طول الأمل

ناصر بن محمد الأحمد

2015-02-10 - 1436/04/21
عناصر الخطبة
1/ضرر طول الأمل 2/أسباب طول الأمل 3/علاج حب الدنيا وطول الأمل 4/تذكر الموت وسكراته والاستعداد له 5/الحث على الزهد في الدنيا ومتاعها

اقتباس

سلطانها دول، وحلوها مر، وعذبها أجاج، وعزيزها مغلوب، العمر فيها قصير، والعظيم فيها يسير، وجودها إلى عدم، وسرورها إلى حَزَن، وكثرتها إلى قلة، وعافيتها إلى سقم، وغناها إلى فقر، دارها مكارة، وأيامها غرارة، ولأصحابها بالسوء أمارة، الأحوال فيها إما نعم زائلة، وإما بلايا نازلة، وإما...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ...

 

أما بعد:

 

اتقوا الله -تعالى-، واعلموا -معاشر الإخوة-، وفقني الله وإياكم، وأيقظ قلبي وقلوبكم من الغفلة، ورزقني وإياكم الاستعداد للنقلة، من الدار الفانية إلى الدار الباقية-: إن من أضر الأشياء على الإنسان طول الأمل، وذلك بأن يستشعر الإنسان طول البقاء في الدنيا، حتى يغلب ذلك على قلبه، فيأخذ من العمل بمقتضاه، وينسى بالمقابل بأنه مهدد بالموت في كل لحظة.

 

فكل ما هو آت -يا عباد الله- فهو قريب، فتأهبوا لساعة الوداع من الدنيا، والخروج منها.

 

أؤمل أن أحيا وفي كل ساعة *** تمر بي الموتى تهز نعوشها

وهل أنا إلا مثلهم غير أن لي *** بقايا ليال في الزمان أعيشها

 

قال بعض السلف: "من طال أمله، ساء عمله".

 

وذلك أن طول الأمل، يحمل الإنسان على الحرص على الدنيا، والتشمير لها لعمارتها، وطلبها حتى يقطع وقته ليله ونهاره في التفكير في جمعها وإصلاحها، والسعي لها مرة بقلبه، ومرة بالعمل، فيصير قلبه وجسمه مستغرقين في طلبها، وحينئذ ينسى نفسه، والسعي لها، بما يعود إلى صلاحها، وكان ينبغي له المبادرة والاجتهاد، والتشمير في طلب الآخرة، التي هي دار الإقامة والبقاء، وأما الدنيا، فهي دار الزوال والانتقال.

 

أتبني بناء الخالدين وإنما *** مقامك فيها لو عرفت قليلُ

لقد كان في ظل الأراك كفاية *** لمن كان يوماً يقتفيه رحيلُ

 

عباد الله: ذكر العلماء: أن طول الأمل له سببان:

 

أحدهما: الجهل، والآخر: حب الدنيا.

 

أما حب الدنيا، فهو أنه إذا أنس بها، وبشهواتها وعلائقها، ثقل على قلبه مفارقتها، فامتنع قبله من التفكير في الموت، وصار مشغولاً بالأماني الباطلة، التي توافق مراده، وإذا جاء خاطر الموت في بعض الأحوال، واستعد وتهيأ سوّف ووعد نفسه، وقال: ما مضى إلاّ القليل، إلى أن تكبر ثم تتوب، وتقبل على الطاعة، فلا يزال يمنّي ويسوّف من الشباب إلى الكهولة، إلى الشيخوخة، أو إلى رجوع من سفر، أو إلى فراغ من تدبير بعض شئونه، فلا يزال يمنّي نفسه بما يوافق هواها، ولا يزال يغالط نفسه في الحقائق، ويتوهم البقاء في الدنيا، إلى أن يتقرر ذلك عنده، ويظن أن الحياة قد صفت له، وينسى قول الله -عز وجل-: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)[يونس: 24].

 

تصفو الحياة لجاهل أو غافل *** عما مضى منها وما يتوقعُ

ولمن يغالط في الحقائق نفسه *** ويسوقها طلب المحال فتطمعُ

 

وأما السبب الثاني: فهو الجهل، حيث يستبعد الموت مع الصحة والشباب، فالإنسان قد ألف موت غيره، ولم ير موت نفسه أصلاً فلذلك يستبعد، إلا أن العاقل يعرف أن الأجل محدود، فقد فُرغ منه، والإنسان يسير إليه كل لحظة كما قيل:

 

نسير إلى الآجال في كل لحظة *** وأيامنا تطوى وهن مراحلُ

 

ولهذا، فإن من المداخل للشيطان إلى قلب ابن آدم، والتي إذا لم ينتبه لها الإنسان أهلكته طول الأمل، فإن الشيطان لا يزال بالإنسان في اتباع الهوى، والنفس الأمارة بالسوء، حتى يوقعه في سوء الخاتمة -نسأل الله السلامة والعافية-، وبذلك يكون الشيطان قد حقق مراده.

 

ألا أيها اللاهي وقد شاب رأسه *** ألماّ يزعك الشيب والشيب وازعُ

أتصب وقد ناهزت خمسين حجة *** كأنك غرّ أو كأنك يافعُ

حذار من الأيام لا تأمننّها *** فتخدعك الأيام وهي خوادعُ

أتأمن خيلاً لا تزال مغيرة *** لها في كل يوم في أناس وقائعُ

وتأمل طول العمر عند نفاده *** وبالرأس وسم للمنية لامعُ

ترحّل من الدنيا بزاد من التقى *** فإنك مجزي بما أنت صانعُ

 

فاتقوا الله -أيها المسلمون- فإنه لا علاج لحب الدنيا، وطول البقاء فيها، إلا بالإيمان بالله واليوم الآخر.

 

ووالله-أيها الإخوة- لو نظر الإنسان إلى الدنيا بعين البصيرة، لرأى حقارتها، ورأى أن الدنيا ليست بأهل أن يلتفت إليها.

 

عن الحارث بن مالك الأنصاري -رضي الله عنه- أنه مر برسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال له: "كيف أصبحت يا حارث؟"قال: أصبحتُ مؤمنا حقاً، قال: "انظر ما تقول، فإن لكل شيء حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟" فقال: "عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، وكأني أنظر إلى أهل الجنة، يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار، يتضاغون فيها" فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يا حارث عرفت فالزم".

 

وقال صلى الله عليه وسلم: "ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع"[رواه مسلم].

 

وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمنكبي، فقال: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل".

 

وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يقول: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك"[رواه البخاري].

 

وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده"[متفق عليه].

 

وعن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء"[رواه الترمذي].

 

وفي الترمذي من حديث المستورد بن شداد، قال: كنت مع الركب الذين وقفوا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على السخلة الميتة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أترون هذه هانت على أهلها حتى ألقوها" قالوا: ومن هوانها ألقوها يا رسول الله، قال: "فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلها".

 

وفي جامع الترمذي أيضاً من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، وعالماً ومتعلماً".

 

أيها المسلمون: ليس من العجب: انهماك الكفار في حب الدنيا، وطول البقاء فيها؛ لأن الدنيا هي جنتهم، وإنما العجب أن يكون المسلمون يصل حب الدنيا، وطول البقاء فيها، هي شغلهم الشاغل ليلاً ونهاراً، وهم يعرفون قدر الدنيا من كتاب ربهم، وسنه نبيهم -صلى الله عليه وسلم-، أليس كتاب الله هو الذي فيه؟: (مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ)[الشورى: 20].

 

أليس في كتاب الله -عز وجل-: (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا)[الإسراء: 19]؟

 

أيها المسلمون: ليلتان اثنتان يجعلهما كل مسلم في ذاكرته: ليلة في بيته مع أهله وأطفاله، منعماً سعيداً، في عيش رغيد، وفي صحة وعافية، ويضاحك أولاده ويضاحكونه، يلاعبهم ويلاعبونه.

 

والليلة التي تليها، وبينما الإنسان يجر في ثياب صحته، منتفعاً بنعمة العافية، فرحاً بقوته وشبابه، لا يخطر له الضعف على قلب، ولا الموت على بال، إذ هجم عليه المرض، وجاءه الضعف بعد القوة، وحل الهم من نفسه محل الفرح، والكدر مكان الصفاء، ولم يعد يؤنسه جليس، ولا يريحه حديث، وقد سئم ما كان يرغبه في أيام صحته، على بقاء في لبه، وصحة في عقله، يفكر في عمر أفناه، وشباب أضاعه، ويتذكر أموالاً جمعها، ودوراً بناها، وقصوراً شيدها، وضياعاً جدّ وكدّ في حيازتها، ويتألم لدنيا يفارقها، ويترك ذرية ضعافاً يخشى عليهم الضياع من بعده، مع اشتغال نفسه بمرضه وآلامه، وتعلق قلبه بما يعجل شفاءه؛ ولكن ما الحيلة إذا استفحل الداء، ولم يجدِ الدواء، وحار الطبيب، ويئس الحبيب: (وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ)[ق: 19].

 

عند ذلك تغير لونه، وغارت عيناه، ومال عنقه وأنفه، وذهب حسنه وجماله، وخرس لسانه، وصار بين أهله وأصدقائه ينظر ولا يفعل، ويسمع ولا ينطق، يقلب بصره فيمن حوله، من أهله وأولاده، وأحبابه وجيرانه، ينظرون ما يقاسيه من كرب وشده، ولكنهم عن إنقاذه عاجزون، وعلى منعه لا يقدرون: (فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ)[الواقعة: 83- 85].

 

ثم لا يزال يعالج سكرات الموت، ويشتد به النـزع، وقد تتابع نفسه، واختل نبضه، وتعطل سمعه وبصره، حتى إذا جاء الأجل، وفاضت روحه إلى السماء، صار جثة هامدة، وجيفة بين أهله وعشيرته، قد استوحشوا من جانبه، وتباعدوا من قربه، ومات اسمه الذي كانوا يعرفون، كما مات شخصه الذي كانوا به يأنسون، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

 

أيها المسلمون: إن أكبر واعظ هو الموت، الذي قدّره الله على من شاء من مخلوق مهما امتد أجله، وطال عمره، إلا وهو نازل به، وخاضع لسلطانه: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)[العنكبوت: 57].

 

ولو جعل الله الخلود لأحد من خلقه لكان ذلك لأنبيائه المطهرين، ورسله المقربين، وكان أولاهم بذلك صفوة أصفيائه كيف لا؟ وقد نعاه إلى نفسه بقوله: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ)[الزمر: 30].

 

أيها المسلمون: أكثروا من ذكر هادم اللذات، بهذا أوصى نبيكم محمد، كلام مختصر وجيز، قد جمع التذكرة وأبلغ في الموعظة؛ فمن ذكر الموت حق ذكره حاسب نفسه في عمله وأمانيه، ولكن النفوس الراكدة، والقلوب الغافلة، كما يقول القرطبي -رحمه الله- تحتاج إلى تطويل الوعاظ، وتزويق الألفاظ.

 

وأيم الله ليوشكن الباقي منا أن يبلى، والحي منا أن يموت، وأن تدال الأرض منا كما أدلنا منها، فتأكل لحومنا وتشرب دماءنا، كما مشينا على ظهرها وأكلنا من ثمرها وشربنا من مائها ثم تكون، كما قال الله: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ)[الزمر: 68].

 

لقد وقف نبيكم محمد -عليه الصلاة والسلام- على شفير قبر فبكى حتىبل الثرى، ثم قال: "يا إخواني لمثل هذا فأعدوا".

 

وسأله عليه الصلاة والسلام رجل، فقال: من أكيس الناس يا رسول الله؟ فقال: "أكثرهم ذكراً للموت، وأشدهم استعداداً له، أولئك هم الأكياس، ذهبوا بشرف الدنيا، وكرامة الآخرة".

 

"الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت".

 

يقول الحسن -رحمه الله-: "إن الموت قد فضح الدنيا فلم يدع لذي لبٍّ بها فرحاً".

 

ويقول يونس بن عبيد: "ما ترك ذكر الموت لنا قرة عين في أهل ولا مال".

 

من أكثر ذكر الموت أكرمه الله بثلاث: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة.

 

ومن نسي الموت ابتلي بثلاث: تسويف التوبة، وترك الرضا بالكفاف، والتكاسل في العبادة.

 

استبدَل الأمواتُ بظهر الأرض بطناً، وبالسعة ضيقاً، وبالأهل غربة، وبالنور ظلمة، جاءوها حفاة عراة فراداً، اللحود مساكنهم، والتراب أكفانهم، والرفات جيرانهم، لا يجيبون داعياً، ولا يسمعون منادياً، كانوا أطول أعماراً، وأكثر آثاراً، فما أغناهم ذلك من شيء لما جاء أمر ربك، فأصبحت بيوتهم قبوراً، وما جمعوا بوراً، وصارت أموالهم للوارثين، وأزواجهم لقوم آخرين، حلَّ بهم ريب المنون، وجاءهم ما كانوا يوعدون: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)[المؤمنون: 115].

 

ألا فاتقوا الله -رحمكم الله-، واحفظوا الله ما استحفظكم، وكونوا أمناء على ما استودعكم، فإنكم عند ربكم موقفون، وعلى أعمالكم مجزيون، وعلى تفريطكم نادمون، قال الله -تعالى-: (كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ)[آل عمران: 185].

 

فاتقوا الله -عباد الله- اخلصوا في أعمالكم، وليكن شعار أحدكم دعاء الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا".

 

بارك الله ...

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله على إحسانه ...

 

أما بعد:

 

فاتقوا الله -عباد الله-، واعلموا أن الدنيا، دار بلاء وابتلاء، وامتحان واختبار، لذلك قدر الله فيها الموت والحياة، وهي مشحونة بالمتاعب، مملوءة بالمصائب، طافحة بالأحزان والأكدار، يزول نعيمها، ويذل عزيزها، ويشقى سعيدها، ويموت حيها، مزجت أفراحها بأتراح، وحلاوتها بالمرارة، وراحتها بالتعب، فلا يدوم لها حال، ولا يطمئن لها بال، فكم من ملوك وجبابرة فتحوا البلاد، وسادوا العباد، وأظهروا السطوة والنفوذ، حتى ذعرت منهم النفوس، ووجلت منهم القلوب، ثم طوتهم الأرض بعد حين، فافترشوا التراب، والتحفوا الثرى، فأصبحوا خبراً بعد عين، وأثراً بعد ذات، وكل إنسان سيسلك الطريق الذي سلكوه، وسيدرك الحال الذي أدركوه، ولكنه مأخوذ بغمرة من الدنيا عابرة، ستليها ويلات، مستغرق في سبات عميق، ستكشفه سكرات: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ)[التكاثر: 1-4].

 

قال علي: "ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل".

 

عباد الله: من خاف الوعيد قَصُرَ عليه البعيد، ومن طال أمله ضعف عمله، وكل ما هو آت قريب، تمر الجنائز بالناس يجهزونها ويصلون عليها، ويسيرون خلفها يشيعونها محمولة إلى مثواها الأخير، فتراهم يلقون عليها نظرات عابرة، وربما طاف بهم طائف من الحزن يسير، أو أظلهم ظلال من الكآبة خفيف، ثم سرعان ما يغلب على الناس نشوة الحياة وغفلة المعاش.

 

هذه الدنيا كم من واثق فيها فجعته؟ وكم من مطمئن إليها صرعته؟ وكم من محتال فيها خدعته؟ وكم من مختال أصبح حقيراً؟ وذي نخوة أردته ذليلاً؟

 

سلطانها دول، وحلوها مر، وعذبها أجاج، وعزيزها مغلوب، العمر فيها قصير، والعظيم فيها يسير، وجودها إلى عدم، وسرورها إلى حَزَن، وكثرتها إلى قلة، وعافيتها إلى سقم، وغناها إلى فقر، دارها مكارة، وأيامها غرارة، ولأصحابها بالسوء أمارة، الأحوال فيها إما نعم زائلة، وإما بلايا نازلة، وإما منايا قاضية، عمارتها خراب، واجتماعها فراق، وكل ما فوق التراب تراب.

 

قال الله -تعالى- في شأن الدنيا: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)[يونس: 24-25].

 

وأخبر سبحانه عن خسّة الدنيا، وزهّد فيها، فقال تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا)[الكهف: 45-46].

 

وقال تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)[الحديد: 20].

 

وقال سبحانه: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ)[آل عمران: 14-15].

 

وقال سبحانه وتعالى: (وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ)[الرعد: 26].

 

وقد توعد الله -عز وجل- أعظم الوعيد، لمن رضي بالحياة الدنيا، واطمأن بها، وغفل عن آياته، ولم يرج لقاءه، فقال سبحانه وتعالى: (إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ)[يونس: 7-8].

 

ويكفي في الزهد في الدنيا، قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ)[الشعراء: 205-207].

 

وقوله تعالى:(يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا)[طـه: 102-104].

 

وقوله سبحانه وتعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا)[النازعات: 42-46].

 

هذا، وصلوا -رحمكم الله- على خير البرية، وأفضل البشرية، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صاحب الحوض والشفاعة.

 

اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين.

 

اللهم اجعل القبور بعد فراق الدنيا من خير منازلنا، وافسح بها ضيق ملاحدنا، وثبت على الصراط أقدامنا، وارحم يوم العرض عليكم ذل مقامنا.

 

اللهم وفقنا للصالحات قبل الممات، وأرشدنا إلى استدراك الهفوات من قبل الفوات، وألهمنا أخذ العدة للوفاة قبل الموافاة، ونجنا يوم العبور على الصراط حين تنسكب العبرات.

 

اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا، اللهم إن أردت فتنة بعبادكم، فاقبضنا إليك غير مفتونين.

 

اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآنس وحشتنا، واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، ومن فوقنا ومن تحتنا.

 

اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين...

 

 

المرفقات

الأمل1

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات