عدة المطلقة

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2023-01-20 - 1444/06/27 2023-03-01 - 1444/08/09
عناصر الخطبة
1/وجوب العدة على المطلقة 2/حرمة إخراج المطلقة رجعيا من بيت الزوجية 3/الحكمة من عدة المطلقة 4/أحكام عدة المطلقة 5/توجيهات ونصائح.

اقتباس

عَلَى الْمُعْتَدَّةِ أَنْ تَقْضِيَ مُدَّةَ عِدَّتِهَا فِي بَيْتِ الزَّوْجِيَّةِ، وَلَا يَنْبَغِي لَهَا الْخُرُوجُ مِنْهُ أَوِ الِانْتِقَالُ لِغَيْرِهِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ وَعُذْرٍ شَرْعِيٍّ، وَقَدْ خَالَفَ النَّاسُ هَذَا الْأَمْرَ الرَّبَّانِيَّ، فَالشَّائِعُ أَنَّهُ إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ طَرَدَهَا مِنَ الْبَيْتِ، أَوِ انْتَقَلَتْ بِنَفْسِهَا إِلَى بَيْتِ أَهْلِهَا، رَغْمَ أَنَّ خُرُوجَهَا مِنْ بَيْتِ الزَّوْجِيَّةِ مُخَالَفَةٌ شَرْعِيَّةٌ...

الخطبة الأولى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ ألا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النِّسَاءِ: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 70-71]، أَمَّا بَعْدُ:

 

مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّ مِنْ طَبِيعَةِ الْعَلَاقَاتِ الْبَشَرِيَّةِ أَنْ يَشُوبَهَا شَيْءٌ مِنَ الْخِلَافِ، قَدْ يُفْضِي إِلَى حَالَةٍ مِنَ النُّفْرَةِ وَذَهَابِ الْأُلْفَةِ، وَهَكَذَا الْحَيَاةُ الزَّوْجِيَّةُ قَدْ تَعْتَرِيهَا خِلَافَاتٌ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ؛ تُؤَدِّي إِلَى فِرَاقِ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ وَتَطْلِيقِهِ لَهَا، وَمِنْ هُنَا جَعَلَتِ الشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ لِمُدَّةِ مَا بَعْدَ الطَّلَاقِ أَحْكَامًا خَاصَّةً؛ تُصَانُ بِهَا حُقُوقُهَا، وَتَكُونُ مُدَّةً لِمُرَاجَعَةِ الْحِسَابَاتِ، وَالتَّفْكِيرِ فِي الْمَآلَاتِ، وَمَدْخَلًا لِلْمُصْلِحِينَ الْعُقَلَاءِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ؛ كَيْ يَسْعَوْا إِلَى إِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَيَحْفَظُوا كِيَانَ هَذِهِ الْأُسْرَةِ مَا اسْتَطَاعُوا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا، وَتُسَمَّى هَذِهِ الْمُدَّةُ بِعِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ، وَتَتَعَلَّقُ بِهَا بَعْضُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي يَنْبَغِي لِلزَّوْجَيْنِ الِامْتِثَالُ لَهَا.

 

وَالْعِدَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْعَدِّ وَالْإِحْصَاءِ؛ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْعَدَدِ مِنَ الْأَقْرَاءِ أَوِ الْأَشْهُرِ، وَعَرَّفَهَا الْفُقَهَاءُ بِقَوْلِهِمْ: "هِيَ مُدَّةٌ حَدَّدَهَا الشَّارِعُ بَعْدَ الْفُرْقَةِ، يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ الِانْتِظَارُ فِيهَا بِدُونِ زَوَاجٍ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ"(الْفِقْهُ الْإِسْلَامِيُّ وَأَدِلَّتُهُ/ وَهْبَةُ الزُّحَيْلِيُّ)، وَالْمُعْتَدَّةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُعْتَدَّةً مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا، وَإِمَّا مِنْ طَلَاقٍ، وَقَدْ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ عَلَى وُجُوبِهَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ -تَعَالَى-: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)[الْبَقَرَةِ :228].

 

وَعَلَى الْمُعْتَدَّةِ أَنْ تَقْضِيَ مُدَّةَ عِدَّتِهَا فِي بَيْتِ الزَّوْجِيَّةِ، وَلَا يَنْبَغِي لَهَا الْخُرُوجُ مِنْهُ أَوِ الِانْتِقَالُ لِغَيْرِهِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ وَعُذْرٍ شَرْعِيٍّ، وَقَدْ خَالَفَ النَّاسُ هَذَا الْأَمْرَ الرَّبَّانِيَّ، فَالشَّائِعُ أَنَّهُ إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ طَرَدَهَا مِنَ الْبَيْتِ، أَوِ انْتَقَلَتْ بِنَفْسِهَا إِلَى بَيْتِ أَهْلِهَا، رَغْمَ أَنَّ خُرُوجَهَا مِنْ بَيْتِ الزَّوْجِيَّةِ مُخَالَفَةٌ شَرْعِيَّةٌ يَجُرُّ إِلَى مُخَالَفَاتٍ أُخْرَى؛ كَحِرْمَانِ الزَّوْجِ مِنْ رُؤْيَةِ مُطَلَّقَتِهِ وَالِاجْتِمَاعِ بِهَا فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ، أَوِ الْإِصْرَارِ بِعَدَمِ إِعَادَتِهَا إِلَيْهِ، أَوِ امْتِنَاعِ الزَّوْجِ عَنِ النَّفَقَةِ عَلَيْهَا، وَتَفَاقُمِ الْخِلَافَاتِ بَيْنَهُمَا، وَغَيْرِهَا مِنَ الْمُشْكِلَاتِ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْ مُخَالَفَةِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: "وَالْعُرْفُ أَنَّهَا مِنْ حِينِ تُطَلَّقُ تَذْهَبُ إِلَى أَهْلِهَا، فَهَذَا حَرَامٌ وَلَا يَجُوزُ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ -تَعَالَى-: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ)[الطَّلَاقِ:1]"، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: "وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ طَلَاقًا يَمْلِكُ فِيهِ زَوْجُهَا رَجْعَتَهَا أَنَّهَا لَا تَنْتَقِلُ مِنْ بَيْتِهَا".

 

أَيُّهَا الْفُضَلَاءُ: إِنَّ تَشْرِيعَاتِ الْإِسْلَامِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى حِفْظِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ حِكَمِ فَرْضِ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ: أَنْ تَكُونَ فَتْرَةَ مُرَاجَعَةٍ لِلزَّوْجَيْنِ لِإِعَادَةِ النَّظَرِ فِي مَا حَصَلَ بَيْنَهُمَا مِنْ خِلَافٍ؛ لِلَمْلَمَةِ شَتَاتِ الْأُسْرَةِ، وَالسَّعْيِ فِي حَلِّ الْخِلَافَاتِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِطُرُقٍ أُخْرَى غَيْرِ الْفِرَاقِ، فَلَعَلَّ النُّطْقَ بِالطَّلَاقِ كَانَ فِي لَحْظَةِ غَضَبٍ عَابِرَةٍ، وَكَمْ جَنَى الْغَضَبُ عَلَى صَاحِبِهِ!؛ فَمُدَّةُ الْعِدَّةِ فُرْصَةٌ لِلزَّوْجِ كَيْ يُرَاجِعَ زَوْجَتَهُ إِذَا كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا؛ حِرْصًا عَلَى إِبْقَاءِ الرَّابِطَةِ الزَّوْجِيَّةِ.

 

كَمَا أَنَّ بَقَاءَ الزَّوْجَةِ فِي بَيْتِ الزَّوْجِيَّةِ يُعَزِّزُ عَوْدَةَ الزَّوْجِ إِلَى زَوْجَتِهِ، وَيَجْعَلُ الْمُشْكِلَةَ مَحْصُورَةً بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، بَعِيدًا عَنِ الْآخَرِينَ مِنْ أَهْلٍ وَأَصْدِقَاءَ، الَّذِينَ يُفْسِدُونَ وَلَا يُصْلِحُونَ غَالِبًا، وَرُبَّمَا كَانُوا سَبَبًا فِي شِدَّةِ الْخِلَافِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَإِمْضَاءِ الطَّلَاقِ، كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي وَاقِعِنَا وَلِلْأَسَفِ!، وَ"قَدْ قَالَ اللَّهُ -سُبْحَانَهُ- بَعْدَ مَا ذَكَرَ النَّهْيَ عَنْ خُرُوجِهَا وَإِخْرَاجِهَا: (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا)[الطَّلَاقِ:1]؛ وَالْمُرَادُ: الرَّجْعَةُ، رُبَّمَا رَاجَعَهَا وَسَهُلَ عَلَيْهِ أَمْرُ الْمُرَاجَعَةِ؛ لِأَنَّهَا فِي الْبَيْتِ"(ابْنُ بَازٍ).

 

وَمِنْ حُكْمِ الْعِدَّةِ: التَّحَقُّقُ مِنْ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَخُلُوُّ الْمُطَلَّقَةِ مِنَ الْحَمْلِ؛ حِفْظًا لِلْأَنْسَابِ مِنَ الِاخْتِلَاطِ، فَإِذَا ارْتَبَطَتِ الْمَرْأَةُ بِزَوْجٍ آخَرَ بَعْدَ طَلَاقِهَا، كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ التَّيَقُّنِ مِنْ عَدَمِ حَمْلِهَا مِنْ زَوْجِهَا الْأَوَّلِ.

 

وَمِنْ ذَلِكَ: صَوْنُ كَرَامَةِ الْمَرْأَةِ وَالْحِفَاظُ عَلَى سُمْعَتِهَا، فَبِمُكُوثِهَا فِي الْبَيْتِ وَعَدَمِ الْخُرُوجِ مِنْهُ، تَسْلَمُ مِنْ أَلْسِنَةِ النَّاسِ وَكَلَامِهِمْ، فَلَا يَطْمَعُ فِيهَا أَحَدٌ، وَلَا يَتَعَرَّضُ لَهَا مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ بِطَلَاقِهَا مِنْ زَوْجِهَا أَصْبَحَتْ صَيْدًا سَهْلًا لِكُلِّ مُتَرَبِّصٍ وَخَائِنٍ.

 

وَمِنْهَا: بَيَانُ عِظَمِ رَابِطَةِ الزَّوَاجِ، وَرَفْعُ قَدْرِ عَقْدِ النِّكَاحِ، وَإِظْهَارُ شَرَفِهِ، وَبَيَانُ مَكَانَةِ وَحَقِّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ.

 

وَمِنَ الْحِكَمِ: سَدُّ ذَرِيعَةِ رَغْبَةِ الْمَرْأَةِ لِلنِّكَاحِ، أَوْ رَغْبَةِ الرِّجَالِ فِي نِكَاحِهَا، وَذَلِكَ بِتَحْرِيمِ نِكَاحِهَا أَوْ خِطْبَتِهَا فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: فِي الْتِزَامِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ أَعْظَمُ الْمَصَالِحِ لِلْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ، لِذَا كَانَ مِنْ مُمَيِّزَاتِ دِينِنَا الْإِسْلَامِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِمَّا يَحْفَظُ الْحُقُوقَ بَيْنَ النَّاسِ إِلَّا وَشَرَعَ لَهُ أَحْكَامًا تُنَظِّمُهُ، وَمِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ عِدَّةُ الْمَرْأَةِ الْمُطَلَّقَةِ، فَقَدْ بَيَّنَ مَاذَا يَجِبُ عَلَيْهَا حَالَ الْعِدَّةِ، فَمِنْ ذَلِكَ:

مُدَّةُ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ: قَالَ -تَعَالَى-: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)[الْبَقَرَةِ:228]؛ أَيْ: ثَلَاثَ حَيْضَاتٍ، وَمَنْ لَمْ تَحِضْ أَوِ انْقَطَعَ حَيْضُهَا فَتَعْتَدُّ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ؛ لِقَوْلِهِ -تَعَالَى-: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ)[الطَّلَاقِ:4]، وَالْحَامِلُ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِ حَمْلِهَا، وَلَوِ اسْتَغْرَقَتْ عِدَّتُهَا سَاعَاتٍ؛ لِقَوْلِهِ -تَعَالَى-: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)[الطَّلَاقِ:4]، وَالزَّوْجَةُ الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهَا لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا)[الْأَحْزَابِ:49].

 

وَمِنَ الْأَحْكَامِ: تَحْرِيمُ الزَّوَاجِ لِلْمُطَلَّقَةِ فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ -سُبْحَانَهُ-: (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ)[الْبَقَرَةِ:235]؛ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "وَلَا تَعْقِدُوا الْعَقْدَ بِالنِّكَاحِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ"، وَيَحْرُمُ خِطْبَتُهَا فِي الْعِدَّةِ تَصْرِيحًا أَوْ تَعْرِيضًا؛ لِأَنَّهَا مَا تَزَالُ زَوْجَةً بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: "لَا يَجُوزُ التَّعْرِيضُ لِخِطْبَةِ الرَّجْعِيَّةِ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّهَا كَالزَّوْجَةِ".

 

وَمِنْ ذَلِكَ: أَحَقِّيَّةُ الزَّوْجِ فِي إِرْجَاعِ زَوْجَتِهِ فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ مِنَ الطَّلْقَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ دُونَ عَقْدٍ جَدِيدٍ؛ لِقَوْلِهِ -تَعَالَى-: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا)[الْبَقَرَةِ:228]، أَمَّا إِذَا انْتَهَتِ الْعِدَّةُ فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ وَصَارَتْ أَجْنَبِيَّةً عَنْهُ، وَإِذَا كَانَتِ الطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ بَانَتْ مِنْهُ مُبَاشَرَةً بَيْنُونَةً كُبْرَى.

 

وَمِنَ الْأَحْكَامِ: أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا إِحْدَادٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: "أَجْمَعُوا أَنْ لَا إِحْدَادَ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ"، وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: "لَا إِحْدَادَ عَلَى الرَّجْعِيَّةِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ"، وَلِذَا فَيُسْتَحَبُّ تَزَيُّنُهَا بِمَا يَدْعُو الزَّوْجَ لِمُرَاجَعَتِهَا إِنْ كَانَتْ تَرْجُو رَجْعَتَهُ، قَالَ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ: "وَالْأَوْلَى أَنْ تَتَزَيَّنَ بِمَا يَدْعُو الزَّوْجَ إِلَى رَجْعَتِهَا"، قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ بَازٍ: "وَيَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَتَحَسَّنَ لِزَوْجِهَا وَأَنْ تَتَعَرَّضَ لَهُ لَعَلَّهُ يَنْدَمُ، لَعَلَّهُ يُرَاجِعُ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْعِدَّةِ، هَذَا هُوَ الْمَشْرُوعُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَى النَّاسِ تَرْكَ ذَلِكَ وَالْجَهْلَ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّ جَهْلَهُمْ وَعَمَلَهُمْ إِذَا خَالَفَ الشَّرْعَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ... تَكْشِفُ وَجْهَهَا، وَتَلْبَسُ الْمَلَابِسَ الْحَسَنَةَ، وَتُرِيهِ مِنْ نَفْسِهَا مَا يُرَغِّبُهُ؛ كَإِظْهَارِ شَعْرِهَا، وَإِظْهَارِ مَحَاسِنِهَا، مِنْ يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا وَوَجْهِهَا وَشَعْرِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ، طَلَاقُهَا الرَّجْعِيُّ لَا يُحَرِّمُهَا عَلَيْهِ، بَلْ لَا تَزَالُ زَوْجَةً حَتَّى تَخْرُجَ مِنَ الْعِدَّةِ، وَإِظْهَارُ مَحَاسِنِهَا لَهُ وَتَحَسُّنُهَا وَتَطَيُّبُهَا لَهُ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ فِي رُجُوعِهِ إِلَيْهَا".

 

وَمِنَ الْأَحْكَامِ: جَوَازُ خُرُوجِهَا لِقَضَاءِ حَوَائِجِهَا، وَتَسْتَأْذِنُ زَوْجَهَا عِنْدَ الْخُرُوجِ؛ لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ"(رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ)، وَلِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: "طُلِّقَتْ خَالَتِي ثَلَاثًا، فَخَرَجَتْ تَجُذُّ نَخْلَهَا، فَلَقِيَهَا رَجُلٌ، فَنَهَاهَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: "اخْرُجِي فَجُذِّي نَخْلَكِ؛ لَعَلَّكِ أَنْ تَتَصَدَّقِي مِنْهُ، أَوْ تَفْعَلِي خَيْرًا"(رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ).

 

فَعَلَى كُلٍّ مِنَ الزَّوْجِ الْمُطَلِّقِ وَالزَّوْجَةِ الْمُطَلَّقَةِ أَنْ يَلْتَزِمَا حُدُودَ اللَّهِ الَّتِي حَدَّهَا فِي الْعِدَّةِ، وَأَلَّا يَتَجَاوَزَا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ؛ فَفِي ذَلِكَ صَلَاحُهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ -جَلَّ جَلَالُهُ-: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)[الْبَقَرَةِ:228].

 

أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَقَّ حَمْدِهِ، وَصَلَاةً وَسَلَامًا عَلَى خَيْرِ خَلْقِهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُ، أَمَّا بَعْدُ:

 

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ فِي تَطْبِيقِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ صَوْنًا لِحُقُوقِ الْأَفْرَادِ، وَمُحَافَظَةً عَلَى مَصَالِحِ الْعِبَادِ، فَتَشْرِيعَاتُ الْإِسْلَامِ كُلُّهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ وَخَيْرٌ وَنَفْعٌ؛ (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[النِّسَاءِ:13]، أَيْ أَنَّ فِي الْتِزَامِ حُدُودِ اللَّهِ -تَعَالَى- وَعَدَمِ مُقَارَفَتِهَا وَتَجَاوُزِهَا مَرْضَاةً لِلَّهِ -تَعَالَى- الَّذِي فَرَضَ عَلَيْهِمَا هَذِهِ الْأَحْكَامَ؛ إِكْرَامًا لَهُمَا، وَحِفَاظًا عَلَى أُسْرَتِهِمَا، وَصَوْنًا لِحُقُوقِهِمَا، وَعَلَى أَهْلِهِمَا أَنْ يُعِينُوهُمَا عَلَى ذَلِكَ، لَا أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُعَانِدِينَ لِشَرْعِ الرَّحْمَنِ، هَوًى وَجَهْلًا.

 

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ الطَّلَاقَ يَكُونُ حَلًّا لِلْخِلَافَاتِ إِلَّا إِذَا لَمْ يَعُدْ بِالْإِمْكَانِ الْعَيْشُ بَيْنَ الزَّوْجِ وَزَوْجَتِهِ؛ فَلَا يَنْبَغِي التَّسَاهُلُ فِيهِ عِنْدَ أَقَلِّ خِصَامٍ أَوِ اخْتِلَافٍ، فَإِنْ حَصَلَ الطَّلَاقُ وَرَغِبَ الزَّوْجُ فِي رَدِّ زَوْجَتِهِ فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ، فَلَا يَنْبَغِي لِلزَّوْجَةِ أَنْ تَرْفُضَ الرُّجُوعَ إِلَيْهِ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَهْلِهَا أَنْ يَفْرِضُوا شُرُوطًا لِعَوْدَتِهَا، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونُوا عَوْنًا لِلزَّوْجَيْنِ فِي حَيَاتِهِمُ الزَّوْجِيَّةِ وَاسْتِقْرَارِ أُسْرَتِهِمْ؛ (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا)[الْبَقَرَةِ:228].

 

وَعَلَى الزَّوْجَةِ أَنْ تَتَّقِيَ اللَّهَ -تَعَالَى- فِي حُقُوقِ زَوْجِهَا، وَأَنْ تَقُومَ بِمَا يُرْضِي اللَّهَ عَنْهَا مِمَّا افْتَرَضَهُ عَلَيْهَا لِزَوْجِهَا، وَلَهَا أَيْضًا مِثْلُ الَّذِي لَهُ؛ فَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُعَاشِرَهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنْ يَقُومَ بِحَقِّهَا الَّذِي أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ؛ (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)[الْبَقَرَةِ:228]، عَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ فِي خُطْبَتِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ"(صَحِيحُ مُسْلِمٍ).

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ، وَهُوَ بِكُمْ رَحِيمٌ، فَالْتَزِمُوا شَرْعَهُ، وَقِفُوا عِنْدَ حُدُودِهِ، وَلَا تَحْمِلَنَّكُمُ الْأَهْوَاءُ وَالْعَادَاتُ، وَلَا يَجُرَّنَّكُمُ الْغَضَبُ وَالْحَمِيَّةُ أَوْ تَتَجَاوَزُوا حُدُودَهُ، فَفِي اتِّبَاعِ أَوَامِرِهِ الْخَيْرُ وَالصَّلَاحُ، وَفِي تَرْكِهِ الْكَدَرُ وَالشَّقَاءُ.

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ؛ فَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ:56].

المرفقات

عدة المطلقة.doc

عدة المطلقة.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات