عداوة الشيطان (1)

د. منصور الصقعوب

2022-10-09 - 1444/03/13
عناصر الخطبة
1/ أثر معرفة حقيقة العدو في سهولة الانتصار عليه 2/ قدم عداوة الشيطان للإنسان 3/ حرص الشيطان على إغواء الإنسان ومراتب ذلك 4/ مداخل الشيطان وأبوابه لإغواء الإنسان وكيفية التحرز من ذلك

اقتباس

حديث اليوم -يا كرام- هو عن العدو الأول, والخصم اللدود, والذي أعلن العداء لنا, وما زال يخدع كثيراً منا, ويقسم أنه سيهلكنا، ونحن أو كثير منا في غفلة عما يراد بنا, أعلن العداء من يوم أن خلق الله أبانا آدم, وبدأ العداء من تلك الأثناء؛ إنه...

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

 

أما بعد:

 

إن أعظم ما يعين على الانتصار على العدو: أن تعرف وضعه وطرائقه وحقيقته، كي تستطيع الانتصار عليه, وحديث اليوم هو عدوٍ متمرس, وخصم له باع كبير في الخداع والحرب, له تجارب واسعة مع خصومه خرج من كثير منها منتصراً, ليس لقوته بل لضعف خصومه, لكنه إذا ما قابل القوي المتأهب, فهو ضعيف مخذول.

 

حديث اليوم -يا كرام- هو عن العدو الأول, والخصم اللدود, والذي أعلن العداء لنا, وما زال يخدع كثيراً منا, ويقسم أنه سيهلكنا ونحن أو كثير منا في غفلة عما يراد بنا, أعلن العداء من يوم أن خلق الله أبانا آدم, وبدأ العداء من تلك الأثناء؛ إنه الشيطان, ومهما قيل في كيده ومكره، فالحقيقه الربانية التي لا تتخلف أن كيد الشيطان كان ضعيفًا.

 

ولا يقرأ أحدٌ كتاب الله, إلا ويطالعه خبرُ الأبوين مع إبليس، وتكررت في مواضع من القرآن, وكعادة القصص القراني, فلا يتكرر في موضع إلا وفيه فائدة زائدة عن الموضع الآخر, وإن اتفقا في أصل أحداث القصة.

 

خلق الله آدم وأمر الملائكة أن يسجدوا له؛ ولأنهم خلقٌ لا يعصون الله ما أمرهم, أذعنوا لربهم، وخرّوا ساجدين لآدم.

 

وأما إبليس فكان معهم، لكنه كان من الجن، فأخذته الحميه والكبر، ونظر وتفكر، فقال: أنا خير منه كيف أسجد له؟ وما الفارق بينكما، خلقتني من نار، وخلقته من طين، فهل تصورت شناعة الذنب، وعظم الجرم؟

 

الله -سبحانه- يقول له: اسجد, وهو يأبى ويتكبر ويخالف أمر الله، والذي أكرمه، وهنا حلّ عليه سخط الله: (فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) [الأعراف: 13].

 

ولما استيقن الإبعاد، طلب من ربه البقاء ليوم المعاد، ليجمع من يملؤون النار معه من العباد، فقال الله: (فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) [ص: 80- 81].

 

هنا جاء القسم من العدو إذ قال كما حكى الله في القرآن: (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [ص: 82- 83].

 

(فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ) [الأعراف: 16- 17].

 

ويأتي الجواب من رب الأرباب: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) [ص: 85]

 

ومنذ تلك اللحظات, بدأت رحلة العداء والإغواء بين آدم وبنيه، والشيطان وحزبه.

 

ويشاء الله أن يكون أول هدفٍ لإبليس، آدم وزوجته، حين أباح الله لهما كل ما في الجنة، إلا شجرةً واحدةً منعهما منها ومن قربها، فأتى الشيطان وسول لهما: (وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) [الأعراف: 20- 21].

 

ولحكمةٍ يعلمها الله، صدّقه الأبوان، ونسيا سابق تكبره عليهما وإعلانَ العداء لهما، فأكلا من تلك الشجرة، وكانت سببا؛ لأًن يخرجا من الجنة ويهبطا إلى الأرض.

 

وبغض النظر عن خلاف العلماء هل الجنة التي كان فيها آدم هي جنة الخلد أو غيرها، فإن الذي لا بد أن نعيه: أن آدم -عليه السلام- أُهبِط إلى الأرض، بسبب إغواء الشيطان له، وإذا كان قد ظفر من آدم بقدره الله، فلن ييأس أن يظفر من بني آدم، ويتوب الله على من تاب.

 

فالشيطان يأتي الإنسان في كل أحواله، فإن وجده محترزاً لم يقدر علي، وإلا نال منه, فهو يوسوس في الصدور ويجري مجرى الدم، وإذا نام العبد أتاه الشيطان في أذنيه, وبات على خياشيمه، وإذا أراد الصلاة عرض له ليشغله, ويخطر بينه وبين صلاته، في الحديث: "حتى إذا قضي التثويب...".

 

وإذا أكل أتى ليشركه في أكله، وليدخل معه بيته إلا إن ذكر العبد ربه فمنعه وطرده.

 

وفي الحديث: "إذا دخل الرجل بيته وذكر الله عند دخوله، وعند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا لم يذكر الله عند دخوله، قال: أدركتم المبيت، وإذا يذكر عند طعامه، قال: أدركتم العشاء".

 

والشيطان في طريق الإغواء, يروم أكبر المكاسب، وعبر بوابة الكفر والشرك  البداية، فإن ظفر من ابن آدم بالكفر، وضع سلاحه واستراح, وكم تساقط من أقوام مع الشيطان في هذا الدرب، فإن يئس من بلوغ الكفر لم يألُ جهداً أن يوقع العبد في البدعه، وضررها أشدُ من المعاصي والذنوب، فإن عجز عن العبد أتى إليه عبر باب الكبائر, فإن خاب تنازل الشيطان ورضي بالصغائر, ومحقرات الذنوب، ولا يزال يسهّل عليه أمر الصغائر حتى يستهين بها ويقارفها، فإن عجز عن ذلك أشغله بالمباحات عن الطاعات، فذهب العمر وراء الفضول والمباحات، وأشغل العبد عن الأعمال الصالحات، وإن عجز عن كل ذلك كفاه، أن يُشغِل العبد بالمفضول من العبادات عما هو أفضل منه من الأعمال, ولئن كان أصحاب هذه المرحلة هم ممن اشتغل بالخير، إلا أنه فرق بين عبدٍ ينشغل بعبادة فاضلةٍ عظيمة الثواب, وعبادة دونها في الأجر والثواب [المراتب مأخوذة من بدائع الفوائد 899/2)].

 

عباد الله: الشيطان لا يألوا جهداً في الصد عن طاعة الله، بذا صحت الأحاديث عن المصطفى -عليه السلام-, إذا قعد العبد بعد صلاته يذكر الله، أذكره الشيطان حاجته فيقوم قبل أن يقول، وإذا أراد الذكر قبل نومه، أنامه قبل أن يقول، وإذا أراد الخروج للجهاد، عرض له في طريقه، وقال: تجاهد فإنما هو جهد النفس والمال، وإذا أراد النفقة خوفه الفقر، وإذا أراد التعبد لله سعى ليشغله عنها وإلا أتاه من باب الرياء ليرائي بعمله.

 

يضع عرشه على الماء، ويبث سراياه وجنوده إلى الناس وينتظر قدومهم، مؤيداً ومشجعاً، فإذا ما جاء ذاك الذي يقول: "ما زلتُ به حتى أفسدت بينه وبين زوجه، قال الشيطان: نِعم أنت، ويلتزمه ويقبّله".

 

وتروي كتب السير: أن زعماء قريش حين اجتمعوا ليتخذوا قرارا بشأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حضر معهم الشيطان على هيئة شيخ نجدي ونقد الآراء, وأقر رأي أبي جهل بقتل رسول الله, ولما ضعف بعض الكفار وكادوا يرجعوا يوم بدر, أتاهم الشيطان، في صورة آدمي قيل إنه سراقة بن مالك، وما زال بهم يطمئنهم عمن ورائهم, وفي ذلك يقول الله: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الأنفال: 48].

 

وإذا كانت هذه حسرة في الدنيا، فما أعظمها من حسرة، حسرةُ من أغواهم الشيطان، فضلوا عن الطريق المستقيم، يوم أن يعاينوا العذابَ، وغضبَ رب الأرباب، وتبرؤ الشيطان منهم فتجتمع عليهم الحسرات: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [إبراهيم: 22].

 

فهل نعي الأمر -أيها الفضلاء-, ونحذرُ من أذى من أعلن لنا العداوة, وسيتبرأ ممن أطاعه في الآخرة، ونعلنُ الحرب على الشيطان في ميدان الدنيا، لنفوز بالجنة.

 

ألا فطوبى لمن عادى عدوه, وعصى شيطانه, وخالف مراد هواه.

 

اللهم اجعلنا منهم بتوفيقك.

 

اللهم صل على محمد...

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده...

 

أما بعد:

 

عباد الله: وثمة أربعة أبواب لا يزال الشيطان يسعى للدخول على العبد من طريقها، ومن حفظ هذه الأبواب الأربعة أحرز دينه، ولن يقدر الشيطان على الإغواء إلا من خلالها, هي: اللحظات, واللفظات, والخطرات, والخطوات.

 

اللحظات -وهي النظرات-: وكم من عبدٍ أرداه بصره, وأورده العطب وموارد الهلاك، زيّن له الشيطان، النظر المحرم، حتى لو ملك نساء الدنيا وبقيت واحدة لأوهمه الشيطان أن عندها ما ليس عند بقية نساءه, والنظر سهم من سهام ابليس, يطلق العبدُ بصرَه فيما حرم الله، وما درى أنه يجرح قلبه، فيورثه ذلك الحسراتِ, ولربما سعى لتحقيق ما وراء النظر، فكان عطبُه, ودخول الشيطان عليه من طريق النظر، قال ابن المسيب -رحمه الله: "ما أيس الشيطانُ من أحد إلا أتاه من قبل النساء".

 

فما أحراك -يا موفق- إلى أن تغلق هذا الباب في وجه الشيطان.

 

وأما الخطرات، نشأتها أصعب، ولا بد للعبد من خواطر تطرأ على باله، وللشيطان فيها مدخل, فيزين معصيه, ويشغل عن طاعه، ويدخل شبهات, ويسهل شهوات، ولربما ظل المرء واجما ساكتاً, والشيطان يعبث في خاطره، وفي الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعا: "لا يزال الشيطان بالعبد يقول له، من خلق كذا... حتى يقول له: من خلق الله، فإذا بلغ فليستعذ بالله ولينته".

 

وهذا شأنه في الوساوس تبدأ صغيرة حتى تستفحل، وكم من عبد ما زال به الشيطان في الوسواس والخواطر، حتى أوصله لحالٍ لا ترضي العقلاء؟

 

وإذا أشغلت نفسك بالتفكير بما ينفعك في دينك ودنياك، وفي التفكر في عظمة ربك وآياته والآئه وعطائه ونعمائه، وفي عيوب نفسك، وفي نهايتك، وما قدمت لآخرتك، أشغلك ذلك عما يضر وأحكمت الباب في وجه الشيطان.

 

وأما اللفظات، فلطا لما تساقط أقوام لأجلها في العصيان، ينطق العبد ويلقي الكلمات, وربما كان فيها عطبُه وخساره وهل  يكبُ الناسَ في النار على وجههم إلا حصائد ألسنتهم؟ "وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت يهوي بها في النار سبعين خريفاً".

 

وفي لفظ: "يكتب الله له بها سخطه إلى أن يلقاه".

 

قال ابن القيم -رحمه الله-: "وفي اللسان آفتان عظيمتان إن خلص من إحداهما لم يخلص من الأخرى، آفة الكلام وآفة السكوت, فالساكت عن الحق شيطان أخرس, عاصٍ لله مراءٍ مداهن إذا لم يخف على نفسه, والمتكلم بالباطل شيطان ناطق، عاصٍ لله، وإن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال, فيجد لسانه هدمها عليه كلها..." [الداء والدواء: 281].

 

فهلا أغلقنا باب اللفظات في وجه الشيطان, وحاسبنا أنفسنا على ما يصدر من اللسان, ووضعنا نصب العين قول الواحد الديان: (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق: 18]، فأعددنا لكلماتنا جوابا يكون عند الله صوابا؟

 

ولنكن كما قال ابن دقيق العيد عن نفسه وقد قضى على رجل فاتهمه بالجور: "يا هذا والله ما تكلمت بكلمة منذ خمسين سنه إلا وأعددت لها جوابا بين يدي الله..".

 

فهما آفتان, النطق بالباطل, والسكوت عن الحق, والسالم منهما على طريق الجنة, فمن يضمن ما بين لحييه وما بين فرجيه ضمن النبي له الجنة.

 

وأما الخطوات، فلا تحركْها إلا في مرضاة رب البريات، وفي عمل ترجو أجره أو مباح تأمن فيه من مقارفة السيئات، قال ابن القيم -رحمه الله-: "ولهذا قيل: من حفظ هذه الأربعة أحرز دينه: اللحظات, والخطرات, واللفظات, والخطوات, فينبغي للعبد أن يكون بواب نفسه على هذه الأبواب الأربعة يلازم الرباط على ثغورها فمنها يدخل عليه العدو فيجوس خلال الديار" [الداء والدواء: 266].

 

عباد الله: والمرء ما دام ذا نفس يتردد فهو يخشى من إغواء الشيطان، والعبد لا بد أن يظل على حذرٍ من مداخله، وأن يخشى سوء الخاتمة، وقد قيل في أخبار الإمام أحمد أنه سمع يقول: "لا بعد، لا بعد، فلما أفاق قيل ما هذا، قال: رأيت الشيطان عاضاً شفته ويقول: فُتَّني يا أحمد، فقلت له لا بعد، أي ما دام في الدنيا فلا يأمن المرء على نفسه".

 

ويبقى القول: إن للشيطان مداخل على العامة, وطلبة العلم, والتجار، وغيرهم، وله أسلحة, فكيف نتعرف عليها؟ وكيف نقي أنفسنا ونتحرز من كيده وإغوائه؟

 

وهذا ما سيدور الحديث عنه في الخطبه القادمة -إن يسر الله-.

 

اللهم اعصمنا من كيد الشيطان...

 

 

 

المرفقات

الشيطان (1)

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات