علاج مشكلة الفقر (3) دور المجتمع في علاج الفقر

علي باوزير

2016-02-27 - 1437/05/18
عناصر الخطبة
1/ وجوب الزكاة والتحذير من منعها 2/ أصناف الأموال التي تجب فيها الزكاة 3/ تمويل الفقراء من أصحاب الحرف من الزكاة 4/ التحذير من التلاعب بالزكاة والمداهنة فيها 5/ أهمية الصدقة ودورها في علاج مشكلة الفقر 6/ المقصود بالقرض وأهميته ودوره في علاج مشكلة الفقر

اقتباس

الزكاة هي الفريضة التي أوجبها الله -تبارك وتعالى- على عباده المسلمين، وأمرهم أن يخرجوها من أموالهم، أوجب على الأغنياء أن يخرجوا من أصناف أموالهم جزءًا ونصيباً ومقداراً يعطونه للفقراء...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102].

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

 

أما بعد:

 

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

أيها المسلمون -عباد الله-: تحدثنا في الخطبة الماضية عن بعض الحلول التي جاءت في شريعة الله -تبارك وتعالى-، والتي تعالج مشكلة الفقر، وكان مما تحدثنا عنه في الخطبة الماضية: أن من حلول هذه المشكلة، ومن أهم هذه الحلول: العمل والسعي والاكتساب.

 

ومن حلولها كذلك: الاقتصاد في النفقة وعدم التبذير.

 

ومن حلولها كذلك: أن ينفق الأقارب بعضهم على بعض.

 

ومن الحلول كذلك: ما حرمه الإسلام من المعاملات المالية التي تؤدي إلى زيادة الفقر، أو إلى استغلال حاجات الفقراء.

 

واستكمالًا لحديثنا عن هذه الحلول التي جاءت في شريعة الله -تبارك وتعالى- نتحدث في هذه الخطبة عن جانب آخر مهم من جوانب العلاج لهذه المشكلة، وهذا الجانب هو إنفاق المسلمين بعضهم على بعض، وبذل مالهم لبعضهم البعض.

 

وتحت هذا الجانب تدخل أموراً كثيرة أهمها ثلاثة أمور:

 

أولها: الزكاة، وثانيها: الصدقة، وثالثها: القرض.

 

فأول هذه الجوانب وهو الزكاة، هذه الفريضة التي أوجبها الله -تبارك وتعالى- على عباده المسلمين، وأمرهم أن يخرجوها من أموالهم، أوجب على الأغنياء أن يخرجوا من أصناف أموالهم جزءًا ونصيباً ومقداراً يعطونه للفقراء.

 

النبي -صلى الله عليه وسلم- أرسل معاذًا إلى اليمن، فأمره أن يأمرهم بأشياء، ومما قال له: "وأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تأخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم"، وهذه هي الزكاة.

 

الزكاة -أيها الأحباب- واجب من واجبات الإسلام الأساسية، وركن أصيل من أركان هذا الدين، نبينا -صلى الله عليه وسلم-؛ كما في الصحيح من حديث ابن عمر عنه صلى الله عليه وسلم قال: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان".

 

فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- الزكاة في المرتبة الثالثة بعد الشهادتين، وبعد إقامة الصلاة، الله -تبارك وتعالى- جعل الزكاة عنوان الدخول في الإسلام، بعد البراءة والتوبة من الشرك، وبعد إقامة الصلاة، فقال سبحانه وتعالى في سورة التوبة: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) [التوبة: 11].

 

فلا تتحقق الأخوة الدينية، ولا تتحقق الأخوة الإسلامية، إلا بهذه الثلاثة: أن يتوبوا من الشرك، وأن يقيموا الصلاة، وأن يؤتوا الزكاة.

 

والله -سبحانه وتعالى- توعد الممتنعين عن أداء الزكاة بوعيد شديد، قال سبحانه وتعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ) [التوبة: 34 - 35] عذاب شديد يعذب بهذا المال الذي كنزه، ولم يؤدِ حق الله -تبارك وتعالى- فيه.

 

نبينا -صلى الله عليه وسلم-؛ كما في الصحيح يقول: "مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ" أي ثعبان شديد السمية: "يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ يَعْنِي شِدْقَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلَا: (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [آل عمران: 180] يصير هذا المال الذي كان الإنسان فرحاً مسروراً به في الدنيا يصير يوم القيامة -والعياذ بالله- ثعباناً يعذب به، إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة التي دلت على وجوب الزكاة، وحثت على إخراجها، ورغبت الناس فيها، وحذرتهم من التهاون في أدائها.

 

ودعونا -أيها الأحباب- نقف وقفات مع هذه الشعيرة العظيمة، مع الزكاة، نتأمل كيف صارت الزكاة حلًا لمشكلة الفقر.

 

فنقول -أيها الأحباب-: الله -سبحانه وتعالى- أوجب الزكاة في أموال الأغنياء الموسرين، وأوجبها في أنواع أموالهم، وأصناف أموالهم، أوجبها في الزروع والثمار، وأوجبها في المواشي، وأوجبها في الذهب والفضة، وأوجبها في عروض التجارة، وهذا باتفاق العلماء.

 

واختلف العلماء في أمور أخرى وفي أموال أخرى هل تجب الزكاة فيها أم لا تجب؟ والمهم هنا -أيها الأحباب- أن نعرف أن هذه الأموال إذ بلغت مقداراً معيناً يسمى بالنصاب، فإنه لابد من إخراج الزكاة منها.

 

وقد حدد الله -سبحانه وتعالى- مقادير لهذه الزكاة التي يجب إخراجها من هذا المال في الزروع والثمار أوجب العشر، أو نصف العشر.

 

وفي الذهب والفضة أوجب ربع العشر، وكذلك في عروض التجارة.

 

وفي المواشي الإبل والبقر والغنم، أوجب فيها مقادير مختلفة.

 

والغني الذي يمتلك هذا المال يجب عليه أن يخرج الزكاة منه ليس تبرعاً ولا تفضلاً ولا إحساناً، وإنما هو حق واجب عليه، وأمر لازم لا محيص له عنه.

 

وهذا الحق سماه الله -سبحانه وتعالى- حق للفقراء قال: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) [المعارج: 24 - 25].

 

وهذا الحق إذا ثبت في المال لا يسقط أبدًا، حتى لو تطاولت السنون، حتى لو مات صاحب المال سيبقى هذا الحق واجبًا في ماله، تخرج الزكاة من ماله قبل أن تقسم التركة على ورثته؛ لأن هذا ليس تفضل وإحسان منك، بل هو حق واجب لله -تبارك وتعالى- أوجبه للفقراء والمساكين.

 

بل لو أن صاحب المال امتنع من أداء الزكاة، ورفض أن يخرجها فإنه يجبر على ذلك بالقوة، حتى لو وصل الأمر إلى قتاله، هذا أبو بكر الصديق -رضي الله عنه وأرضاه- بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- ارتدت قبائل من العرب، ومنعوا زكاة أموالهم، فقال أبو بكر -رضي الله عنه وأرضاه-: "لأقاتلنهن" فقال عمر: "كيف تقاتلهم وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله؟!" فقال أبو بكر: "والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقاتلتهم على منعه، فإن الزكاة حق الناس" وبالفعل قاتلهم رضي الله عنه وأرضاه حتى أجبرهم على أداء الزكاة.

 

سبحان الله! كل هذا لأجل من؟

 

كل هذا لأجل الفقراء حتى لا يستأثر الأغنياء بالمال، وحتى لا تكون الثروة بينهم دون غيرهم: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ) [الحشر: 7].

 

ولاحظوا -أيها الأحباب-: أن صاحب المال إذا أجبر على إخراج الزكاة، فإنه سيضطر اضطرارًا إلى المتاجرة واستثمار هذا المال لماذا؟

 

لأنه لو بقي المال مكنوزًا، لو بقيت هذه الثروة في الخزائن، لا يستثمرها، ولا يتاجر بها، فإنه بمجرد مرور عشر سنوات فقط سيذهب عليه ربع ثروته بالزكاة، كل سنة يخرج ربع العشر في خلال عشر سنوات سيضطر إلى إخراج ربع الثروة.

 

ومع مرور السنوات ستذهب هذه الثروة إن لم يتاجر بها، فيضطر إلى المتاجرة، يضطر إلى استثمار هذا المال، ومن الذي سيستفيد من هذه المتاجرة؟

 

الفقراء، سيجدون أعمالاً سيجدون وسيلة لكسب الرزق، فينتفعون بذلك، فهم منتفعون بهذا المال، سواءً بقي محفوظاً في الخزائن عن طريق الزكاة، أو إذا أخرج من الخزائن، واستثمره، والدفع به من خلال العمل الذي سيتحصلون عليه.

 

وهنا -أيها الأحباب-: سؤال مهم جداً، وربما يُخطئ كثير من الناس في تصور جواده: الفقير الذي يعطى من الزكاة، كم يعطى من هذه الزكاة؟! قد يقول قائل: الفقراء يعطون في رمضان -مثلاً- ألفاً، ألفان، ثلاثة.. فلا يأت شهر رمضان إلا وقد أنفق هذا المال كله، فكيف تكون الزكاة حق للفقر وهي لا تقدم شيئاً ملموساً يغير من واقع هذا الفقير؟

 

وهنا -أيها الأحباب- يُخطئ كثير من الناس، فيظنون أنه لا بد من تفريق الزكاة على الفقراء بقدر يسير، وعدد كبير، ويظن أنه لا بد عليه أن يفعل كذا، والصحيح أنه لا يلزمه أن يقسم مال الزكاة بهذه الصفة، وبهذه الصورة.

 

الفقهاء لهم أقوال في هذه المسألة، بعض العلماء يقول: ينبغي أن يعطى الفقير كفايته لمدة عام كامل، حتى يبقى يتعيش على هذا المال من العام القادم، ثم يأخذ من زكاة العام القادم، وهكذا فلا يحتاج إلى أحد من الناس.

 

قد يستغرب البعض حين يسمع هذا القول، وأغرب من هذا القول وهو أحسن وأقوى: أن الفقير لا بد أن يعطى كفاية عمره كله، استدل الفقهاء بهذا بحديث قبيصة -رضي الله عنه وأرضاه- عن قبيصة بن مخارق الهلالي -رضي الله عنه-: قال: "تحمَّلت حَمَالة، فأتيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسأله فيها، فقال: أقِمْ حتى تأتيَنا الصدقةُ، فنأمُرَ لك بها، ثم قال: يا قبيصة، إنَّ المسألةَ لا تحلّ إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة، فَحلَّتْ له المسألة حتى يُصيبَها، ثم يُمْسِكُ، ورجُل أصابتهُ جائحة اجتاحت، فحلّتْ له المسألة حتى يُصيب قوَاما مِنْ عَيْش -أو قال: سِدادا مِنْ عَيْش- ورجل أصابته فاقة –أي حاجة- حتى يقول ثلاثة من ذوي الحِجَا من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة، فحلّت له المسألة، حتى يصيبَ قَوَاما من عَيْش -أو قال: سِدَادا من عيش- فما سِوَاُهنَّ من المسألة يا قبيصة سُحْت، يأكلها صاحبها سُحْتا" [أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي].

 

وهذه الحديث يدل على أن الفقير والمحتاج لا بد أن يكفى، حتى لا يحتاج لأحد من الناس.

 

قد يقول قائل: فكيف يكفى؟

 

يقول العلماء: إن كان صاحب حرفة فيعطى من المال ما يتمكن به من شراء آلات لحرفته، حتى يعمل ويكتسب، فيستغني عن الناس حتى لو كلفت هذه الآلات مبالغ كبيرة، إن كان يحسن التجارة أعطي مالاً ليتاجر، إن كان يحسن الزراعة تشترى له قطعة أرض ليعمل فيها ويزرع، ويستكفي بها عن الناس.

 

هذا موجود -أيها الأحباب- في كتب العلماء، وخاصة للفقهاء الشافعية -رحمهم الله-.

 

بل أكثر من هذا، قالوا: إذا كان الإنسان عاجزاً عن العمل لا يستطيع أن يعمل يشترى له عقارا ليتمكن من تأجير هذا العقار، فيعيش على ريع هذا العقار.

 

من الذي يفعل مثل هذا في هذه الأيام؟

 

لو طبق مثل هذا الأمر لصار في كل عام، أو لأغني في كل عام جماعة من الفقراء، وفي العام الآخر جماعة آخرين، وفي العام الذي بعده جماعة آخرين، حتى يستغني جميع الفقراء.

 

خاصة إذا علمنا -أيها الأحباب- أن أموال الزكاة التي تجب في أموال الأغنياء في زماننا هذا شيء كبير، ومبالغ ضخمة، فقط زكاة خمسين تاجراً من كبار تجار العرب سنوياً تبلغ 7 مليارات دولار، ميزانية دولة كاملة، فكيف ببقية التجار وهم بالألوف؟ وكيف بزكاة بقية أصحاب الأموال من غير التجار؟ فأموال الزكاة أموال ضخمة كبيرة جداً، ولكن للأسف حين لا يحسن تدبير الأمر، وحين لا تجمع جمعاً صحيحاً، ولا تصرف تصريفاً صحيحاً، فإنه لا يكون لها أثر في واقع المسلمين.

 

ولهذا -أيها الأحباب- إذا أراد المسلمون أن يكون للزكاة أثر حقيقي في محاربة الفقر، فلا بد أن يتخلص الناس من المجاملات، ومن المداهنات، أن يتخلصوا من السرقة والاختلاس من أموال الزكاة، أن يتخلصوا من التلاعب والعبث بها، وإذا وجدت حكومة رشيدة، ودولة مستقيمة، تأخذ الزكاة وتجمعها جمعًا صحيحًا، وتصرفها على المحتاجين، وعلى أهلها تصريفًا صحيحًا، فثقوا أن هذا سيكون حلًا ناجعًا لهذه المشكلة.

 

عمر بن عبد العزيز -رحمه الله ورضي عنه- في سنتين استطاع أن يقضي على الفقر، حتى صار الواحد يطوف بزكاته عن الفقراء، يبحث عن فقير ليعطيه الزكاة، لكن لا يجد، قد استغنى الناس كلهم، حين كان هناك تدبير صحيح، وحين كانت هناك إرادة وعزيمة ونية صادقة.

 

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يصلح أحوالنا كلها.

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

 

أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك إقرارًا به وتوحيدًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا مزيدًا.

 

وبعد -أيها الأحباب الكرام-: الأمر الثاني مما يتعلق بهذا الجانب، وهو إنفاق المسلمين بعضهم على بعض، أمر الصدقة، وهو المال الذي يخرجه الإنسان تطوعاً من عند نفسه، المال الذي يخرجه الإنسان فضلاً وإحساناً وإعانة للفقراء والمساكين.

 

وقد رغب الإسلام في هذا ترغيبًا كبيرًا، وحث عليه حثًا كثيرًا، الله -سبحانه وتعالى- يقول في كتابه الكريم: (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ) [الحديد: 18] أي يضاعف الله -سبحانه وتعالى- هذه الصدقات ويربيها، ويعظمها لهم، حتى يأتوا يوم القيامة فيجدونها كأمثال الجبال.

 

ويقول الله -سبحانه وتعالى-: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) [البقرة: 262].

 

النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما منكم أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة" بشطر تمرة، بجزء يسير منها، يقي الإنسان نفسه عذاب الله -تعالى-، ويقول صلى الله عليه وسلم: "صدقة السر تطفئ غضب الرب".

 

ويحث صلى الله عليه وسلم على الصدقة، ويبين أن ثوابها وأجرها، ليس فقط في الآخرة، بل يجد الإنسان عاجل فضلها في الدنيا، يقول صلى الله عليه وسلم كما في سنن أبي داود -رحمه الله- قال: "داووا مرضاكم بالصدقة"، من كان عنده مريض قد عجز عن دوائه وعلاجه، فليجأ إلى هذا العلاج، إلى الصدقة.

 

يقول ابن شقيق: سمعت ابن المبارك يسأله رجل عن قرحة خرجت في ركبته منذ سبع سنين، فسأل الأطباء فلم ينتفع بشيء، فقال له عبد الله بن المبارك -رحمه الله-: "اذهب فاحفر بئراً في مكان يحتاج للماء، فإني أرجو أن ينبع فيها عيناً فيمسك عنك الدم"، ففعل الرجل ما أمره به ابن المبارك، وذهب وحفر بئراً في مكان يحتاج إلى ماء، فبرأ من مرضه، شفاه الله -سبحانه وتعالى- بهذه الصدقة.

 

وأمر الصدقة مفتوح من حيث مقدارها، ومن حيث مصارفها، فيعطي الإنسان أي واحد حتى الغني يجوز أن يعطى من الصدقة، ولكن الأولى بالإنسان أن يتحرى أهل الحاجة، وأن يبحث عن أهل الفقر والمسكنة، فيعطهم من الصدقة، ومما أنعم الله -تبارك وتعالى- عليه من المال.

 

وكلما تصدق الإنسان وأنفق، كلما عوضه الله -سبحانه وتعالى- خيراً في الدنيا، وخيراً أعظم منه في الآخرة.

 

الأمر الثالث -أيها الأحباب-: أمر القرض، وهو المال الذي يعطيه الإنسان لغيره ليرده له بعد مدة، وهذا أمر حسن، قد رغب فيه الإسلام، وحث عليه، وفيه من قضاء الحوائج، وإعانة وإغاثة الملهوفين، وفيه من التسهيل والتيسير على الناس الشيء الكثير.

 

بعض الناس قد يتحرج من أخذ الصدقة، قد يكون إنسان عزيزاً، لا يرضى بأن يأخذ الصدقة، وله ذلك، فيلجأ إلى القرض، لا يريد أن يكون لأحد عليه فضلاً، فيذهب ويبحث عمن يقرضه ليرد المال بعد ذلك.

 

فرغب النبي -صلى الله عليه وسلم- في إعانة المسلمين بمثل هذا العمل، يقول صلى الله عليه وسلم كما يروى ذلك عنه ابن مسعود -رضي الله عنه-: "ما من مسلم يقرض مسلم مرتين إلا كان كصدقتها مرة".

 

أعطيته ألفًا فردها لك، ثم أقرضته هذه الألف مرة أخرى، فردها لك، كتب لك أجر صدقة كاملة، كأنك تصدقت بهذه الألف، وهي ما زلت بحوزتك وبيدك، وهذا فضل من الله -سبحانه وتعالى-.

 

وإنما يترتب هذا الفضل والثواب على القرض الحسن الذي لا زيادة فيه، ولا ربا فيه، ولا يقصد به منفعة ولا مصلحة: "فإن كل قرض جر نفع فهو ربا".

 

بل يكون قرضًا حسنًا، لا يبتغي به إلا وجه الله -سبحانه وتعالى-.

 

بعض العلماء فضل القرض عن الصدقة، وقالوا: إن الصدقة قد يعطيها الإنسان للمحتاج ولغير المحتاج، وأما القرض فإنه لا يطلبه إلا إنسان محتاج، فلهذا تقع موقعًا، وتأتي في موضعها الصحيح، وتسد حاجة هذا المحتاج، خاصة إذا انضاف إلى ذلك إنظار المعسر، والتسهيل والتيسير عليه، وتأجيله وتأخيره، أو العفو عنه تمامًا.

 

يحكي لنا النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويقص لنا عن رجل ممن كان قبلنا ليس له شيء من العمل، وليس عنده كثير طاعة، فجاء يوم القيامة فسئل عما له من العمل، فلم يذكر عملاً إلا أنه كان يخالط الناس، أي بالبيع والشراء، فيأمر غلمانه إذا وجدوا معسراً أن يتجاوزوا عنه، إذا وجدوا صاحب دين، لهم حقاً عليه، يسهلون له، ويتجاوزون عنه، فقال الله -تبارك وتعالى-: "أنا أحق بذلك من عبدي" فتجاوز الله عنه، وغفر له؛ لأنه كان يتجاوز عن عباده، ويسهل عليهم.

 

وجاء في سنن الترمذي من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه وأرضاه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من أنظر معسراً، أو وضع له؛ أظلَّه الله يوم القيامة تحت ظل عرشه".

 

بهذا الموقف العظيم الذي يبحث الإنسان عن شيء من الظل الذي يقيه حر الشمس، ويقيه ذلك التعب والنصب، فيأتي إنظاره للمعسرين، وتجاوزه عنهم، لضلله يوم القيامة.

 

ومن المشاريع الطيبة المباركة التي يدعى إليها أصحاب الأموال: أن ينشؤوا مشاريع القرض الحسن الذي يقضون به الناس، ويسهلون عليهم فيه، بإقامة المشاريع، أو لأجل الزواج، أو لاجل العلاج، أو نحو ذلك.

 

والناس اليوم يبحثون عمن يقرضهم، فلا يجدون، فربما لجأ بعضهم إلى القروض الربوية، وإلى الأخذ من البنوك التي لا تخاف الله، فمثل هذه المشاريع فيها تيسير، وفيها تسهل، وتنفيس لكربات المسلمين.

 

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يفك هم كل مهموم، وأن يفرج كرب كل مكروب.

 

ولنا للحديث بقية -بإذن الله-.

 

 

المرفقات

مشكلة الفقر (3) دور المجتمع في علاج الفقر

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات