضي الله عنه-: "إذا مرت بك امرأة فغمض عينيك حتى تجاوزك".

 

أيها الناس: إنَّ غض البصر ليس مقصوراً على النساء فقط، بل كل ما يخشى منه أن يحدث في القلب الشهوة، فيجب أن يغض البصر عنه.

 

قال الزهري -رحمه الله-: "في النظر إلى البنت الصغيرة: لا يصلح النظر إلى شيء منهن ممن يشتهى النظر إليه وإن كانت صغيرة".

 

وإنَّ مما يجب غض البصر عنه كذلك: هو غض البصر عن المردان، وهم الذكور دون سن البلوغ ممن لم ينبت في وجهه شعر.

 

قال القرطبي -رحمه الله-: "إنَّ كثيراً من السلف كانوا ينهون أن يحد الرجل نظره إلى

الأمرد، وحرّمه طائفة من أهل العلم، لما فيه من الافتتان".

 

وقال بعض التابعين: "ما أنا بأخوف على الشاب الناسك من سَبُع ضارٍ من الغلام الأمرد تفعله إليه".

 

وقال سعيد بن المسيب: "إذا رأيتم الرجل يحدّ النظر إلى الغلام الأمرد فاتهموه".

وقال النخعي: "مجالستهم فتنة، وإنما هم بمنزلة النساء".

 

ولقد كان السلف -يرحمهم الله- لا يُجلسون المردان في حِلق العلم، والبعض يجعلهم خلف الحلقة، وكان الثوري -رحمه الله- إذا جاءه الأمرد يقرأ عليه امتنع من ذلك.

 

وقال ابن قدامة -رحمه الله-: "إن كان الأمرد جميلاً يخاف الفتنة بالنظر إليه، لم يجر تعمد النظر إليه".

 

قال المروذي: "سمعت أبا بكر الأعين يقول: قدم علينا إنسان من خراسان صديق للإمام أحمد ومعه خادم ابن أخت له، وكان جميلاً فمضى إلى أبي عبدالله فحدثه، فلما قمنا خلا بالرجل وقال له: إذا جئتني لا يكون معك هذا، والذي أرى لك أن لا يمشي معك في طريق. قلت: لئلا يُظن به سوءاً".

 

وقال بعض أهل العلم: "اتقوا النظر إلى أولاد الملوك؛ فإنّ فتنتهم كفتنة العذارى".

 

عباد الله: غضوا أبصاركم، تصح لكم قلوبكم، وتطمئن نفوسكم إلى أزواجكم، وتنبسط نفوسكم إلى ذكر ربكم ومولاكم.

 

اللهم نعوذ بك من خائنة الأعين إنَّك تعلم..

اللهم أعنا على غض أبصارنا.

اللهم نور قلوبنا بذكرك واملأها خشية ترد عنا عن معاصيك يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم فرِّج هم المهمومين.

 

ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وكفِّر عنا سيئاتنا، وتوفنا مع الأبرار.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان …

 

 

المرفقات

البصر

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات