عداوة الشيطان لبني الإنسان

بندر بليلة

2021-01-08 - 1442/05/24
التصنيفات: التربية
عناصر الخطبة
1/سرعة استجابة الملائكة لأوامر الله تعالى 2/استكبار إبليس ورفعه لواء العداوة لبني الإنسان 3/بعض خفايا كيد الشيطان ومكره ببني آدم 4/من أسرار الله وحِكَمه في خلق الشيطان 5/بعض الوسائل للخلاص من كيد إبليس

اقتباس

ومن عَجيبِ كيدِه ومكرِه: تحسينُ القبيحِ، وتقبيحُ الحَسَنِ، فيزيِّنُ للإنسانِ فعلَ المعصية ويُزخرفُها في عينيه، حتَّى يراها سَلْوةً لروحه وإطلاقًا لبَدنِه، ويقبِّح عندَه فعلَ الطَّاعات ويثقِّلُها عليه، حتَّى يراها عذابًا لروحه ولِجامًا لبدنِه...

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيِّئات أعمالنا، مَنْ يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومَنْ يُضلِلْ فلا هاديَ له، أحمدك اللهم ربي على نعم يؤذن الحمد بازديادها، وأصلي وأسلم على هادي الأمة إلى رشادها، وعلى آله وصحبه، ما قامت السطور والطروس، بعيون الألفاظ مقام بياضها وسوادها.

 

أما بعدُ: فاتقوا الله -أيها المسلمون-، واعمَلوا ليومٍ شديدٍ حرُّه، عظيمٍ أمرُه، فيه تُبلى السرائرُ، ويظهر مكنونُ الضمائر، فصائرٌ إلى الجنة، وصائرٌ إلى جهنم، ما له من قوة ولا ناصر.

 

أيها المسلمون: لَمَّا اقتضتْ حِكمةُ أحكمِ الحاكمينَ أَنْ يجعلَ في هذه الأرض خليفةً، كَبُرَ ذلك على ملائكتِه الكرام، لكنَّهم سُرعانَ ما استجابوا لأمر ربِّهم مُطيعينَ مُسلِّمينَ؛ فسَجَدوا كلُّهم أجمعونَ لآدمَ -عليه السلام-، وأظهَرَ إبليسُ مخبوءَ الحسدِ والكِبْر، فأبى السُّجودَ لهذا المخلوق الطِّينيِّ، (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا)[الْإِسْرَاءِ: 61]، وادعى لنفسه الخيرية والأفضلية، (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ)[الْأَعْرَافِ: 12]، ومنذ ذلك الحينِ نَصَبَ عدوُّ اللهِ لِبَنِي آدمَ عَداوةَ الأبدِ، ورفع لواءَ الغَواية والفِتنةِ، وأخَذ على نفسه العَهدَ أن يتربَّص بهم ويكيدَ لهم، (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ)[الْأَعْرَافِ: 16-17].

 

ها هو -عبادَ اللهِ- قد جعَل من الآدميِّ عدُوًّا له في كلِّ حالٍ، منذ الولادة حتى الموت، لا يدعُ مجالًا لإيذائه وإغوائه إلا رَكِبَهُ، يتلوَّن له في شتَّى الحِيَل، ويمكرُ به في فنون من التَّلبيس، في دأَبٍ لا ينقطع، وعزمٍ لا يخمُد، وطَمَعٍ لا يخبو، فأوَّلُ ما يُحاوله من الأذى والكيد، حينَ ولادة الإنسان وخروجه من بطن أمِّه يستقبل الدنيا؛ أنْ يطعَنَ في جَنبَيْه بإصبعه؛ فيستهلُّ صارخًا من ذلكَ؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ما من بني آدمَ مولودٌ إلا يمَسُّه الشَّيطانُ حينَ يولَد؛ فيَستَهِلُّ صارخًا من مَسِّ الشَّيطانِ غيرَ مريمَ وابنِها"، قال أبو هريرة: "اقرؤوا إن شئتم: (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)[آلِ عِمْرَانَ: 36]"(أخرجه الشيخان).

 

ومِنْ خفيِّ كيدِه ومكره: ما يُلقيه إليه من الوَساوسِ المخوِّفة المقنِّطة، وما يبثُّه في رَوعِه من الخواطرِ المُزعجة المقلِقة، في اليقظة والمنامِ؛ كما قال تعالى: (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)[الْمُجَادَلَةِ: 10]، وعن أبي قتادة -رضي الله عنه- قال: "قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلما يخافه فليبصق عن يساره، وليتعوذ بالله من شرها؛ فإنها لا تضره"(أخرجه الشيخان).

 

وإذا أرادَ الإنسانُ أنْ يُصلِّيَ؛ أفرَطَ الشَّيطانُ عليه بكيدِه وأذاه؛ وذلك أنَّ الصَّلاةَ شعارُ المؤمنِ، وعنوانُ صلاحِه وفَلاحِه، وأشرَفُ ما فيها السُّجودُ، الذي هو غايةُ الذُّلِّ لله تبارَك وتعالى-، ذلك الذُّلُّ الذي أباهُ إبليسُ في أوَّل أمره، فأرغَمَه اللهُ وكتَب عليه الصَّغارَ والحسرةَ، وجعَل سجودَ ابنِ آدمَ لربِّه وحظوته عنده مثارًا لندمه على سالف استكباره، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إذا قرأ ابنُ آدمَ السجدةَ فسَجَد، اعتزل الشيطانُ يبكي، يقول: يا ويلي، أُمِرَ ابنُ آدمَ بالسجود فسَجَدَ فله الجنةُ، وأُمِرتُ بالسجود فأبيتُ فلي النارُ"(أخرجه مسلم)؛ لهذا كان له مع الصَّلاة شأنٌ عجيبٌ؛ فإنَّه يحاوِلُ ابتداءً صدَّ الإنسانِ عن فعلها؛ بتثقيلها عليه وصَرْفِه عنها بصوارفِ اللَّهوِ والمعصيةِ، كما قال سبحانه: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)[الْمَائِدَةِ: 91]، ومن مكايِده فيها أيضًا: أنْ يثبِّطَ عزمَ المؤمنِ عن المبادَرة إليها، ويزيِّنَ له التَّراخيَ عنها وتأخيرَها، ويمنِّيَه بانفساحِ الوقتِ واتِّساعِ المُهْلةِ؛ خِداعًا وتلبيسًا، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب كل عقدة: عليكَ ليلٌ طويلٌ فَارْقُدْ، فإن استيقظ فذَكَر اللهَ انحلَّتْ عقدةٌ، فإن توضَّأَ انحلَّتْ عقدةٌ، فإن صلَّى انحلَّتْ عقدةٌ، فأصبح نشيطًا طيِّبَ النفسِ، وإلَّا أصبَح خبيثَ النفسِ كسلانَ".

 

ومن مكايده ومكايد جنوده التي تحفُّ هذه العبادةَ إيقاعُ الوساوِس فيها، وتلبيسُ أمرِها على مُصلِّيها؛ لكي يَسلُبَ منه الخشوعَ الذي هو روحُها ولُبُّها وأعزُّ ما فيها، فعن أبي العلاء أن عثمان بن أبي العاص -رضي الله عنه- أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي، يُلبِّسُها عليَّ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ذاك شيطان يقال له: خنزب، فإذا أحسسته فتعوَّذ بالله منه، وَاتْفُلْ عن يسارِكَ ثلاثًا، قال: ففعلتُ ذلك فأذهَبَه اللهُ عني"(أخرجه مسلم).

 

أيها المسلمون: وللشَّيطانِ سعيٌ دؤوبٌ في إثارة النِّزاعات وإذكاءِ نار العَدَاوات بين الأحبَّة، خاصَّةً الزَّوجينِ؛ لأنَّ في الأُلفةِ ووفور المودَّة مرضاةَ الربِّ، وصلاحَ الشَّأنِ، ولأنَّ صلاحَ حال الزَّوجين على طاعة الله مُؤْذِنٌ بسعادة الأسرة وهناءة عيشها، عن جابر -رضي الله عنه- قال: "قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلةً أعظمُهم فتنةً، يجيء أحدُهُم فيقول: فعلتُ كذا وكذا، فيقول: ما صنعتَ شيئًا، ثم يجيء أحدُهم فيقول: ما تركتُه حتى فرَّقتُ بينَه وبينَ امرأته، قال: فيُدنيه منه ويقول: نعم، أنتَ، فيلتزمه؛ أي: يعانقه"(أخرجه مسلم).

 

ومن خبيثِ كيده: أنَّه إذا عجَز عن الإفسادِ الأعظمِ، لم ييأسْ ممَّا دُونَه، بل هو ماضٍ فيه، حريصٌ عليه؛ فإذا عجَز عن إيقاع أهلِ الإيمانِ في الشِّرْكِ الذي هو أعظمُ مَفسَدةٍ، حرص على أن يحرِّشَ بينهم بالعداوة والبغضاءِ التي هي الحالقةِ للدِّين، فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: "سمعتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن الشيطان قد أَيِسَ أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكِنْ في التحريش بينَهم"(أخرجه مسلم).

 

ومن عَجيبِ كيدِه ومكرِه: تحسينُ القبيحِ، وتقبيحُ الحَسَنِ، فيزيِّنُ للإنسانِ فعلَ المعصية ويُزخرفُها في عينيه، حتَّى يراها سَلْوةً لروحه وإطلاقًا لبَدنِه، ويقبِّح عندَه فعلَ الطَّاعات ويثقِّلُها عليه، حتَّى يراها عذابًا لروحه ولِجامًا لبدنِه، فيُريَه العِزَّة والجَسارةَ في العصيان، ويريه الذُّلَّ والهوانَ في الطَّاعة، تلبيسًا وخداعًا، قال اللهُ: (تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)[النَّحْلِ: 63]، وقال سبحانه حاكيًا مكرَه: (وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا)[النِّسَاءِ: 118-120]، ومن هنا؛ فقد زيَّنَ عدوُّ الله لكثيرٍ من بني آدم محبَّةَ التَّعرِّي والكشف عن السَّوءاتِ وما يُستقبَح من العورات؛ لإيقاع الفتنة، وإيقادِ نار الشَّهوة، وسَلْبِ نورِ الإيمانِ، وهَتْك جَمالِ السِّتر، وتغيير فطرةِ اللهِ وشَرْعِه وأَمْرِه، وهو كيدٌ قديمٌ كاد به الأبوينِ حتَّى نزَع عنهما لِباسَهما، قال الله -عز وجل-: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ)[الْأَعْرَافِ: 26-27].

 

وبعد: فأَصْغِ -أيها المؤمنُ- إلى عظة الرب الكريم، في كتابه العظيم، إذ يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)[فَاطِرٍ: 5-6]، نفعني الله وإياكم بهدي الكتاب، وبسنة النبي الأوَّاب، أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم فاستغفِرُوه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الذي نزَّل الكتابَ وهو يتولَّى الصالحينَ، أحمده -سبحانه- يعصِم المتوكلينَ من اجتيال الشياطين، وأُصلِّي وأسلِّم على مَنْ بدَّد اللهُ به ظلماتِ الكفرِ، وعلى آله وصحبه أولي النهى والصبر.

 

أما بعدُ: فاعلموا -أيها المؤمنون- أنَّ الشيطانَ -وإن كان مادَّةً للفساد- فإنَّ لله في خلقه أسرارًا بديعةً، وحِكَمًا عجيبةً، فمنها ما ذكره الإمام ابن القيم -رحمه الله- بقوله: "حصول العبوديَّة المتنوعة لولا خلقُ إبليسَ لم تحصُل؛ كعبوديَّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعبودية مخالَفة الهوى، وعبودية الصبر، وإيثار محابِّ الربِّ على محابِّ النفس، ومنها حصول عبوديَّة التوبة، والرجوع إليه واستغفاره؛ فإنه -سبحانه- يحب التوابين ويحب توبتَهم، ولولا ذلك لعُطِّلت الأسبابُ التي يُتاب منها، ولتعطَّلت عبوديةُ التوبةِ والاستغفارِ، ومنها حصول عبودية مخالَفة عدوِّ الله، ومراغَمته في الله، وإغاظته فيه، وهي من أحبِّ أنواع العبودية إليه -سبحانه-؛ فإنه -سبحانه- يحب من وليِّه أن يغيظ عدوَّه ويُراغمه، وهذه عبودية لا يتفطن لها إلا الأكياسُ، ومنها حصولُ عبوديَّة الاستعاذة به -سبحانه- من عدوِّه، وسؤاله أن يجيره منه، ويعصمه من كيده وأذاه، ومنها ترك الإخلاد إلى غرور الأمل؛ فإن عبيده -سبحانه- يشتدُّ خوفُهم وحذرُهم إذا رأوا ما حلَّ بعدوِّه بمخالَفته، وسقوطه من المرتبة الْمَلَكيَّة إلى المرتبة الشيطانيَّة، ومنها: أنَّ الطبيعة البشريَّة مشتملةٌ على الخير والشَّرِّ، فخُلِقَ الشيطانُ مستخرِجًا لِمَا في طبائع أهل الشر من القوة إلى الفعل، وأُرسلت الرسلُ مستخرِجةً لِمَا في طبيعة أهل الخير من القوة إلى الفعل؛ لِيُرَتِّبَ اللهُ على كلٍّ منهما آثارَه، وتظهر حكمتُه في الفريقينِ، ويظهرَ ما كان معلومًا له مطابقًا لعلمه السابق" إلى آخِر كلامه -رحمه الله-.

 

أيها المؤمنون: لا سبيلَ إلى الخَلاصِ من الكَيد الشَّيطانيِّ والمكرِ الإبليسيِّ إلا بجملة من الأمور؛ منها: الاستعاذةُ بالله من شرِّه؛ فإنَّ مَنِ استعاذَ بالله أعاذَه، قال سبحانه: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)[الْأَعْرَافِ: 200]، والتوكُّلُ على اللهِ في دَفْعِ كيدِه؛ فإنَّ أهلَ التوكُّل في أمانٍ من مكره، قال جلَّ وعلا: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ)[النَّحْلِ: 99-100]، ومداومةُ الذِّكر المشروعِ مطلقًا ومقيَّدًا؛ فإنَّ كيدَه ضعيفٌ، مردودٌ إلى الوسوسة، وإنَّ الوسوسة لتُفَلُّ بذِكْر الله -تعالى-؛ لأنَّ الذَّاكرَ محفوفٌ بمعيَّةِ اللهِ، وإذا ذُكِرَ اللهُ خنَس الشيطانُ وصغُر وذَلَّ، ولذلك سُمِّي: الوَسواسَ الخنَّاس.

 

وكذلك الحذر من اتباع الشهوات؛ فإنَّ الشيطان موكَّلٌ بتزيينها وتسويلها، فإذا حاذَرَها المرءُ سَلِمَ من كيدِه وشرِّه، وإذا واقَعَها فَليُسْرِعْ إلى محو آثارها بالاستغفار والتوبة، وتجديد الطَّاعة؛ فإنَّ ذلك يغيظ عدو الله ويُرغِمه ويدفع شرَّه.

 

هذا وصلُّوا وسلِّموا على خير خَلقِه، المصطفى لوحيه، المنتَخَب لرسالته، المرفوع ذِكْرُه مع ذِكْره في الأُولى، والشافع الْمُشَفَّع في الأخرى؛ (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56]، اللهم صلِّ وسلِّم على أكرم رسلك، وخاتم أنبيائك، وارضَ عن خلفائه الأربعة الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الآل والأصحاب، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المآب، وعنا معهم بفضلك وكرمك يا عزيز يا وهاب.

 

اللهم أعزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، اللهم أعزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، وأذلَّ الشركَ والمشركينَ، ودمِّر أعداءَ الدينِ، واجعل هذا البلدَ آمنًا مطمئنًّا وسائرَ بلاد المسلمينَ، اللهم ما سألناكَ من خير فأَعْطِنا، وما لم نسألكَ فَابْتَدِئْنا، وما قَصُرَتْ عنه آمالُنا وأعمالُنا من خيرَيِ الدنيا والآخرةِ فبَلِّغْنا، اللهم إنَّا نسألكَ الهدى والتُّقى والعفافَ والغنى، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِحْ أئمتَنا وولاةَ أُمُورنا، وأيِّد بالحقِّ والتوفيقِ والتسديدِ إمامَنا ووليَّ أَمرِنا، اللهم وفِّقْه ووليَّ عهدِه لما تُحِبُّ وترضى، وخُذْ بناصيتهما للبر والتقوى، يا ربَّ العالمينَ، اللهم بفضلك عُمَّنا، وبلطفك حُفَّنا، وعلى الإسلام والسنة والجماعة جمعًا توفَّنا، توفَّنا مسلمينَ، وألحِقْنا بالصالحينَ، غيرَ خزايا ولا مفتونينَ، ولا مبدِّلِينَ ولا مُغَيِّرينَ يا ربَّ العالمينَ.

 

اللهم أصلح أحوال المسلمينَ في كل مكان، اللهم رُدَّهم إليكَ ردًّا جميلًا عزيزًا يا أرحمَ الراحمينَ يا ربَّ العالمينَ، اللهم انصر جنودنا المرابطين على حدود بلادنا، كن لهم مُعينًا وظهيرًا، ومؤِّيدًا ونصيرًا، اللهم إنَّا نعوذ بكَ من همزات الشياطين، وأن يحضرونا، نعوذ بك من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونَفْثِه، اللهم صُدَّ عنَّا كيدَه، وادفع عنا مكرَه، واجعلنا منه في مأمنٍ يا ربَّ العالمينَ، اللهم اغفر لنا ولوالدينا، ولمن له حقٌّ علينا، ولمن أوصانا بدعاء الخير، عُمَّ الجميع بالرحمة والرضوان، وعَامِلْنا وإيَّاهم باللطف والإحسان، واجعل عاقبةَ أمرنا يا مولانا عندكَ العفوَ والصفحَ والغفرانَ، والعتقَ من النيران، (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ)[الصَّافَّاتِ: 180-181]، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.

 

 

المرفقات

LLGrUqZjgDME51o7WbHkg4kOpSK4sybB5TxMiHIq.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات