عناق بعد فراق

هلال الهاجري

2021-01-20 - 1442/06/07
عناصر الخطبة
1/أهمية وحدة الصف وعدم الافتراق 2/خطورة الفرقة والتنازع 3/نصيحة لكل متخاصمين 4/فضل إصلاح ذات البين.

اقتباس

إنَّ القلبَ ليقفزُ فَرحاً، وإن النَّفسَ لتفيضُ مَرحاً، عندما يرى شمسَ المحبةِ والصَّفاءِ، تَسطعُ بعدَ غيومِ القطيعةِ في السَّماءِ، وما أجملَ أن يرى المسلمُ تحقيقَ مُرادِ اللهِ -تعالى-: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)[الحجرات: 10]....

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ للهِ المبدئِ المعيدِ، ذي العرشِ المجيدِ، الملكُ ملكُه، والخلقُ خلقُه، يحكمُ ما يشاءُ ويفعلُ ما يُريدُ، أحمدُه سبحانَه وأشكرُه وأتوبُ إليه وأستغفرُه وأسألُه من فضلِه المزيدِ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شَريكَ له وهو على كلِّ شيء شهيدٌ، وأشهدُ أن نبيَّنا محمداً عبدُهُ ورسولُه صلى اللهُ عليهِ وعلى آلِه وصحبِه ومن سَارَ على نهجِه من العبيدِ.

 

أما بعدُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)[آل عمران: 102-103]، هذا مُرادُ اللهِ -تعالى- في الاجتماعِ وعدمِ الافتراقِ، فما هو مُرادُ أهلِّ الكُفرِ والنِّفاقِ؟، (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ)[التوبة:107]، ولا زالوا من قَديمِ العَهدِ والزَّمانِ، يَبنونَ صروحَ التَّفريقِ والعُدوانِ؛ لأنَّهم لا يُحبُّونَ أن يكونَ المُسلمونَ في محبةٍ وأَمانٍ.

 

أيُّها الأحبَّةُ: ونحنُ صِغارٌ كانوا يُكرِّرونَ على مسامعِنا قِصةً عظيمةً، في البيتِ والمدرسةِ وفي مجالسِهم الكريمةِ، وهو أنَّ رجلاً عندما أَشرفَ على الموتِ، استدعى أَبناءَه، ثُمَّ أَمرَهم بإحضارِ رِماحِهم مُجتمعةً، وطَلبَ منهم أن يَكسروها، فلم يَقدرْ أَحدٌ منهم على كَسرِها مُجتمعةً، فقالَ لهم: فَرِّقوها، وليتناولْ كلُّ واحدٍ رُمحَه ويَكسرْه، فكَسروها دُونَ عَناءٍ كَبيرٍ، فعندَ ذلكَ قَالَ لهم: اعلموا أنَّ مثلَكم مَثلُ هذهِ الرِّماحِ، فمَا دُمتم مُجتمعينَ ومُؤتلفينَ، يَعضدُ بعضُكم بَعضاً، لا يَنالُ مِنكم أَعداؤكم غَرضاً، أما إذا اختلفتُم وتَفرَّقتُم، فإنِّه يَضعفُ أَمرُكم، ويَتمكنُ مِنكم أَعداؤكم، ويُصيبُكم ما أَصابَ الرِّماحَ، وأنشدَ قائلاً:

كونُوا جميعَاً يا بَنِيَّ إِذا اعتَرى *** خَطْبٌ ولا تتفرقُوا آحادَا

تأبَى القِداحُ إِذا اجتمعْنَ تكسُّراً *** وإِذا افترقْنَ تكسَّرتْ أفرادَا

 

فهل فَهمنا الرِّسالةَ يا أهلَ الإسلامِ والعَدلِ؟، فإلى متى ونحنُ نُخالفُ الشَّرعَ والعقلَ، في الفُرقةِ بينَ المُسلمينَ والأصحابِ والأهلِ؟، إلى متى ونحنُ نُدخلُ السُّرورَ على أعدائنا، ونُدخلُ الأحزانَ على أحبابِنا؟

 

فالعدو لا يزالُ يطمعُ في بلادِ الإسلامِ، إذا رأى القطيعةَ بينهم والخِصامَ، يقولُ ابن كثيرٍ -رحمَه اللهُ- في البِدايةِ والنِّهايةِ: "وَلَمْ تَزَلِ الْفُتُوحَاتُ وَالْجِهَادُ قَائِمًا عَلَى سَاقِهِ فِي أَيَّامِهِ -يعني أيامِ مُعاويةَ؛ رَضيَ اللهُ عنهُ- فِي بِلَادِ الرُّومِ وَالْفِرِنْجِ وَغَيْرِهَا، فَلَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ مَا كَانَ، لَمْ يَقَعْ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ فَتْحٌ بِالْكُلِّيَّةِ، لَا عَلَى يَدَيْهِ وَلَا عَلَى يَدَيْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ-، وَطَمِعَ فِي مُعَاوِيَةَ مَلِكُ الرُّومِ بَعْدَ أَنْ كَانَ قَدْ أَخْسَأَهُ وَأَذَلَّهُ، وَقَهَرَ جُنْدَهُ وَدَحَاهُمْ، فَلَمَّا رَأَى مَلِكُ الرُّومِ اشْتِغَالَ مُعَاوِيَةَ بِحَرْبِ عَلِيٍّ، تَدَانَى إِلَى بَعْضِ الْبِلَادِ فِي جُنُودٍ عَظِيمَةٍ، وَطَمِعَ فِيهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ: وَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ وَتَرْجِعْ إِلَى بِلَادِكَ يَا لَعِينُ، لَأَصْطَلِحَنَّ أَنَا وَابْنُ عَمِّي عَلَيْكَ وَلَأُخْرِجَنَّكَ مِنْ جَمِيعِ بِلَادِكَ، وَلَأُضَيِّقَنَّ عَلَيْكَ الْأَرْضَ بِمَا رَحُبَتْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ خَافَ مَلِكُ الرُّومِ وَانْكَفَّ، وَبَعَثَ يَطْلُبُ الْهُدْنَةَ".

 

فنصيحتي لكلِّ من رأى أَخوينِ مُتخاصمينِ: إيَّاكَ ثُمَّ إيَّاكَ أن تَقولَ كلمةً تُفسدُ بها بينَهم، فإن لم يكنْ لكَ كلمةٌ تُصلحُ بينَهما، فالسُّكوتُ حينَها عافيةٌ، قالَ -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ-: "أَلَا أَدُلُّكُم على أَفْضَلَ من درجةِ الصلاةِ والصيامِ والصدقةِ؟"، قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ، قَالَ: "إصلاحُ ذاتِ البَيْنِ، فإنَّ فسادَ ذاتِ البَيْنِ هي الحالِقَةُ، لا أقولُ: إنها تَحْلِقُ الشَّعْرَ ولكن تَحْلِقُ الدِّينَ"، فنعوذُ باللهِ من الفَسادِ والإفسادِ.

 

جاءَ في الحديثِ أنَّ أهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا، حتَّى تَرَامَوْا بالحِجَارَةِ، فَأُخْبِرَ رَسولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- بذلكَ، فَقَالَ: "اذْهَبُوا بنَا نُصْلِحُ بيْنَهُمْ"، يقولُ الشِّيخُ السِّعديُّ: "ألا وإنَّ المُصلحينَ بينَ عِبادِ اللهِ لهم الرُّتبُ الساميةُ والمحلُّ الأعلى، وقد حَازوا الشرفَ والأجورَ الكثيرةَ ورِضا المَولى، يَأتونَ إلى المتباعدينَ فيقربونَهم، وإلى الذين فَرقَّتهُم الأغراضُ الدنيئةُ فيؤلفونَ بين قلوبِهم ويجمعونَهم؛ فللهِ دَرُّهم ما أَفضلَ أعمالَهم!، وما أَرفعَ مكانَهم! وأَكملَ أَحوالَهم!؛ فكم حَصلَ بسعيِّهم المشكورِ من خَيراتٍ وبَركاتٍ!، وكم اندفعَ بعملِهم المبرورِ من شُرورٍ ومَفاسدَ وآفاتٍ!، وكم قَمعوا من ضَغائنَ وإحنٍ!، وكم أَخمدوا بإصلاحِهم ولُطفِهم من شُرورٍ وفِتنٍ!؛ فيا فوزَهم بمكارمِ الأخلاقِ!، ويا سعادتَهم عِندَ لقاءِ الملكِ الخَلَّاقِ!".

 

أقول قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم ولسائرِ المسلمينَ من كُلِّ ذَنبٍ فاستغفروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيمُ.

 

 الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ على فضلِه وإحسانِه، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شَريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وأصحابِه، وسلمَ تَسليماً كَثيراً، أما بَعدُ:

 

إنَّ القلبَ ليقفزُ فَرحاً، وإن النَّفسَ لتفيضُ مَرحاً، عندما يرى شمسَ المحبةِ والصَّفاءِ، تَسطعُ بعدَ غيومِ القطيعةِ في السَّماءِ، وما أجملَ أن يرى المسلمُ تحقيقَ مُرادِ اللهِ -تعالى-: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)[الحجرات: 10]، فما هو اليومَ موقفُ من كانَ يسعى بينَ الإخوانِ في القطيعةِ والإفسادِ، وكيفَ سيعملُ ونارُه التي كانَ يُشعلُها ها هي تتحولُ إلى كومةِ رَمادٍ، لقد آنَ اليومَ لألسنةِ السُّوءِ أن تَخرسَ، ولقد آنَ اليومَ لشياطينِ الإنسِ أن تَخنسَ، فها هو ليلُ القطيعةِ قد عَسعسَ، وها هو صُبحُ الوِصالِ قد تنفَّسَ.

فيمَ التَّقاطعُ والإيمانُ يجمعُنا *** قُمْ نَغسلُ القَلبَ مما فيهِ من وَضرٍ

 

فهل سمعتُم أحسنَ من خبرِ صُلحٍ بعدَ فِراقٍ طويلٍ؟، وهل رأيتُم أفضلَ من منظرِ أَخوينِ في عناقٍ وتقبيلٍ؟، فلقد آنَ اليومَ للأمِّ أن تحتضنَ بعدَ غيابٍ أولادَها، ولقد آنَ للأختِ أن ترى إخوانَها، ولقد حانَ للأقاربِ بعدَ قطيعةٍ أن تَصلَ أرحامَها، ولقد آنَ للشُّعوبِ المتَّحابَّةِ المُشتاقةِ أن تجتمعَ قلوبُها وأبدانُها.

ورائحةُ الشَّوقِ عِندَ اللِّقاءِ *** كرائحةِ الأرضِ بعدَ المطرِ

 

اللهمَّ اغفرْ للمسلمينَ والمسلماتِ، وألِّف بينَ قلوبِهم، وأصلِح ذاتَ بينِهم، واهدِهم سُبُلَ السلامِ، وجنِّبهم الفواحِشَ والفتنَ ما ظَهرَ منها وما بَطنَ، عن بلدِنا وسَائرِ بلادِ المسلمينَ يا ربَّ العالمينَ.

 

اللهم احفظْ عَلينا أمنَنا وطُمأنينتَنا ورخاءَنا وسَخاءَنا، اللهم احفظنا من بين أيدينا ومن خَلفِنا وعن أيمانِنا وعن شمائلنا ومن فوقِنا ونعوذُ بعظمتِك أن نُغتالَ من تحتِنا.

 

اللهم آمنا في أوطانِنا، وأصلح أئمتَنا وولاةَ أمورِنا، اللهم أصلح لنا قادَتنا، واسلك بنا وبهم سبيلَ الرشادِ، اللهمَّ من أرادَنا وأرادَ عقيدتَنا وقيادتَنا وأمنَنا وجماعتَنا بسوءٍ فأشغِله بنفسه، ورُدَّ كيدَه في نحره، واجعل تدبيرَه تَدميرَه يا سميعَ الدعاءِ.

 

اللهم أصلِح أحوالَ المسلمينَ في كلِّ مَكانٍ، اللهم احفظ دينَهم وأمنَهم، وصُنْ أنفسَهم وأموالَهم وأعراضَهم، واحقنْ دماءَهم في كلِّ مكانٍ يا حيُّ يا قيومُ، يا ذا الجلالِ والإكرامِ.

 

المرفقات

RTYGGNaLVCoilj9YWNCYvWVIFOQKSPVhBBmCe76u.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات