عاقبة الخذلان

خالد بن عبدالله الشايع

2017-01-01 - 1438/04/03
عناصر الخطبة
1/ قدم أواصر القرابة بين البشرية 2/ نكبة المسلمين في حلب وخذلان الدول والشعوب لهم 3/ التحذير من خذلان المسلمين ووجوب نصرتهم 4/ بعض حِكم حلول النكبات والهزائم بالمسلمين 5/ بعض النكبات النازلة بالمسلمين عبر التاريخ
اهداف الخطبة
عنوان فرعي أول
عنوان فرعي ثاني
عنوان فرعي ثالث

اقتباس

إن القلب ليعتصر ألما! وإن العين لتدمع! من واقع المسلمين الآن! حروب وقتل وتشريد! وتضييق وسجون! وهتك للأعراض! وإبادات جماعية! وتغيير ومسخ لهوية المسلمين! بل...

 

 

الخطبة الأولى:

 

أما بعد:

 

فيا أيها المؤمنون: اتقوا الله -تعالى-: (الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ) [النساء: 1]، فالكل يرجعون لآدم وآدم من تراب، فالناس بينهم أواصر قديمة امتدت على طول السنين، وتشعبت واختلفت ألوانهم، ولهجاتهم، وأشكالهم، إلا أنهم أبناء رجل واحد، ولهذا قال المصطفى -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه الشيخان من حديث أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا" وَشَبَّكَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بَيْنَ أَصَابِعِهِ.

 

وأخرج مسلم في صحيحه من حديث النعمان بن بشير -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، وفي رواية له: "المسلمون كرجل واحد إن اشتكى عينه اشتكى كله".

 

كل هذه الأواصر الأخوية كان مبدؤها أنهم خلقوا من نفس واحدة، فلهذا يحن العضو على العضو ويسهر من أجله إذا اشتكى، وما أكثر الأعضاء التي تشتكي الآن!

 

معاشر المسلمين:

أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد *** تجده كالطير مقصوصاً جناحاه

 

إن القلب ليعتصر ألما! وإن العين لتدمع! من واقع المسلمين الآن! حروب وقتل وتشريد! وتضييق وسجون! وهتك للأعراض! وإبادات جماعية! وتغيير ومسخ لهوية المسلمين! بل وتغيير دينهم! وسرقة لممتلكاتهم! والمسلمون قد وقع عليهم الوهن، فلا يتناصرون، بل الخذلان من الجميع للجميع.

 

عباد الله: إن المسلم كلما ابتعد عن دينه، كلما زادت فرقته عن المسلمين، فإذا كان الابتعاد عن الدين من الأمة كلها، تفرقت الأمة كلها، ولم تتناصر، وكان الخذلان لبعضهم البعض هو العلامة الظاهرة بينهم كما  هو الحال هذه الأيام.

 

ولقد جعل الله لمن خذل أخاه في موقف يستطيع نصرته فيه، أنه يخذل وقت الحاجة، فمن سنن الله في الأرض: أن من خذل مسلما في موطن يستطيع نصره فيه، خذله الله في موطن يحب أن ينصر فيه، والواقع يشهد بذلك.

 

إن مما نرى ونسمع ما يحل بإخواننا في سوريا وفي حلب بالتحديد شيء يفطر القلب، ومما يزيد الأمر شدة: أن الناس ليس في أيديهم شيء، ولكني أقف حيرانا مما أسمع وأقرأ لبعض الكتاب ممن طمست فطرته، فتراه يتشدق بقوله: لن نجاهد أو ندعم سوريا ونحن نرى السوريين يتسكعون في بلادنا ويبذخون الأموال وكأن الأمر لا يعنيهم!

 

ولمثل هذا نقول: إن الجامع بيننا هو الإسلام وليس النوع والعرق، فأنت تتحدث بعصبية وشعوبية، والإسلام يتحدث بالإسلام فقال سبحانه: (وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) [الأنفال: 72] فالتناصر بين المسلمين للإسلام وليس للعرق، ولا ننظر لمن تخاذل عن إخوانه وأهل بلده، فكل ديار فيها فسقة ومجان، وليسوا بحجة على أهلها، ولا تكلم بهذا الأسلوب إلا من انسلخ من دينه، أو جاهل مغرر به، يقول المولى -جل وعلا-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات: 13].

 

معاشر المؤمنين: ونحن نرى إخواننا في حلب يهجرون من ديارهم إلى غير مأوى، نساءً وأطفالا وعجائز ومرضى وعجزة يطردون من بلادهم إلى غير مأوى، يلتحفون السماء، ويفترشون الأرض، والدول كلها بلا استثناء قد خذلتهم، وأسلمتهم لدول الكفر يعبثون بهم، فحسبنا الله ونعم الوكيل.

 

وفي المقابل نجد بعض المسلمين يتكاسل عن الدعاء لإخوانه، مع أن الدعاء لهم واجب يأثم من تركه، فلا أحد يعجز عن الدعاء في سجوده، وجوف الليل الآخر، لينتفض قلبك، وليرتعش حزنا على مصير إخوانك.

 

والبعض يقول: قد دعونا كثيرا ولم يستجب لنا؟

 

نقول: ود الشيطان لو ظفر بمثل هذا منكم، فواصلوا الدعاء فلله حكمة ونصر الله قريب، والأيام دول: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف: 128].

 

اللهم كن لإخواننا في حلب وكل صقع يذلون فيه من أجل دينهم يارب العالمين.

 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم...

 

 

الخطبة الثانية:

 

أما بعد:

فيا أيها الناس: إن ما يحل بالمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها هو بقدر الله وبعلمه: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ) [الأنعام: 112]، ولكن له سبحانه حكمة تعجز عقول الخلق عن استيعابها؛ فمن الحكم: ما نحن فيه الآن اختبار وامتحان لبقية المسلمين هل ينصرون إخوانهم أو لا؟ ومن الذي يحترق لأجل إخوانه، ومن هو ميت القلب الذي لا يكترث لذلك؟ كما قال سبحانه: (وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ) [محمد: 4].

 

ومنها: رفعة لدرجات المبتلين، فالله يبتلي عباده بالسراء والضراء، ومن مات منهم فهو بإذن الله شهيد حي يرزق عند رب العالمين؛ كما قال سبحانه: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) بآل عمران: 169- 171].

 

ومنها: غربلة الأمة؛ كما قال سبحانه: (وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ) [آل عمران: 154].

 

ومنها: رجوع الناس لدين الله، كما نشاهده عيانا هذه الأيام.

 

ومنها: ازدياد الظالم إثما؛ كما قال سبحانه: (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا) [آل عمران: 178].

 

وكذلك حتى لا يكون لهم حظ في الآخرة، وإنما يصلى نار جهنم؛ كما قال سبحانه: (وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ) [آل عمران: 176].

 

عباد الله: لقد مرت الأمة بنكبات أعظم من نكبات اليوم، وبقي المسلمون، وذهب الظالمون، فها هو نبي الأمة -صلوات ربي وسلامه عليه- يوم أحد، يشج رأسه، وتكسر ثنيته، وتدخل حلقات المغفر في وجنته، ويسقط في حفرة، ويغمى عليه، وهو نبي الأمة وخليل الله، ويقول الله -تعالى-: (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ) [آل عمران: 166]، ويقول: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ) [آل عمران: 155] فالذنوب هي سبب تسلط العدو.

 

وقد هجم التتار على دولة الإسلام في القرن السابع، فلم يبق مدينة إلا أباد أهلها، وقتل من المسلمين مالا يحصى، حتى ظن البعض أنه لن تقوم للإسلام قائمة بعدها، ثم كانت العاقبة للمتقين.

 

وليس العهد ببعيد، لما جاءت الحملات المصرية بقيادة محمد علي إلى بلاد نجد في الدولة السعودية الأولى، وخربت الدرعية، وقتلت من قتلت من العلماء والأمراء والعامة، واعتقلت منهم جماعة، ثم رجعت الدعوة السلفية بعد ذلك في الدرعية، ونشأت الدولة السعودية الثانية، كل هذا ينبئك أن الله يبتلي عباده لمصالح وحكم يعلمها، ثم يجعل العاقبة للمتقين.

 

فالصبر الصبر -عباد الله-، والرضا الرضا بقضاء الله، ولنحذر من خذلان المستضعفين ونحن نقدر على نصرهم، فالعاقبة وخيمة -والعياذ بالله-.

 

اللهم كن لإخواننا المستضعفين في كل مكان ناصرا ومعينا...

 

 

المرفقات

الخذلان

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات