عقوبة قوم لوط

عبد الرحمن بن صالح الدهش

2013-06-25 - 1434/08/16
عناصر الخطبة
1/بين يدي القصة 2/ملخص قصة قوم لوط 3/عقوبة مرتكب فاحشة اللواط 4/أسباب ارتكاب فاحشة اللواط

اقتباس

إنها قصة أمة قديم عصرها، ولكنَّ الله أبقى ذكرها؛ لسبقها في ذنبها، وعظم جرمها. هذه الأمة عصت ربها، وأتت رجالها شهوة من دون نسائها، وقطعت السبيل، وأتت المنكر في مجالسها، فبعث الله إليهم لوطاً - عليه السلام -، وحذَّرهم مما هم فيه، وتوعدهم عقوبة الله إن لم ....

 

 

 

 

الحمد لله جعل فيما قصَّ على عباده عبرة لأولي الألباب، وحرَّم عليهم أسباب الذنوب والعقاب.

أبان السبيل، وأقام الدليل، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيي عن بينة وإنَّ الله لسريع الحساب.

وأشهد ألا إله إلا الله خلق الخلق وهو رب الأرباب.

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدين والمآب.

 

أمَّا بعد:

 

فمما قصه الله في كتابه، وجعل قصتهم آية للمؤمنين، وفيها آيات للمتوسمين، أي: المتأملين المتفكرين، الذين لم يركنوا إلى الدنيا، ويطمئنوا لها.

 

مما قصه الله قصةُ قرية انتكست فطرة أهلها، فخبثت سرائرهم، وماتت ضمائرهم، وقبحت بواطنهم وظواهرهم.

 

إنها قصة أمة قديم عصرها، ولكنَّ الله أبقى ذكرها؛ لسبقها في ذنبها، وعظم جرمها.

 

هذه الأمة عصت ربها، وأتت رجالها شهوة من دون نسائها، وقطعت السبيل، وأتت المنكر في مجالسها، فبعث الله إليهم لوطاً - عليه السلام -، وحذَّرهم مما هم فيه، وتوعدهم عقوبة الله إن لم يجيبوا دعوته، ويقلعوا عما هم عليه.

 

قال الله عنهم: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ *  أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ) [العنكبوت: 28- 29].

 

فكانوا يقطعون السبيل، أي: يقفون في طريق الناس يقتلونهم، ويأخذون أموالهم، ويأتون في ناديهم المنكر، أي: في مجالسهم لا يتورعون، يعملون ما لا يليق منهم من قول أو فعل، كحال بعض مجالس السفهاء اليوم هي مجالس للغيبة، والشتم، واللعن والأصوات المنكرة، نصبوا فيها الدشوش، واستقبلوا ذلك الفساد العريض يشاهدون ما يسر مقلتهم، باسم متابعة الأخبار، ومعرفة الأحوال، وهو -والله - يقتل غيرتهم، ويمرض قلوبهم، بل قد يميتها.

 

حذَّر لوط قومه عاقبة أمرهم وسوء جرمهم:

(فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) [النمل: 56].

 

وهكذا يفعل من يتجرأ على محارم الله، والرذائل دركات فقوم لوط وصلوا أسفلها، فاخروا بمعصيتهم، واحتقروا من يتنزه عنها، أو يدعوهم إلى تركها.

 

ورحم الله الوليد بن عبد الملك حين قال: لولا أنَّ الله ذكر آل لوطٍ بالقرآن وأنهم يأتون الرجال ما ظننت أنَّ أحداً يفعل ذلك.

 

وبعد أن عتوا عن أمر ربهم وقامت الحجة عليهم عاقبهم الله، بل جمع الله عليهم أنواعاً من العقوباتِ بعد أن نجى الله لوطاً - عليه السلام - وأهله من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوماً فاسقين.

 

نجاه الله وأهله إلا امرأته التي رضيت بفعل قومها، وخانت زوجها بالكفر.

 

عاقبهم الله بالصوت القاصف والصيحة المفزعة الذي خلعت قلوبهم، وأصخَّت آذانهم، قال الله - تعالى -: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ) [الحجر: 73].

 

وقلب ديارهم عليهم، وجعل عاليها سافلها: (فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ) [هود: 82].

 

ورجمهم بحجارة من سجيل: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ) [هود: 83-82] أي: معلمة بعلامة على أصحابها لا تغادر من أرسلت عليه.

 

وخصَّ الذين راودوا لوطاً عن أضيافه وأرادوهم للفاحشة فطمس أعينهم، قال تعالى: (وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ) [القمر: 37].

 

ذكر الله -تعالى- عقوباتهم هذه مجتمعة، فقال: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ) [الحجر: 73-74].

 

وذكرها عز وجل مفرقة فيزداد المؤمن خوفاً وفزعاً من هذا العاقبة، وسيئ النهاية.

 

فانتهى قوم لوط - عليه السلام - بعد أن أمطرهم الله مطر السوء، ولكن بقي ذنبهم، وبقي أشباههم من الكافرين والمنتكسين، فوقع بعض هذه الأمة في الفاحشة النكراء، والجريمة العظمى.

 

كتب خالد بن الوليد إلى أبي بكر الصديق - رضي الله عنهما - أنه قد وجد رجلاً بضواحي العرب ينكح كما تنكح النساء، فاجتمع لذلك الصحابة، ونظروا في هذا الجلل، فاستقر رأيهم أن يحرقوه بالنار.

 

قال شيخ الإسلام: لم يختلف أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم-: أن اللوطي يقتل، ولكن اختلفوا كيف يقتل؟

وعمدتهم في هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" [رواه أبو داود وغيره وصححه ابن القيم].

 

أعاذني الله وإياكم من أسباب المعاصي ما ظهر …

 

 

الخطبة الثانية:

 

"إن الله يبسط يده في الليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده في النهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها"[مسلم برقم 2759].

 

النبي -صلى الله عليه وسلم- يتنبأ بمرض الإيدز: " لم تظهر الفاحشة في قومٍ قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا " [رواه ابن ماجه، والحاكم، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه].

 

إنَّ من أكبر أسباب هذه الجريمة بل الفاحشة أمور يأتي في مقدمتها:

 

أولا: من أسباب ذلك: قلة أو انعدام التوعية من الآباء والمربين، وعدمُ تبصير من تحت أيديهم بعظم التساهل في مقدمات الفاحشة، وأسباب الرذيلة، وتنبيههم لطرق الجرارين، وحبال السيئين.

 

ثانيا: التساهل في رعاية الأبناء وملاحظة خروجهم ودخولهم، فلم يعد الأبُ هو الأب المتفقد لأبنائه، المفتش في زملائهم وأقرانهم.

 

فالاختيار الأول والأخير للزميل المصاحب هو للابن يختار رفيقه بنفسه، وقد لا تربطه بزميله دراسة ولا قرابة ولا جيرة، إنما اختاره خبط عشواء، وقد يكون بينهما من فارق السن ما لا يصح معه أن يزامله، ولا يقبل أن يكون مماشياً له.

 

ثالثا: ومن أسباب ذلك، وهو من التساهل أيضاً: تغاضي الأولياء عمَّا ينكر من تصرفات أبنائه، فمتى كان الثوب الضيق لباساً لأبنائنا، وفلذات أكبادنا، بل متى كان البنطال الضيق والفنيلة الملونة، وربما كان فيها صورة لفاسق من هنا أو هناك متى كانت هذه ألبسة لأبنائنا!.

 

أتدرون متى كانت كذلك؟ لما غفلنا عن أبنائنا أو التمس بعضنا لهم العذر بأنهم شباب مراهقون. نعم هم كذلك ولكن ألا يوجهون، ألا يؤخذ على يد معاندهم.

 

إنَّي لا أظنك أيها الأب تعتذر لابنك بمثل هذه الأعذار لو فرَّط في حقٍّ من حقوقك أو أساء إليك، أو أضاع شيئاً من مالك! فالابن همه إتراف نفسه، والعناية، بل المبالغة في تحسين شكله، وتنميق مظهره فلباسه يبقى الوقت الطويل لإعداده وتهيئته فضلاً عن اختياره وشرائه، ثم هو منشغل بتصفيف شعره، وتحسين قصته ذات اليمين وذات الشمال، ثم تلك العطور الفواحة، والمنعمات للبشرة يعد نفسه لخروجه ومقابلة زملائه كما تُعَدُّ العروسُ ليلةَ عُرْسِها.

 

ولا ريب أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّ الله جميل يحب الجمال".

 

ولكن من وصلت حاله إلى هذا فلم يعد فعله تجملاً شرعياً، ولكنه ترفٌ زائد وميوعة ممقوتة، وربما وصلت إلى تخنثٍ يُنَزِّه العاقلُ نفسَه عنه، أو تشبه بالنساء، وقد لعن النبي -صلى الله عليه وسلم- من تشبه من الرجال بالنساء.

 

رابعا: ومن أسباب ذلك: التساهل في قراءة القصص الرديء، والمجلات السيئة، التي تعرض صور وأخبار الماجنين، وأراذلِ خلقِ الله الفاسقين تحت مسمى أدبٍ، أو فنٍّ، أو رياضة.

 

والمصيبة أعظم في قنوات الرذيلة، تعرض صور المردان، تقضي على الغيرة، وتميت الحياء، والله المستعان على ما يبثون.

 

لعلك بعد هذا أدركت أيها الأب المبارك عظم مسؤولية المحافظة على فلذات الأكباد، وصعوبة ذودهم عن مواطن الخنا والفساد، فاستعن بالله، واطلب التوفيق من رب العالمين، ومن يستعن بالله يعنه الله.

 

 

 

المرفقات

قوم لوط

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات