عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- (2)

ناصر بن محمد الأحمد

2013-11-12 - 1435/01/09
التصنيفات: شخصيات مؤثرة
عناصر الخطبة
1/ من أعمال عمر في ولايته 2/ من أعظم الابتلاءات في عهد عمر: عام الرمادة وطاعون عمواس 3/ اهتمامه بأمر الجند 4/ حرصه على عدم توليه أحد من أقاربه 5/ مراقبة لولاته ونماء أموالهم 6/ جولاته الشخصية على الولايات 7/ استشهاده رضي الله عنه

اقتباس

وروي عن سعيد بن زيد أنه بكى عند موت عمر فقيل له: ما يبكيك؟! فقال: على الإسلام، إن موت عمر ثَلَمَ الإسلام ثلمة لا ترتق إلى يوم القيامة. قال أبو طلحة الأنصاري: والله ما من أهل بيت من المسلمين إلا وقد دخل عليهم في موت عمر نقص في دينهم وفي دنياهم.

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله...

 

أما بعد:

 

أيها المسلمون: نكمل حديثنا عن الفاروق عمرُ بن الخطاب -رضي الله عنه-.

 

ومن أعمال عمر في ولايته أنه رصد حصةً من بيت مال المسلمين، وخصص عدداً ضخماً من الجمال، بوصفها وسيلة المواصلات المتاحة آنذاك لتيسير انتقال من لا ظهر له بين الجزيرة والشام والعراق، بمعنى أن من أراد السفر فإن عمر أتاح للمواطنين السفر مجاناً على حساب الدولة بين الجزيرة والشام والعراق. كما اتخذ ما يسمى دار الدقيق، وهي مكان جعل فيه السويق والتمر والزبيب ومتطلبات المعيشة الأخرى، يعين به المنقطع من أبناء السبيل، والضيف الغريب. ووضع في الطريق بين مكة والمدينة ما يُصلح به حاجة المسافر، وما يحمل عليه من ماءٍ إلى ماء.

 

أيها المسلمون: تعرّضت الدولة الإسلامية في عهد عمر -رضي الله عنه- للابتلاء، وهذه السُّنة جارية في الأمم والدول والشعوب والمجتمعات، والأمة الإسلامية أمة من الأمم، فسنة الله فيها جارية لا تتبدل ولا تتغير، ومن أعظم الابتلاءات في عهد عمر: عام الرمادة، وطاعون عمواس.

 

ففي السنة الثامنة عشر من الهجرة أصاب الناس في الجزيرة مجاعة شديدة وجدب وقحط، واشتد الجوع حتى جعلت الوحوش تأوي إلى الإنس، وحتى جعل الرجل يذبح الشاه فيعافها من قبحها، وماتت المواشي جوعاً، وسمي هذا العام عام الرمادة، واشتد القحط، وعزّت اللقمة. وهرع الناس من أعماق البادية إلى المدينة يقيمون فيها أو قريباً منها، يلتمسون لدى أمير المؤمنين حلاً، فكان الفاروق أكثر الناس إحساساً بهذا البلاء وتحملاً لتبعاته. فحلف عمر لا يذوق لحماً ولا سمناً حتى يحيا الناس!

 

ولقد أجمع الرواة جميعاً أن عمر كان صارماً في هذا الوفاء بهذا القسم، ومن ذلك أنه لما قدمت إلى السوق عكة سمن، ووطب من لبن، فاشتراها غلاماً لعمر بأربعين درهماً، ثم أتى عمر فقال: يا أمير المؤمنين: قد أبر الله يمينك، وعظّم أجرك، وقدم السوق وطب من لبن، وعكة من سمن ابتعتهما بأربعين درهماً، فقال عمر: أغليت فتصدق بهما، فإني أكره أن آكل إسرافاً! ثم أردف قائلاً: "كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسني ما مسّهم؟!".

 

فهذه جملة واحدة من كلمات مضيئة، يوضح فيها الفاروق مبدأً من أروع المبادئ الكبرى التي يمكن أن تعرفها الإنسانية في فنّ الحكم: "كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسني ما مسّهم".

 

نظر ذات يوم في عام الرمادة، فرأى بطيخة في يد ولد من أولاده، فقال له على الفور: بخٍ بخٍ يا ابن أمير المؤمنين! تأكل الفاكهة، وأمة محمد هزلى؟! فخرج الصبي هارباً يبكي، ولم يسكت عمر إلا بعد أن سأل عن ذلك، وعلم أن ابنه اشتراها بكف من نوى.

 

كما قام عمر -رضي الله عنه- بوقف حد السرقة في عام الرمادة، وهذا ليس تعطيلاً لهذا الحد، فالذي يأكل ما يكون ملكاً لغيره بسبب شدة الجوع، وعجزه عن الحصول على الطعام يكونُ غير مختار، فلا يقصد السرقة. وأوقف -رضي الله عنه- إلزام الناس بالزكاة في عام الرمادة، ولما انتهت المجاعة وخصبت الأرض، جمع الزكاة عن عام الرمادة واعتبرها ديناً على القادرين.

 

وفي العام الثاني عشر من الهجرة وقع شيء فظيع مروع، وهو ما تذكره المصادر باسم طاعون عمواس، وقد سُمي بطاعون عمواس نسبة إلى بلدة صغيرة يقال لها: عمواس، وهي بين القدس والرملة؛ لأنها كانت أول ما نجم الداء بها، ثم انتشر في الشام منها، فنُسب إليها. وكان حصول الطاعون في ذلك الوقت بعد المعارك الطاحنة بين المسلمين والروم، وكثرة القتلى، وتعفن الجو وفساده بتلك الجثث أمر طبيعي، قدره الله لحكمة أرادها. فهلك به خلق كثير، منهم: أبو عبيدة عامر بن الجراح، وهو أمير الناس يومئذٍ، ومعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وعتبة بن سهيل، وغيرهم من أشراف الناس، ولم يرتفع عنهم الوباء إلا بعد أن وليهم عمرو بن العاص، فخطب الناس وقال لهم: "أيها الناس: إن هذا الوجع إذا وقع إنما يشتعل اشتعال النار، فتجنبوا منه في الجبال"، فخرج وخرج الناس، فتفرقوا حتى رفعه الله عنهم، فبلغ عمر ما فعله عمرو فما كرهه.

 

أيها المسلمون: اهتم عمر -رضي الله عنه- بأمر الجند فنظم ديوان الجيش، وسار في تقسيم الأرزاق فيه على أساس القربى من النسب النبوي الشريف، والسابقة للإسلام، وبذلك أصبح في مقدمة أصحاب المعاشات آل بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهم بنو هاشم، وكان العباس يستلمها ويوزعها عليهم، ثم زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم- وتختص كل واحدة بمعاش مستقل عن آل البيت، أما بقية المسلمين فقد قُسموا إلى طبقات حسب ترتيب اشتراكهم في الجهاد في سبيل الله، فبدأ بأهل بدر، ثم من حاربوا بعد بدر إلى الحديبية، ثم من حاربوا من الحديبية إلى آخر حروب الردة، ثم من تلاهم من شهد القادسية واليرموك وهكذا، كما أنه جعل مخصصات لزوجات المحاربين وأطفالهم منذ الولادة، ولم يُغفل أمر الغلمان واللقطاء، بل خصص لهم أعطيات سنوية، أدناها مائة درهم، تتزايد عند بلوغهم، كما فرض للموالي من ألف إلى ألفين. وقد رأى -رضي الله عنه- أن لكل مسلم حقاً في بيت المال منذ أن يولد حتى يموت، ولقد أعلن هذا المبدأ بقوله: "والله الذي لا إله إلا هو ما من أحد إلا له في هذا المال حق أُعطيَه أو مُنِعَه، وما أحد بأحق به من أحد إلاّ عبد مملوك، وما أنا فيه إلا كأحدكم، ولكنا على منازلنا من كتاب الله وقَسْمِنا من رسول الله، فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقَدَمُه في الإسلام، والرجل وغناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته، والله لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو مكانه قبل أن يُخمَّرَ وجهه".

 

وكان عمر حريصاً على أن لا يولي أحداً من أقاربه رغم كفاءة بعضهم وسبقه إلى الإسلام مثل سعيد بن زيد ابن عمه، وعبد الله بن عمر ابنه، وقد سمعه رجل من أصحابه يشكو إعضال أهل الكوفة به في أمر ولاتهم. وقول عمر: "لوددت أني وجدت رجلاً قوياً أميناً مسلماً أستعمله عليهم". فقال الرجل: أنا والله أدلك عليه، عبد الله بن عمر، فقال عمر: "قاتلك الله، والله ما أردتَ الله بهذا".

 

وكان عمر يمنع عماله وولاته من الدخول في الصفقات العامة؛ سواء أكانوا بائعين أو مشترين. روي أن عاملاً لعمر بن الخطاب اسمه الحارث بن كعب بن وهب، ظهر عليه الثراء، فسأله عمر عن مصدر ثرائه فأجاب: خرجت بنفقة معي فاتجرت بها. فقال عمر: "أما والله ما بعثناكم لتتجروا"، وأخذ منه ما حصل عليه من ربح.

 

وكان يحصي أموال العمال والولاة قبل الولاية ليحاسبهم على ما زادوه بعد الولاية مما لا يدخل في عداد الزيادة المعقولة، ومن تعلل منهم بالتجارة لم يقبل منه دعواه وكان يقول لهم: "إنما بعثناكم ولاةً ولم نبعثكم تجاراً".

 

وكان -رضي الله عنه- أشد ما يخشاه أن يكون الولاة قد اكتسبوا شيئاً من الأموال بسبب ولايتهم، وقد قام بمشاطرة أموال عماله، وقام أيضاً بمشاطرة بعض أقارب الولاة لأموالهم إذا ما رأى مبرراً لذلك، فقد أخذ من أبي بكرة نصف ماله، فاعترض أبو بكرة قائلاً: إني لم آلِ لك عملاً؟! فقال عمر: "ولكن أخاك على بيت المال، فهو يقرضك المال تتّجر به".

 

وكان الوفد إذا قدموا على عمر -رضي الله عنه- سألهم عن أميرهم فيقولون خيراً، فيقول: هل يعود مرضاكم؟! فيقولون: نعم، فيقول: هل يعود العبد؟! فيقولون: نعم، فيقول: كيف صنيعه بالضعيف؟! هل يجلس على بابه؟! فإن قالوا لخصلة منها: لا؛ عزله.

 

وكان -رضي الله عنه- يطلب من ولاته القادمين إلى المدينة أن يدخلوها نهاراً ولا يدخلوها ليلاً، حتى يظهر ما يكون قد جاؤوا به من أموال ومغانم فيسهل السؤال والحساب.

 

وكان إذا استعمل عاملاً كتب عليه كتاباً، وأشهد عليه رهطاً من الأنصار: أن لا يركب برذوناً، ولا يأكل نقياً، ولا يلبس رقيقاً، ولا يغلق بابه دون حاجات المسلمين ثم يقول: اللهم فاشهد.

 

وهذه الشروط تعني الالتزام بحياة الزهد والتواضع للناس، وهي خطوة أولى في إصلاح الأمة بحملها على التوسط في المعيشة واللباس والمراكب، وبهذه الحياة التي تقوم على الاعتدال تستقيم أمورها، وهي خطة حكيمة، فإن عمر لا يستطيع أن يلزم جميع أفراد الأمة بأمر لا يعتبر واجباً في الإسلام، ولكنه يستطيع أن يلزم بذلك الولاة والقادة، وإذا التزموا فإنهم القدوة الأولى في المجتمع، وهي خطة ناجحة في إصلاح المجتمع وحمايته من أسباب الانهيار.

 

أيها المسلمون: كان تفكير عمر قبل مقتله أن يجول على الولايات شخصياً لمراقبة العمال وتفقد أحوال الرعية، والاطمئنان على أمور الدولة المترامية، قال عمر: "لئن عشت -إن شاء الله- لأسيرنّ في الرعية حولاً، فإني أعلم أن للناس حوائج تقطع دوني، أما عمّالهم فلا يدفعونها إليّ، وأما هم فلا يصلون إليّ، فأسيرُ إلى الشام فأقيم بها شهرين، ثم أسيرُ إلى الجزيرة فأقيم بها شهرين، ثم أسيرُ إلى الكوفة فأقيم بها شهرين، ثم أسيرُ إلى البصرة فأقيم بها شهرين، ثم والله لنعم الحول هذا".

 

وقد طبق عمر شيئاً من هذا خصوصاً في ولاية الشام حيث سار إليها عدة مرات وتفقد أحوالها ودخل بيوت ولاتها وأمرائها، ليعرف أحوالهم عن كثب.

 

استعمل عياض بن غُنم على الشام فبلغه أنه اتخذ حمّاماً واتخذ نوّاباً، فكتب إليه أن يقدم عليه، فقدم، فحجبه ثلاثاً، ثم أذن له ودعا بجبة صوف، فقال: البس هذه، وأعطاه كنف الراعي وثلاثمائة شاة وقال: انعق بها، فنَعَقَ بها، فلما جازه هنيهة، قال: أقبل، فأقبل يسعى حتى أتاه، فقال: اصنع بكذا وكذا، اذهب فذهب، حتى إذا تباعد ناداه: يا عياض: أقبل، فلم يزل يردده حتى عرّقه في جبينه، قال: أوردها عليّ يوم كذا وكذا، فأوردها لذلك اليوم، فخرج عمر -رضي الله عنه- فقال: انزع عليها، فاستَقَى حتى ملأ الحوض فسقاها ثم قال: انعق بها، فإذا كان يوم كذا فأوردها، فلم يزل يعمل به حتى مضى شهران أو ثلاثة، ثم دعاه فقال: هيه اتخذت نواباً واتخذت حمّاماً، أتعود؟! قال: لا. قال: ارجع إلى عملك.

 

وقد كانت نتيجة هذه العقوبة التأديبية أن أصبح عياض بعد ذلك من أفضل عمّال عمر -رضي الله عنه-.

 

أيها المسلمون: كان أمير المؤمنين الفاروق -رضي الله عنه- مثالاً للخليفة العادل المؤمن المجاهد النّقي الورع القوي الأمين، الحصن المنيع للأمة وعقيدتها، قضى -رضي الله عنه- خلافته كلها في خدمة دينه وعقيدته وأمته التي تولى أمر قيادتها، فكان القائد الأعلى للجيش، والفقيه المجتهد الذي يرجع الجميع إلى رأيه، والقاضي العادل النزيه، والأب الحنون الرحيم بالرعية صغيرها وكبيرها، ضعيفها وقويها، فقيرها وغنيها، والصادق المؤمن بالله ورسوله، والسياسي المحنك المجرِّب، والإداري الحكيم الحازم، أحكم بقيادته صرح الأمة، وتوطدت في عهده دعائم الدولة الإسلامية، وتحققت بقيادته أعظم الانتصارات على الفرس في معارك الفتوح، فكانت القادسية والمدائن وجلولاء ونهاوند، وتمّ فتح بلاد الشام ومصر من سيطرة الروم البيزنطيين، ودخل الإسلام في معظم البلاد المحيطة بالجزيرة العربية، وكانت خلافته سدًّا منيعاً أمام الفتن، وكان عمر نفسه باباً مغلقاً لا يقدر أصحاب الفتن الدخول إلى المسلمين في حياته، ولا تقدر الفتن أن تطل برأسها في عهده.

 

حج -رضي الله عنه- سنة 23هـ فلمّا نفر من مِنى أناخ بالأبطح، فكوّم كومة من بطحاء، فألقى عليها طرف ثوبه ثم استلقى عليها، ورفع يديه إلى السماء فقال: "اللهم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيّتي، فاقبضني غير مضيِّع ولا مفرّط"، ثم قدم المدينة.

 

وآخر خطبة جمعة خطبها في المدينة قال فيها: "إني رأيت رؤيا، لا أراها إلا حضور أجلي. رأيت كأن ديكاً نقرني نقرتين! وإن قوماً يأمرونني أن أستخلف وأُعيّن الخليفة من بعدي! وإن الله لم يكن ليضيّع دينه ولا خلافته، ولا الذي بعث به نبيّه، فإن عجَل بي أمر، فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو عنهم راضٍ!".

 

أيها المسلمون: كان -رضي الله عنه- لا يأذن للسبايا في الأقطار المفتوحة بدخول المدينة عاصمة دولة الخلافة، فكان يمنع مجوس العراق وفارس، ونصارى الشام ومصر من الإقامة في المدينة إلاّ إذا أسلموا ودخلوا في هذا الدين، وهذا الموقف يدل على حكمته وبعد نظره؛ لأن هؤلاء القوم المغلوبين المنهزمين حاقدون على الإسلام، مُبغضون له، مُهيأون للتآمر والكيد ضده، ولذلك منعهم من الإقامة فيها لدفع الشرِّ عن المسلمين، ولكنّ بعض الصحابة -رضي الله عنهم- كان لهم عبيد ورقيق من هؤلاء السبايا النصارى أو المجوس، وكان بعضهم يلحُّ على عمر أن يأذن لبعض عبيده ورقيقه من هؤلاء المغلوبين بالإقامة في المدينة ليستعين بهم في أموره وأعماله، فأذن عمر لبعضهم بالإقامة في المدينة على كرهٍ منه، ووقع ما توقَّعه عمر، وما كان حذّر منه.

 

بارك الله لي...

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله...

 

أما بعد:

 

أيها المسلمون: وفي قصة مقتله -رضي الله عنه- قال عمرو بن ميمون: إني لقائم ما بيني وبينه إلاّ عبد الله بن عباس غداة أصيب، وكان إذا مرّ بين الصفين قال: استووا، فإذا استووا تقدّم فكبّر، وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس، فما هو إلا أن كبَّر فسمعته يقول: قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه، فطار العلج بسكين ذات طرفين، لا يمرُّ على أحد يميناً ولا شمالاً إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلاً، مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه بُرْنساً، فلما ظنّ العلج أنه مأخوذ نحر نفسه، وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدّمه للصلاة بالناس، فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرُون، غير أنهم قد فقدوا صوت عمر وهم يقولون: سبحان الله، فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة، فلما انصرفوا قال عمر: يا ابن عباس: انظر من قتلني، فجال ساعة، ثم جاء فقال: غلام المغيرة، قال: الصَّنَع، قال: نعم، قال: قاتله الله لقد أمرتُ به معروفاً، الحمد لله الذي لم يجعل منيّتي بيد رجل يدّعي الإسلام، قد كنت أنت وأبوك -يريد العباس-، تحبّان أن تكثر العلوج بالمدينة، وكان العباس أكثرهم رقيقاً، فقال عبد الله: إن شئتَ فعلتُ، أي: إن شئت قَتَلنا. قال: أخطأت بعدما تكلموا بلسانكم، وصلّوا قبلتكم، وحجوا حجّكم. فاحتُمل إلى بيته فانطلقنا معه وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فأُتي بنبيذ فشربه فخرج من جوفه، ثمّ أتي بلبن فشربه فخرج من جُرْحه، فعلموا أنه ميت، فدخلنا عليه، وجاء الناس فجعلوا يثنون عليه، وقال: يا عبد الله بن عمر: انظر، ما عليّ من الدَّين، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفاً أو نحوه، قال: إن وفى له مال آل عمر فأدّه من أموالهم، وإلا فسل في بني عدي بن كعب، فإن لم تفِ أموالهم فسل في قريش، ولا تعدهم إلى غيرهم، فأدّ عني هذا المال، وانطلِق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل: أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميراً، وقل يستأذن عمر بن الخطاب أن يبقى مع صاحبيه. فسلّم عبد الله بن عمر واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السَّلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرنّه به اليوم على نفسي، فلما أقبل، قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه فقال: ما لديك؟! قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين، أذنت، قال: الحمد لله، ما كان من شيء أهمُّ إليّ من ذلك. فإذا أنا قضيت فاحملني ثم سلم فقل: يستأذن عمر بن الخطاب فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين. قال: فلما قُبض خرجنا به، فانطلقنا نمشي، فسلّم عبد الله بن عمر، قال: يستأذن عمر بن الخطاب، قالت عائشة: أدخلوه، فأُدخل، فوضع هنالك مع صاحبيه.

 

قال أبو رافع -رضي الله عنه-: كان أبو لؤلؤة عبداً للمغيرة بن شعبة وكان يصنع الرحى، وكان المغيرة يستغله كل يوم أربعةُ دراهم، فلقي أبو لؤلؤة عمرًا، فقال: يا أمير المؤمنين: إن المغيرة قد أثقل عليَّ غلتي، فكلِّمه أن يخفف عني. فقال عمر: اتق الله وأحسن إلى مولاك، وفي نية عمر أن يلقى المغيرة فيكلمه يخفف عنه، فغضب العبد، وقال: وسِع كلهم عدله غيري؟! فأضمر على قتله، فاصطنع خِنجراً له رأسان، وشحذه وسمّه، ثم أتى به الهُرْمُزان، فقال: كيف ترى هذا؟! قال: أرى أنك لا تضرب به أحداً إلا قتلته. قال: فتحين أبو لؤلؤة عمر، فجاءه في صلاة الفجر حتى قام وراء عمر، وكان عمر إذا أقيمت الصلاة يتكلم يقول: أقيموا صفوفكم، فقال كما كان يقول: فلما كبَّر، وجأه أبو لؤلؤة وجأةً في كتفه، ووجأة في خاصرته، فسقط عمر، قال عمرو بن ميمون -رحمه الله-: سمعته لما طعن يقول: (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا).

 

قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: دخلت على عمر حين طُعن فقلت: أبشر بالجنة يا أمير المؤمنين، أسلمتَ حين كفر الناس، وجاهدتَ مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين خذله الناس، وقُبض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو عنك راضٍ، ولم يختلف في خلافتك اثنان، وقُتلت شهيداً، فقال عمر: أعد عليَّ، فأعدت عليه، فقال: والله الذي لا إله إلا هو، لو أن لي ما في الأرض من صفراء وبيضاء لافتديت به من هول المطلع.

 

استشهد -رضي الله عنه- يوم الأربعاء لأربع أو ثلاث بقين من ذي الحجة، سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة على الصحيح، وصلى عليه صهيب بن سنان، ونزل قبره عثمان وسعيد بن زيد وصهيب وعبد الله بن عمر.

 

لقد كان هول الفاجعة عظيماً على المسلمين، فلم تكن الحادثة بعد مرض ألمَّ بعمر، كما كان يزيد من هولها في المسجد وعمر يؤم الناس لصلاة الصبح، ومعرفة حال المسلمين بعد وقوع الحدث يطلعنا على أثر الحادث في نفوسهم. يقول عمرو بن ميمون: وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، ويذهب ابن عباس ليستطلع الخبر بعد مقتل عمر ليقول له: إنه ما مرّ بملأ إلا وهم يبكون وكأنهم فقدوا أبكار أولادهم، لقد كان عمر -رضي الله عنه- مَعلَماً من معالم الهدى، وفارقاً بين الحق والباطل، فكان من الطبيعي أن يتأثر الناس لفقده، وهذا الأثر يوضح شدة تأثر الناس عليه. كان عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عندما يُذكر له عمر يبكي حتى تبتل الحصى من دموعه ثم يقول: إن عمر كان حصناً للإسلام يدخلون فيه ولا يخرجون منه، فلما مات انثلم الحصن، فالناس يخرجون من الإسلام.

 

أيها المسلمون: إن كان من وقفة في مقتل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على يد المجوسي أبي لؤلؤة فإنها الدلالة على طبيعة الكفار في كل زمان ومكان، قلوب لا تُضمِر للمسلمين إلا الحقد والحسد والبغضاء، ونفوس لا تُكنّ للمؤمنين إلا الشر والهلاك والتلف، ولا يتمنون شيئاً أكثر من ردة المسلمين عن دينهم وكفرهم بعد إسلامهم، وإن الذي ينظر جيداً في قصة مقتل عمر -رضي الله عنه- وما فعله المجوسي الحاقد أبو لؤلؤة يستنبط منها أمرين مهمين، يكشفان الحقد الذي أضمره هذا الكافر في قلبه تجاه عمر وتجاه المسلمين:

 

الأمر الأول: أنه قد ثبت في الطبقات الكبرى لابن سعد بسند صحيح إلى الزهري، أن عمر -رضي الله عنه- قال لهذا المجوسي ذات يوم: ألم أُحدَّث أنك تقول: لو أشاء لصنعت رحى تطحن بالريح، فالتفت إليه المجوسي عابساً وقال: لأصنعنّ لك رحى يتحدث الناس بها، فأقبل عمر على من معه، فقال: توعدني العبد.

 

الأمر الثاني: الذي يدل على الحقد الذي امتلأ به صدر هذا المجوسي أنه لماّ طَعن عمر -رضي الله عنه-، طَعن معه ثلاثة عشر صحابياً استشهد منهم سبعة، ولو كان عمر -رضي الله عنه- ظالماً له فما ذنب بقية الصحابة الذين اعتدى عليهم؟! ومعاذ الله تعالى أن يكون عمر ظالماً له.

 

وهذا المجوسي أبو لؤلؤة قام أحبابه أعداء الإسلام ببناء مشهد تذكاري له في مدينة كاشان الإيرانية، فيه قبر وهمي لأبي لؤلؤة فيروز الفارسي المجوسي، قاتل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، حيث أطلقوا عليه ما معناه بالعربية (مرقد بابا شجاع الدين)، وبابا شجاع الدين هو لقب أطلقوه على أبي لؤلؤة لقتله عمر بن الخطاب، وهذا المشهد يُزار من قبل الشيعة وتُلقى فيه الأموال والتبرعات.

 

عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كنت أدخل بيتي الذي فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي، فلما دُفن عمر معهما فوالله ما دخلته إلا وأنا مشدودة عليّ ثيابي حياءً من عمر.

 

وروي عن سعيد بن زيد أنه بكى عند موت عمر فقيل له: ما يبكيك؟! فقال: على الإسلام، إن موت عمر ثَلَمَ الإسلام ثلمة لا ترتق إلى يوم القيامة. قال أبو طلحة الأنصاري: والله ما من أهل بيت من المسلمين إلا وقد دخل عليهم في موت عمر نقص في دينهم وفي دنياهم.

 

 

 

 

المرفقات

بن الخطاب رضي الله عنه (2)

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات