عقيدة النصارى في المسيح

علي باوزير

2016-12-18 - 1438/03/19
عناصر الخطبة
1/ احتفال النصارى بميلاد المسيح -عليه السلام- كل عام 2/ عجائب وخرافات وأباطيل وراء احتفال النصارى بميلاد المسيح 3/ عقيدة النصارى في المسيح والرد عليها 4/ تحريم المشاركة في أعياد النصارى ووجوب دعوتهم للإسلام

اقتباس

لماذا وجدت هذه الاحتفالات؟ لماذا يهتم النصارى كثيرا بميلاد المسيح -عليه السلام-؟ لماذا صار هذا أعظم عيد من أعيادهم الدينية وصار مقدما على غيره من الأعياد؟ قد لا يتصور البعض أن...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102]. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: 1].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70 - 71].

 

أما بعد:

 

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

وبعد:

 

أيها المسلمون -عباد الله-: في هذه الأيام يحتفل النصارى في كل مكان في العالم بميلاد المسيح عيسى بن مريم -عليه السلام-، يعيشون أيام عيد ابتهاجا بهذه الذكرى؛ ذكرى ميلاد المسيح، وكثيرا من المسلمين يشاركونهم في مثل هذه الأعياد جهلا منهم، يشاركونهم في هذه الاحتفالات ظنا منهم أنها احتفالات عادية لا تمت إلى دين ولا إلى عقيدة.

 

والأمر -أيها الأحباب- على خلاف ذلك، لا أريد أن أتحدث عن حكم هذه الاحتفالات، ولكن أريد أن أتحدث عن حقيقتها، لماذا وجدت هذه الاحتفالات؟ لماذا يهتم النصارى كثيرا بميلاد المسيح -عليه السلام-؟ لماذا صار هذا أعظم عيد من أعيادهم الدينية وصار مقدما على غيره من الأعياد؟

 

قد لا يتصور البعض أن ميلاد المسيح حقيقة، وما يتعلق به أنها قضية أساسية وجوهرية وفارقة بين عقائد المسلمين وعقائد النصارى.

 

وكثيرا من المسلمين يجهلون هذا الأمر مع كثرة النصوص الواردة في كتاب الله وفي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تتحدث عن هذه القضية وتفصل الكلام فيها.

 

تبدأ هذه القصة -أيها الأحباب الكرام- من خلق آدم -عليه السلام- كلنا يعلم أن الله -تبارك وتعالى- لما خلق آدم أدخله الجنة وأسكنه فيها، وأباح له أن يأكل ويتمتع بما فيها إلا شجرة واحدة، نهاه الله -سبحانه وتعالى- أن يأكل منها، وحذره من الاقتراب منها، قال الله -سبحانه وتعالى-: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ) [البقرة: 35].

 

امتثل آدم لما أمره الله به، وصار يتمتع بنعيم الجنة دون أن يقترب من هذه الشجرة حتى جاءه الشيطان، وأخذ يوسوس في قلبه، وأخذ يتحايل عليه، وجاء يزين إليه الأكل من هذه الشجرة، وقال له ولزوجه حواء: (مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) [الأعراف: 20 - 21] حتى استزلهما وغرهما بحسن حديثه وغرهما بتزينه ووسوسته، فأكلا من هذه الشجرة التي نهاهما الله -عز وجل- عن الأكل منها، فلما أكلا منها عاتبهم الله -سبحانه وتعالى-، وقال: (أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ) [الأعراف: 22].

 

ثم نزلت العقوبة وأمر الله -سبحانه وتعالى- بإخراج آدم وزوجه من الجنة: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا) أنزلهم إلى الأرض وأنزل معهما إبليس وقال: (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) [البقرة: 36] إلى أجل معلوم.

 

إلى هنا والقصة واضحة لكن ما الذي جرى بعد أن وقع آدم -عليه السلام- في الخطيئة؟

 

المسلمون يعتقدون كما جاء في القرآن أن آدم -عليه السلام- تاب إلى الله، فلما تاب إلى الله تاب الله عليه، وغفر له ذنبه، ومحى عنه خطيئته، قال الله عز وجل-: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ) [طه: 121 - 122] اصطفاه واختاره: (فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) [طه: 122]، وهذا نص صريح قاطع أن تلك القضية قد انتهت، وأن تلك الخطيئة قد محيت، وأن ذلك الذنب قد غفره الله -سبحانه وتعالى-.

 

لكن النصارى لا يقرون بها، بل أتوا بقول عجيب اخترعته عقولهم، وابتكرته خيالتهم، قالوا: إن هذه الخطيئة لم تمح، وإن هذا الذنب لم يذهب، بل بقيت هذه الخطيئة ملازمة لآدم -عليه السلام-، بل وأكثر من ذلك هذه الخطيئة انتقلت إلى ذريته جيلا بعد جيل، وأمة بعد أمة، فكل مولود يولد فإنه يخرج إلى هذه الدنيا محملا بخطيئة آدم، وهي لازمة في ذمته لا يستطيع أن يتخلص منها، لا تزيلها توبة، ولا يمحوها استغفار.

 

هذا شيء عجيب، وكلام غريب مناقض لصريح كلام الله -تبارك وتعالى- قد تاب آدم من هذه الخطيئة، وتاب الله -عز وجل- عليه منها، لكنهم أصروا على هذا، وقالوا: بل هذه الخطيئة باقية!

 

حتى لو افترضنا أن آدم لم يتب منها هل يحاسب الأبناء على خطايا الآباء؟ هل من عدل الله -تبارك وتعالى- أن يآخذ الذرية بما فعل الآباء؟ (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) [فصلت: 46] لا يمكن أن يقع هذا في حكم الله أبداً، لكن هذا الذي ادعاه النصارى.

 

والأعجب من هذا: أنه بعد أن مرت آلاف السنين وهذه الخطيئة لازمة لذرية آدم أراد الله -عز وجل- أن يخلص البشرية من هذه الخطيئة، فماذا فعل؟ قالوا: افتدى البشرية بفداء عظيم، وما هو هذا الفداء؟ هو عيسى -عليه السلام-؟!

 

ومن هو عيسى؟ المسلمون يقولون: هو عبد الله ورسوله، بشر خلقه الله وأرسله إلى الناس ليبلغ رسالة الله ودينه، ليس أكثر من هذا، لكنه عند النصارى شيئا آخر -والعياذ بالله- انقسموا فيه إلى فريقين منهم من قال: هو ابن الله -تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا-، ومنهم من قال وزاد على هذا وقال: بل هو الله نفسه -سبحان الله عما يقولون-.

 

فماذا كان؟ قالوا: أنزل الله ولده ليعيش بين الناس كأنه منهم، لكنه في الصورة بشر، وفي الحقيقة إله!

 

وزادوا على هذا فقالوا: لما أراد الله -عز وجل- أن يخلص البشر جعلهم يقتلون ولده الذي هو عيسى -عليه السلام- بزعمهم، وجعلهم يصلبونه، فسمرت يداه ورجلاه، وصلب حتى مات على هذا الحال، فخلص البشرية من خطيئة آدم -عليه السلام-.

 

ولهذا نجد -أيها الأحباب- أن النصارى يعظمون الصليب؛ لأنه عندهم رمز للفداء والخلاص، ما خلصت البشرية عندهم من ذنب آدم إلا بهذا الصليب، ولا نجاة عندهم إلا بأن يعتقد الإنسان هذه العقيدة، أن يصدق هذه الخرافة، وأن يقتنع بهذه الأسطورة التي لا حقيقة لها، لا نجاة للإنسان من النار ولا نجاة له يوم القيامة عندهم إلا بتصديق هذا، وآن لإنسان عاقل أن يصدق مثل هذه الكذبة، ومثل هذه الخرافة.

 

ولهذا -أيها الأحباب- صاروا يعظمون قضية ميلاد المسيح -عليه السلام-؛ لأن الأمر ليس مجرد حدث تاريخي، إنما هو عندهم أساس الدين، عقيدة النصارى ودينهم إنما يقوم على هذه القضية، وإنما يقوم على هذا الأساس، وعلى هذه القصة والخرافة التي ليس لهم بها سلطان، وليس لهم عليها أدنى حجة أو برهان.

 

فأين دليلهم على أن الله له ولد؟ أليس الله -عز وجل- يقول: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص: 1 - 4].

 

من أين أتوا بهذه الفرية والكذبة والله -عز وجل- يقول: (أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) [الصافات: 151 - 152].

 

الكائنات والجمادات والكون كله من حولنا يستنكر هذه المقالة: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) [مريم: 90 - 93].

 

ظنوا حين رأوا أن عيسى -عليه السلام- قد ولد بغير أب: أن أباه هو الله، وغفلوا عن أن الله -عز وجل- على كل شيء قدير: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [آل عمران: 59].

 

آدم خلق بغير أب ولا أم، أما عيسى فكان له أم؟ فلماذا لم يقولوا أن آدم هو ولد الله وهو المخلوق بغير أب ولا أم؟ تناقض، وليس آدم ولا عيسى أولاد لله، بل هم عبيد خاضعون لله -تبارك وتعالى ليس له صاحبة ولا ولد.

 

ثم لو افترضنا -أيها الأحباب- وصدقنا هذه الكذبة: أن الله -عز وجل- له ولد، وليس هذا بحاصل، فما الحاجة لإنزال الولد لأجل أن يغفر للناس؟! أليس الله -عز وجل- قادرا على أن يغفر خطايا البشر دون أن ينزل ولده كما يقولون لأجل أن يقتله الناس ويعذبونه؟!

 

ألم يقل الله -تبارك وتعالى- كما في الحديث القدسي الذي رواه الترمذي: "يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي" أليس النبي -صلى الله عليه وسلم- يحكي عن الله -تبارك وتعالى- أنه لا يتعاظمه ذنب أن يغفره، في صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه وأرضاه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت" لا يقل: إن شئت "وليعزم المسألة" فليقل: اللهم اغفر لي "فإن الله لا يتعاظمه شيء أن يعطيه"، وفي رواية في البخاري "فإن الله لا مكره له" قادر على أن يغفر للعباد جميعا في لحظة واحدة، فما الداعي لقصة الصلب هذه كلها؟ وما هي الحاجة إلى هذا التطويل؟ لكنهم أساءوا الظن بالله -عز وجل- ثلاث مرات:

 

أولا: أساءوا الظن به حين اعتقدوا أنه لم يغفر لآدم، ولم يتب عليه، وأنه سيآخذ ذريته بخطيئته؟

 

ثانيا: أساءوا الظن بالله -سبحانه وتعالى-  حين اعتقدوا أنه غير قادر أن يغفر لعباده إلا بأن توجد هذه القصة المخترعة قصة الصلب.

 

ثالثا: أساءوا الظن بالله -سبحانه وتعالى- حين نسبوا إليه الولد، وما ينبغي لله -عز وجل- أن يكون له ولد -سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا-.

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

 

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وكفى بالله شهيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا به وتوحيدا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما مزيدا.

 

وبعد:

 

أيها الأحباب الكرام: هذه هي عقيدة النصارى أساءوا الظن بالله -عز وجل-، ونسبوا إليه النقائص، بل وجعلوا له الشركاء، فقالوا: إن الله ثالث ثلاثة! الإله عندهم مكون من ثلاثة أشخاص: الأب والابن وروح القدس!

 

وهؤلاء الثلاثة عندهم في الحقيقة شخص واحد، وهذه من عجائب العالم كيف يكون الثلاثة واحدا والواحد ثلاثة؟ شيء لا يقبله العقل ولا يتصوره، بل حتى النصارى أنفسهم يسمون هذا بسر التكليف، أي أنه شيء لا يستطيع العقل أن يستوعبه، وحقا لا يستطيع العقل أن يستوعب خرافة مثل هذه، ولا يستطيع العقل أن يصدق تناقض مثل هذا، فهو خيال لا حقيقة، وشيء لا أصل له ولا أساس، فليس هناك إلا إله واحد الله -سبحانه وتعالى- يقول لهم: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً) [النساء: 171].

 

وقد تحدث الله -سبحانه وتعالى- عن هذه القضية وعن حقيقة عيسى -عليه السلام- في مواضع كثيرة من القرآن، تحدث عن هذا في سورة آل عمران، وتحدث عن هذا في أواخر سورة النساء، وتحدث عن هذا في سورة المائدة، وتحدث عن هذا كذلك في سورة مريم، وعاتب أهل الكتاب عتابا شديدا على هذه المقالة التي قالوها، بل حكم عليهم بالكفر، قال الله -سبحانه وتعالى- كما في سورة المائدة: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) [المائدة 17]، (وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) [المائدة: 72]، ثم يقول الله -سبحانه وتعالى-: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [المائدة: 73] فحكمهم عند الله -سبحانه وتعالى- أنهم كفار، وهذا بنص القرآن.

 

وبعض المسلمين يتصور أنه مؤمن، ويحكم عليهم بالإيمان، مناقضا لحكم الله -تبارك وتعالى- فيهم، كيف يكون مؤمنا من نسب لله الصاحبة والولد؟ كيف يكون مؤمنا من بدل دين الله وحرف كتابه؟ كيف يكون مؤمنا من جعل لله الشركاء وجعله ثالث ثلاثة؟ كيف يكون مؤمنا من كذب برسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- ولم يتبعه؟

 

والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول كما في صحيح مسلم: "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أهل النار".

 

فكيف يسوغ لمسلم بعد ذلك أن يحكم لهم بالإيمان؟ وكيف يسوغ لمسلم بعد ذلك أيضا أن يشاركهم في مثل هذه الأعياد وفي مثل هذه الاحتفالات الدينية العقدية المبنية على عقيدة باطلة فاسدة؟

 

إن واجبنا -أيها الأحباب- ليس أن نشاركهم في أعيادهم، ليس أن نهنئهم بها، إن واجبنا كمسلمين أن ندعوهم إلى الله، أن نبين لهم الحق الذي جاء من عند الله، أن ندعوهم إلى توحيد الله -عز وجل-، أن نبين لهم بطلان عقائدهم وفسادها، هذا الواجب الذي أمرنا الله -سبحانه وتعالى- به: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) [آل عمران: 104]، ومن أعظم الدعاء إلى الخير: دعاء الأمم الكافرة إلى الإسلام، وبيان الحق لهم.

 

إننا عندما نهنئهم بأعيادهم، إنما نشعرهم ونخدعهم؛ لأننا نشعرهم أننا راضون بعقيدتهم، نشعرهم أن الذي هم عليه حقا لا شك فيه، نشعرهم أن هذا أمر يحبه الله، وهذا خداع لا يرضاه الله -عز وجل-.

 

بل واجبنا كمسلمين أن ندعوهم دعوة صريحة بالحكمة والموعظة الحسنة، ونبين لهم دين الله -عز وجل-: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 64].

 

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يحيينا على الإسلام، ونسأله سبحانه وتعالى أن يميتنا على الإسلام.

 

 

المرفقات

النصارى في المسيح

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات