عاشوراء نور ونار

عاصم محمد الخضيري

2015-10-19 - 1437/01/06
عناصر الخطبة
1/ فضائل الحسين بن علي 2/ قصة خروجه ومقتله 3/ موقف الصحابة من خروج الحسين 4/ من قتل الحسين؟ 5/ شهادات كتب الشيعة وأئمتها عن قتل الحسين 6/ الشيعة الروافض تاريخ يقطر حقدًا وخيانة 7/ موقف أهل السنة من قتل الحسين 8/ إحياء الثارات على القتلى بدعة خطيرة 9/ دلالات عبارة (يا لثارات الحسين) 10/ كم من دماء السنة يكفي الروافض لدم الحسين؟!

اقتباس

ولك أن تتخيل كم من الرءوس التي تحتاجها الرافضة حتى يكفّر عن مقتل الحسين من أهل السنة؛ إن كنا سنزعم أن قاتليه من أهل السنة، هل كفتهم مجازر بغداد في عام سقوط بغداد من مليون قتيل سني في حواضر السنة في العراق في القرن السابع الهجري على أقل تقدير؟! .. بل هل كفتهم شلالات الدماء التي أراقوها عند الكعبة في زمن الحج أكثر من مرة على يد القرامطة وعلى يدي غيرهم؟! هل يكفيهم مليون قتيل سني على أرض الشام في أربع سنين، .. هل رأينا أهل السنة يوما أحيوا ثارات قاتل عمر -رضي الله تعالى عنه- والذي قتله مجوسي من أشياعهم تحترق الثارات من لغاديده، وهو أبو لؤلؤة المجوسي.

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله على تقديره *** وحُسن ما صرف من أموره

الحمد لله بحسن صنعه *** شكرا على إعطائه ومنعه

يخير للعبد وان لم يشكره *** ويستر الجهل على من يظهره

خوف من يجهل من عقابه *** وأطمع العامل في ثوابه

يا خير من يدعى لدى الشدائد *** ومن له الشكر مع المحامد

الله حسبي في جميع امرئ *** به غنائي وإليه فقري

أنت إلهي وبك التوفيق *** والوعد يبدي نوره التحقيق

اغفر لنا فإنا عبادك *** جاءوك يطرقوا بابك

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من يرجو شفاعتها يوم يقوم الأشهاد، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى التابعين منهم وتابع التابعين إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

 أما بعد: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [الحشر:18].

 

هذه الأجيال يرويها اقتداء *** وأريج من عراري العظماء

 أعطني يا جيل روحًا من هدى *** أعطك القدرة في صنع الإباء

هذه الناس عطاشى للهدى*** تروم الاقتفاء ليس يغريها سرابات الخطا،

 ليس تغريها تماثل هباء انحرافات الهوى*** في سيرنا ثانيات غير خط الاستواء

 

في السنة الرابعة الهجرية موعودة بمقدم طفل، طفل لا يحمل من جنات الطفولة إلا اسمها، ولد رجل بلا لحية، وحكيم بلا تجربة، وعالم بلا معلومة، نسب فاخر، وحسب زاخر، وهدى متوافر كابر عن كابر.

طفل يقول لأطفال الدنيا كلها *** أين في الناس أب مثل أبي؟!

قد قبست المجد من خير أب *** وقبست الدين من خير نبي؟!

 

كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يصرّح بحبه لكل أحد، لكنه أعلنها هذه المرة عن طفل كان حبّه كالطوق في جيد المحبين، طفل السنا له حسب مثل الثريا إذا زهت وأوصافه الشهد المحلى ختامه، يراودنا ذكر النبي مع اسمه فتسليمنا نحو النبي سلامه.

 

لا أعرف طفلاً توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أشد حبًّا منه، من سيصدق لولا الترمذي وابن ماجه وابن حبان وغيرهم روى بحديث حسن أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال عنه: "هو مني، وأنا منه، أحب الله من أحبه، هو سبط من الأسباط".

 

كلمات لا تتوافر لكل رجل بل ها أنت توافر لكل طفل صغير، من ذلك النور المصور من دم فمشى على كل الكهوف ضياؤه.

 

امتلأ قلب النبي -صلى الله عليه وسلم- بحبّه حتى عز عليه أن يرى حبيبه كئيبًا كثيفًا، ومن مثله إن قيل: طفل محبب إلى قلب أندى الأنبياء ضميرا.

 

بكى هذا الطفل مرة فنادى النبي -صلى الله عليه وسلم- أم هذا الطفل قائلاً لها: "يا هذه أما علمتِ أن بكاءه يؤذيني"، كان بضعة من بضعات النبي -صلى الله عليه وسلم-.

لمن يكون حديثي؟ لمن تكون الشجون *** لأروع ألمعي تقر فيه العيون؟!

ووجه مثل شمس ما غيرته السنون *** حاء فسين فياء من بعدها ثم نون

حسين سبط رسول الإله ذاك الأمين.

 

عن حسين الأمة أحدثكم عن حِبّ رسول الله عن طفل هو من أول الداخلين في قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) [الأحزاب: 33].

 

لقد وَلدت الزهراءُ زهرةَ كان شذاها سلافة عطر أبدية، قصة حب نبوية، جمرة حزن عاشورية.

 

"الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة"، اخطبوا معي هذا المشهد: خطب النبي -صلى الله عليه وسلم- يومًا بأصحابه فدخل الحسن والحسين وعليهما ثوبان أحمران يعثران من المشي، فلما رآهم النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يصبر على مشهد كهذا وكيف ورسول الله بشر من البشر، فقطع خطبته ونزل من فوق منبره، فأقبل نحوهما وضمّهما إليه ضمًّا شديدًا، ثم صعد بهما المنبر، ثم قال لجموع الصحابة الحاضرين لقد صدق الله: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) [التغابن: 15]، ثم قال: "نظرت إلى هذين فلم أصبر"، ثم شرع في خطبته يكملها.

لم يصبرن وقد لاحت مآزرهم *** حب بحب وإشفاق بإشفاق

 

بل ربما دخل الحسين مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فامتطى ظهر النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو ساجد، فيطيل النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه السجدة؛ كراهية أن يعجله، كانت علاقة كبرى مع أكرم جد وحفيد، منذ خلق الله خليقته، وإلى أن يرث الأرض ومن عليها.

وعلاقة الحب المصفى بالهدى *** ممزوجتان بأحمد وحفيد

 

ولذا فلا عجب أن يخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى طعام، وفي طريقه عندما رأى الحسين يلعب في الطريق، تقدم النبي -صلى الله عليه وسلم- نحوه وبسط يديه فجعل الحسين يفر ها هنا وها هنا، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يضاحكه، ثم حمله فقال "حسين مني، وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسين، حسين سبط من الأسباط".

 

يا أهل بيت رسول اللّه حبكم ***  فرض من اللّه في القرآن أنزله

كفاكم من عظيم القدر أنّكم *** من لم يصلّ عليكم لا صلاة له

 

وقبل أن يفارق النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه الدنيا بلحظات يسيرات لم ينسَ أن يودع الحسين وأخاه الحسن بقبلات الوداع، ثم أوصى بهما خيرًا، لقد تألم الحسين -رضي الله تعالى عنه- وهو في ربيعه السادس لوفاة جده -صلى الله عليه وسلم- وحزن عليه حزنًا شديدًا؛ فقد كان الجد في حياته والدًا رحيمًا ومربيًا عظيمًا، ولم يمض من الأيام ست أشهر إلا وتتجدد الأحزان عليه؛ لقد فُجع بفاجعة عظيمة، توفيت أمه فاطمة الزهراء سيدة نساء أهل الجنة.

 

يا أيها القوم الذين نحبهم صلوا على آل النبي وسلموا:

من مَعشَرٍ حُبُّهُمْ دِينٌ، وَبُغْضُهُمُ *** كُفْرٌ، وَقُرْبُهُمُ مَنجىً وَمُعتَصَمُ

مُقَدَّمٌ بعد ذِكْرِ الله ذِكْرُهُمُ *** في كلّ بَدْءٍ، وَمَختومٌ به الكَلِمُ

يَنْشَقّ ثَوْبُ الدّجَى عن نورِ غرّتِهِ *** كالشمس تَنجابُ عن إشرَاقِها الظُّلَمُ

 

ثم أما بعد ..

في سنة 60 من الهجرة النبوية بُويع ليزيد بن معاوية للخلافة، ولقد تألم الحسين -رضي الله تعالى عنه- من هذه البيعة؛ لأنه كان يرى أن هناك من هو أحق بالخلافة من يزيد من أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم-، فلم يبايع الحسين -رضي الله تعالى عنه- يزيد بن معاوية، وترك الناس وشأنهم، وجاور مكة يتعبد الله –تعالى-.

 

 سمع أهل الكوفة أن الحسين بن علي -رضي الله تعالى عنه- لم يبايع، وكانوا أصحاب تاريخ مليء بالفتنة والشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق، وكانوا يُظهرون الميل لعليّ وشيعته أرسل أهل الكوفة الرسائل الكثيرة يدعون الحسين -رضي الله تعالى عنه- للبيعة، وتتابعت الرسائل الكتب حتى بلغت أكثر من خمسمائة كتاب فيما يرويه عدد من المؤرخين عندها أرسل الحسين ابن عمه مسلم بن عقيل ليستوثق الخبر.

 

وصل مسلم بن عقيل الكوفة فوجد الناس يريدون الحسين -رضي الله تعالى عنه- وجعل يأخذ البيعة للحسين في دار هانئ بن عروة حتى بايعه ثمانية عشر ألفًا من أهل الكوفة، وقيل ثلاثون ألفًا، ثم كتب مسلم بن عقيل إلى ابن عمه الحسين أن اقدم إلينا فقد تمت البيعة لك من أهل الكوفة.

 

وصلت الأخبار إلى يزيد بن معاوية عن بيعة أهل الكوفة للحسين فأمر واليه على البصرة عبيد الله بن زياد أن يضم الكوفة إليه، وأمره أن يمنع أهل الكوفة من الخروج عليه مع الحسين -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- ولم يأمر يزيد بقتل حسين، وإنما أمر أن يمنع من دخول الكوفة.

 

علم مسلم بن عقيل ابن عم الحسين أن عبيد الله بن زياد يريد الكوفة فخرج مسلم بن عقيل ومعه أربعة آلاف مقاتل ممن بايعه مع شيعة الكوفة، وتوجه بجيشه وحاصر عبيد الله بن زياد في قصره وشدّ عليه الحصار.

 

 أما عبيد الله بن زياد المحاصر من قِبل شيعة الكوفة فقد عرف بمكره ودهائه كيف يفرق جموع الكوفة عن مسلم بن عقيل، فأرسل عبيد الله إلى رؤساء القبائل في الكوفة كلها وأعطاهم من الأموال ما يخذلهم عن نصرة الحسين ومسلم بن عقيل، فجعل عُبّاد المال ينثرون ويتفرقون عن مسلم بن عقيل، حتى أمسى وليس معه أحد، فوقع مسلم بن عقيل في قبضة ابن زياد فأمر بقتله.

 

ويا لها من خيانة!! خيانة سافرة بنى حجارتها سفهاء الكوفة، ورموها في وجه خير الأرض في ذلك الزمان، نعم فمن يأمن الذئب على نفسه يضاحكه قبل الكريهة والقتل.

إذا كان الطباع طباع سوء *** فليس بنافع فيها الأديب

 

لما وقع مسلم بن عقيل في قبضة عبيد الله بن زياد طلب مسلم أن يكتب للحسين يخبره بحقيقة خيانة الشيعة، فكتب كتابًا للحسين هذا نصه: "ارجع بأهلك يا حسين ولا يغرنك أهل الكوفة، فقد كذبوني وكذبوك، وليس لكاذب رأي، عاداتهم في الشر معروفة وليس في الخير لهم من يد".

 

لم يعلم الحسين بن علي -رضي الله عنه- بما حصل لابن عمه، وخيانة أهل الكوفة له، فخرج ظنًّا منه أن البيعة قد تمت له، وهناك خرج الحسين -رضي الله تعالى عنه- من مكة وليس على وجه الأرض من يوازيه في الفضل والقربى من رسول الله وخرج معه سبعون من أهل بيته من أولاده وإخوانه وأبناء إخوانه، حاول الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- ثنيه عن الخروج، لكنهم فشلوا.

 

بل إن جمع من الصحابة حاولوا منعه، ونصحوه بعدم الخروج كابن عباس -رضي الله تعالى عنه- وابن عمر وابن الزبير وعبد الله بن عمرو وأخيه محمد بن الحنفية وغيرهم، وهذا ابن عمر -رضي الله عنهما- يلحق به بعد خروجه أكثر من ثلاث ليال حتى وصل إليه فقال: أين تريد يا ابن رسول الله؟ أين تريد يا ابن رسول الله؟ فقال: "إلى العراق يا ابن عمر، وهذه كتبهم ورسائلهم وبيعتهم"، فقال له ابن عمر: "لا تأتهم يا ابن رسول الله ناشدتك الله لا تأتهم؛ أهل العراق قوم مناكير، وقد قتلوا أباك، وضربوا أخاك، وفعلوا وفعلوا، لا تأتِ قومًا يطيرون للبلوى إذا وقعت والشر في حداقات الأعين السود، والله يا ابن رسول الله إني محدثك حديثًا أن جبريل أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فخيّره بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا، وأنت يا حسين بضعة من رسول الله، والله لا يليها أحد منكم أبداً، وما صرفها الله عنكم إلا للذي هو خير لكم".

 

لكن الحسين -رضي الله عنه- أبى وأصر على الذهاب، فلما رأى ابن عمر إصراره ضمه ضمة شديدة، وقال: "أستودعك الله من قتيل، أستودعك الله من قتيل".

إن لم ينفع النصح قد ينفعك تسليمي *** هذا سلامي وإن أبغضت تكليمي

 

روى سفيان عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أنه قال للحسين في ذلك: "لولا أن يزري بي وبك الناس لشبثت يدي في رأسك فلم أترك تذهب"، وقال له الزبير: "أين تذهب يا ابن رسول الله؟ إلى قوم قتلوا أباك، وطعنوا أخاك"، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص "عجل الحسين قدَره، والله لو أدركته ما تركته يخرج إلا أن يغلبني".

 

مضى الحسين -رضي الله تعالى عنه- إلى العراق وقبل وصوله علم بمقتل ابن عمه مسلم بن عقيل، فهمَّ أن يرجع إلا أن أبناء مسلم بن عقيل الذين كانوا معه طلبوا ثأر أبيهم فنزل على رأيهم وواصل المسير.

 

أما عبيد الله بن زياد فقد أرسل جيوشه لمنع الحسين من دخول الكوفة، فالتقى الجمعان في أرض كربلاء في العاشر من محرم سنة 61 للهجرة.

 

الحسين -رضي الله تعالى عنه- ومعه سبعون من أهل بيته وجيش بن زياد بقيادة شمر بن ذي الجوشن وعمرو بن سعد، وعددهم خمسة آلاف رجل، رأى الحسين -رضي الله عنه- عدم التكافؤ بينه وبين جيش خصمه، فعرض عليهم ثلاثة أمور؛ إما أن يتركوه أن يرجع من حيث أتى، أو أن ينطلق إلى ثغر من ثغور المسلمين للجهاد في سبيل الله، أو أن يتركوه يذهب إلى يزيد في الشام، فأبى عليه شمر الذي كان بالأمس هو وابن زياد من شيعة علي -رضي الله تعالى عنه-.

 

ها هو اليوم يقاتل ابن علي، وقد أبى إلا أن يربطه أسيرًا، وينزل على حكم عبيد الله بن زياد، أو يعلن القتال، فقال الحسين: لا والله لا أنزل على حكم ابن زياد أبداً، واصطف الجيشان، وتجهز الجميع للقتال هنا رفع الحسين -رضي الله تعالى عنه- يديه إلى السماء ودعا على أهل الكوفة قائلاً: "اللهم إن متعتهم إلى حين ففرِّقهم فرقاً (أي: شيعاً وأحزاباً) واجعلهم طرائق قددًا، ولا ترض الولاة عنهم أبدًا، فإنهم دعونا لينصرونا، ثم عدوا علينا فقتلونا"، وهذا الدعاء ذكرته كتب الشيعة.

 

وبدأ القتال وحمي الوطيس، وكان يومًا عصيبًا على الحسين -رضي الله عنه- وعلى أهل بيته، يرى أهل بيته يتساقطون بين يديه صرعى واحدا تلو الآخر، حتى بقي -رضي الله عنه- وحده فتقدم إليه الأشقى الذي كذب وتولى شمر بن ذي الجوشن -لعائن الله تترى لا تغيب له-، فرموه برمحه في رقبته، ثم طعنه فسقط -رضي الله تعالى عنه- شهيدًا وفاضت روحه الذكية إلى بارئها.

 

بكى البيت والركن الحطيم *** وزمزم ودمع الليالي في محاجرها دم

وشق عليك المجد أثواب عزه *** ووجه الضحى من بعد قتلك أدهم

فيا ليت قلبي كان قبرك معلما *** تكفن في أجفان عيني وتكرم

ويا ليت صدري كان دونك *** ساترا به كل رمح من عداك يحطم

أريحانة المختار صرت قضية *** وأصبحت للأحرار نعم المعلم؟

ولكنني وافقت جدك في العزا *** فأخفي جراحي يا حسين وأكتم

وأصبر والأحشاء يأكلها الأسى *** وأهدأ والأضلاع بالنار تضرم

وما نحت نوح الثاكلات تفجعا *** عليك لأن الدين ينهى ويعصم

أصبنا بيوم في الحسين لو أنه *** أصاب عروش الدهر أضحت تهدم

على قاتليه لعنة الله كلما *** دجا الليل أو ناح الحمام المرنم

 

(وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ) [إبراهيم:42].

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شرك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

 أما بعد: وهنا أقف وقفات عجلة ..

الموقف الأول: حسين هذه الأمة كان شاهدا عظيما أنه إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة، وانتظر معها الدماء والأشلاء والقتلى وفجائع الأمة بخيارها وسادتها.

 

إذا وُسد الأمر إلى غير أهله سترى يزيد بن معاوية هو خليفة المسلمين في قوم فيهم ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وأجلة الصحابة وأسياد التابعين!!

 

يوسّد الأمر إلى غير أهله لترى رجالاً مثل عبيد الله بن زياد يتحكم في رقبة سيد أهل الأرض أجمعين، ويولى على ديار المسلمين.

 

يوسد الأمر إلى غير أهله وعندها فلا عجب أن يُقتل الطهر عنوة، وتستأسد الفئران ولاجة الجحر.

توسيد الأمر إلى غير أهله جعلنا نستيقظ على نذل حقير مثل شمر بن ذي جوشن يفاخر أصحابه بقتل ريحانة رسول الله وأبنائه الأطهار، ويبعث برأس الحسين إلى توأمه في الخسة عبيد الله بن زياد.

 

وقديما قال الأول:

إذا احتضرت أسود الغاب *** يومًا ففي الغابات يحتفل النباح

وسدوا الأمر إلى غير أهله لتروا بأعينكم كيف تُهان الأمة، وتنحط أمجادها، وتضيع مقدراتها.

 

الموقف الثاني: الرافضة في كل زمان ومكان هم أخس الجنس البشري دمًا وأحطهم طبعًا ومسلكًا، ولؤمًا يحبونك اليوم، ثم يشربون دمك من الليلة القابلة لهم ألف قناع وقناع، ألفوا لبسها ديانة وتعبدا ألفوا الخنا حتى كأن رحيلهم للسوء رحلتهم إلى الإيمان.

 

كل طريق يوصل إلى دمك فهو طريق مشروع، وكل كذب يستر سوءتهم فهو كالصدق مع الله، فوجوههم شتى ومنهجهم هوى، وهم طلاب في كل حين لهم دين.

 

الرافضة عبدة الأشلاء والدماء وصيحات الضعفاء، ليس موقفًا نقف به مع الحسين -رضي الله تعالى عنه- بل ما قبل الحسين وعلي -رضي الله تعالى عنه- دعا عليهم دعوته الشهيرة وقد خاب من دعا عليه أبو الحسين: "اللهم إني قد مللتهم وملوني، وأبغضتهم وأبغضوني، وحملوني على غير طبيعتي وأخلاق لم تكن تُعرف لي، اللهم أبدلني خيرًا منهم، وأبدلهم بي شرا مني، اللهم أمت قلوبهم موت الملح في الماء".

 

من قتل الحسين لن يكون الحديث عن شهادة ابن تيمية وابن كثير ومؤرخ السنة، فالحق في هذا المقام ما شهدت به الأعداء خذوا كل قول وحاكموا به فعلهم فالحق في ذاك بيّن.

ليس تجنيًّا أو رجمًا بالغيب حين يقول أحد أعيان الشيعة في كتاب "أعيان الشيعة" وهو محسن الأمين عندما يقول : "بايع الحسين عشرون ألف مقاتل من أهل العراق من شيعته كلهم غدروا به وخرجوا عليه وبيعتهم في أعناقهم ثم قتلوه".

 

ومحدث الشيعة عباس القمي في كتابه "منتهى الآمال": تواترت الكتب إلى الحسين حتى اجتمع عنده في يوم واحد ستمائة كتاب جاءت كلها من عديم الوفاء".

 

بل يذكر المؤرخ الشيعي اليعقوبي في تاريخه أنه لما دخل علي بن الحسين الكوفة رأى نساءها يبكين ويصرخن، فقال علي بن الحسين -رضي الله عنه- "هؤلاء يبكين علينا فمن قتلنا"؟! أي: من قتلنا غيرهم؟!

جاءوا برأسك يا ابن بنت محمد *** متزملا بدمائه تزميلا

فكأنما بك يا ابن بنت محمد *** قتلوا جهارا عامدين رسولا

ليس عسيرًا عليهم أن يقتلوك جهرا، ويمزقوا بقاياك، ثم يرددون من فوق جثتك باسم الثارات على الحسين الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود.

 

قتلوا الحسين وناصبوا أباه، وضيقوا على عمه، أفعسير عليهم أن يغدروا بك؟! وبهذه الأمة السنية كلها في كل زمان ومكان.

إِنَّ الَّذِينَ تَرَوْنَهُمْ إِخْوَانَكم *** يَشْفِي غَلِيلِ صُدُورهم أَنْ تُصْرَعُوا

فَضِلَتْ عَدَاوَتُهُمْ عَلَى أَحْلاَمِهِمْ *** وأَبَتْ ضِبَابُ صُدُورِهم لا تُنْزَعُ

لا تأْمَنُوا قَوْماً يَشِبُّ صَبِيُّهُمْ *** بَيْنَ القَوَابِل بالعَدَاوَةِ يُنْشَعُ

قَوْمٌ إِذا دَمَسَ الظَّلاَمُ عليهمُ *** حَدَجُوا قَنَافِذَ بالنَّمِيمَةِ تَمْزَعُ

 

الموقف الثاني: موقف أهل السنة من قتل الحسين فاجعة عظيمة وجرح غائر في جسد الأمة، وقاتلوه هم شرار الخلق، وأفسق الخليقة؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وأما من قتل الحسين أو أعان على قتله أو رضي بذلك، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منهم صرفا ولا عدلا".

 

وعزاء أهل السنة والجماعة للحسين أنه عاش حميدا، ومات شهيدا، ولا يقولون إلا ما يرضي ربهم: إنا لله وإن إليه راجعون، لا يضربون لهذه المصيبة خدًا، ولا يشقون لها جيبًا، ولا يحييون معها معالم الجاهلية الأولى.

 

الموقف الثالث: إحياء الثارات على القتلى هو بدعة خطيرة في الإسلام، وما نجح المشروع الصفوي وما تحركت معه إلا من هذا الباب.

 

يوم عاشوراء يوم أن تقذف في قلوب الشيعة وأبنائهم محطات توليد الضغينة، ثم تفرغ على أهل السنة فهذا اليوم ليس يومًا عابرًا بريئًا.

 

يوم عاشوراء يوم المظلوميات التي يحترف فيها صناعة المكاسب السياسية عن طريق التلويح بها فهو، يوم إيقاد المشاريع والتذكير بها.

 

يوم عاشوراء ليس يوم ندب ومصيبة، وتذكر أحزان، بل هذا اليوم مصهرة تحمى فيها العداوات والثارات، وتصهر فيها الأحقاد، وتصهر فيها النعرات، وهذه السلاسل الرافضية ليست إلا تفريخًا لأفاعي القلوب المنطوية على حقد عظيم وحسد قاتل وجنون مريع.

 

في يوم عاشوراء يوم الحقن الصفوية، والهالك الخميني يقول عنه: "يجب التذكير في عاشوراء بالمصائب والمظالم التي يرتكبها الظالمون في كل عصر، وبالأخص في هذا العصر الذي هو عصر مظلومية العالم الإسلامي على يدي أمريكا وروسيا والوهابيين".

 

"يا لثارات الحسين" ليست كلمة نظرية أو مسألة فيزيائية، بل شاهدوها كيف تهجو على كل رضيع سوري، أو رجل يمني، أو مستضعف لبناني، أو سني عراقي، يا "لثارات الحسين" يثورون على الأمة باسمها، وهم أعلم الناس بحقيقتها، وحقيقة مقلقيها وأشياعهم الذين خذلوا الحسين ثم قتلوه.

 

ولك أن تتخيل كم من الرءوس التي تحتاجها الرافضة حتى يكفّر عن مقتل الحسين من أهل السنة إن كنا سنزعم أن قاتليه من أهل السنة، هل كفتهم مجازر بغداد في عام سقوط بغداد من مليون قتيل سني في حواضر السنة في العراق في القرن السابع الهجري على أقل تقدير؟! هل كفتهم خياناتهم في خراسان في إسقاط أفغانستان وفي إسقاط العراق وغيرها من بلدان الإسلام، وهل كفاهم قتل إسماعيل الصفوي وإعماله السيف في كل مكان يتنفس فيه سني، وإيقافه للفتوحات العثمانية على يديه وأشياعه؟!

 

بل هل كفتهم شلالات الدماء التي أراقوها عند الكعبة في زمن الحج أكثر من مرة على يد القرامطة وعلى يدي غيرهم؟!

 

هل يكفيهم مليون قتيل سني على أرض الشام في أربع سنين، سلخت رؤوسهم أمام  كل أنظمة العالم ولا حراك ومن مليون جريح على ثراها، ما هذه الثارات التي تحتاج أن تقتل البشرية كلها؟! متى يكفّر عن قتل سبط رسول الله؟! حسبي وحسبك رب العرش.

 

هل رأينا أهل السنة يوما أحيوا ثارات قاتل عمر -رضي الله تعالى عنه- والذي قتله مجوسي من أشياعهم تحترق الثارات من لغاديده، وهو أبو لؤلؤة المجوسي.

 

بل هل رأينا أهل السنة أحيوا ثارات الخليفة الراشدي الثالث قتيل الدار عثمان بن عفان، وهو أفضل عندهم من علي بن أبي طالب عند أهل السنة.

 

بل بالله هل رءوا يومًا أهل السنة يومًا واحدًا، اتخذوا يوم أبي بكر مأتما، وهو أفضل عندهم من عمر وعثمان وعلي والحسين!

 

وحتى تفرق بين دين السنة والبدعة وبين الثارات الحقيقية وبين الثارات المصنوعة، فلك أن تتعجب، وأن تسأل: لِمَ لا تحيى ثارات قاتل علي -رضي الله تعالى عنه- وهو أفضل من الحسين عندهم وعند أهل السنة!

 

ازدواجية بغيضة تسقط بعدها كل الأسئلة عن قتلة الحسين وهم يعلمون كذلك أن قتل الحسين ليس هو بأعظم من قتل الأنبياء، وقد مات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مسمومًا، وقدم رأس يحيى -عليه السلام- مهرًا لبغي، وقتل زكريا -عليه السلام- وكثيرا من الأنبياء قتلوا كما قال تعالى: (قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [آل عمران:183].

 

الموقف الرابع والأخير: يوم عاشوراء يوم يفرح به المسلمون بهجة بنجاة موسى عليه السلام، وهلاك بموت فرعون ومن معه فهم يصومونه تعبدًا لله -تعالى-، ليس تقليدًا للمذهب، وليس تقليدًا لطريقة أو حتى إحياء لثارات بل هو الطريقة والاتباع لا الابتداع.

 

روى البخاري من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما قدم المدينة وجدهم يصومون يوما يعني عاشوراء، فقالوا: هذا يوم عظيم وهو يوم نجى الله فيه موسى وأغرق آل فرعون، فصامه موسى شكرًا لله، فقال -عليه الصلاة والسلام-: "أنا أولى بموسى منهم" فصامه وأمر بصيامه.

 

ولكنه -عليه الصلاة والسلام- أراد لهذه الأمة أن تجمع بين الخيريتين؛ خيرية طاعة الله سبحانه وشكرا لنعمة إهلاك الظالمين وإنجاء المؤمنين، وخيرية مخالفة المشركين فهدى المؤمن أن يخالف المشركين احتفاءهم في هذا اليوم، فعن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال حين صام رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله! إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى"؟، فقال عليه الصلاة والسلام: "فإذا كان العام المقبل -إن شاء الله- صمنا اليوم التاسع" فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- .

 

فعاشوراء صومٌ ليس حزنا *** ولا ضربُ الجلـودِ ولا البكاء

ولا نوح البواكي والثكالى *** ولا حملُ السيوف ولا الدِّماء

لنا في سنة الهادي كــمالاً *** ونوراً في معالمها ضياء

يكفر عامه الماضي ويمحو *** به الله الذنوب لمن يشاء

 

اللهم اجعلنا هداة مهتدين متبعين لا مبتدعين غير ضالين ولا مضلين، وتوفنا على الإسلام والسنة غير مبدلين ولا مضيعين، ولا مفتونين يا رب العالمين ..

 

المرفقات

نور ونار

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات