طبقات المكلفين يوم القيامة -1

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2014-01-25 - 1435/03/24
التصنيفات: الحياة الآخرة
عناصر الخطبة
1/ تفاوت طبقات المكلفين في الآخرة 2/ طبقات أهل الجنة: أولي العزم, طبقة من عداهم من , طبقة الأنبياء, ورثة الرسل, أئمة العدل, المجاهدون, المحسنون, أهل الطاعة 3/درجات السبق في الآخرة: درجة العلم, العدل, الجهاد, الصدقة 4/خير طبقات المكلفين

اقتباس

الناس يوم القيامة على طبقات، فريق في الجنة وفريق في السعير، وطبقات المكلفين في الآخرة ثمان عشرة طبقة، نبدأ في ذكر طبقات أهل الجنة، وهم الناجون يوم القيامة، وأول هذه الطبقات -عباد الله- طبقة أولي العزم من الرسل، وهم أكرم الخلق على الله، وأخصهم بالقرب منه...

 

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي خلق الخلق ليعبدوه، وأدرّ عليهم النعم والأرزاق ليشكروه، وأمرهم بحماية أعمارهم، وحفظ أوقاتهم أن يضيعوها سدى؛ ليستفيدوا من حياتهم ويفوزوا بالربح والفلاح حين يلاقوه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، له الحكمة في خلقه وشرعه وله الحكم المطلق بين خلقه, يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل النبيين وإمام المتقين وسيد أولي العزم من المرسلين الذي بعثه الله رحمة للعالمين, وقدوة للعاملين, وحجة على العباد أجمعين، فبيَّن للعباد طرق سيرهم إلى الله ونظّم لهم شؤونهم وأعمالهم في هذه الدنيا وبعد الممات، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليمًا.

 

أيها الإخوة في الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله -عز وجل- وأن نقدم لأنفسنا أعمالاً صالحة؛ تُبيِّض وجوهنا يوم نلقى الله -عز وجل-: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [آل عمران:106-107].

 

عباد الله: تعلمون -حفظكم الله- أن الدنيا دار الإيمان والعمل، وأن الآخرة دار الثواب والعقاب، وأن الدنيا داء الفناء, والآخرة دار البقاء، فتزودوا من دار ممرركم إلى دار مقامكم، وخذوا العبرة ممن رحل قبلكم، واعلموا أن الإنس والجن يوم القيامة على طبقات وأصناف, وكذا منازلهم في الجنة درجات, وفي النار دركات، كل بحسب عمله، ولا يظلم ربك أحدًا.

 

أيها الإخوة: الناس يوم القيامة على طبقات، فريق في الجنة وفريق في السعير، وطبقات المكلفين في الآخرة ثمان عشرة طبقة، نبدأ في ذكر طبقات أهل الجنة، وهم الناجون يوم القيامة، وأول هذه الطبقات -عباد الله- طبقة أولي العزم من الرسل، وهم أكرم الخلق على الله، وأخصهم بالقرب منه، فهم رسله المصطفون من عباده الذين سَلَّم عليهم في العالمين كما قال -سبحانه-: (وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ)  [الصافات: 181].

 

فالله -عزَّ وجلَّ- اختص رسله بوحيه، وجعلهم أمناء على رسالته، وواسطة بينه وبين عباده، وخصهم بأنواع كراماته: فمنهم من اتخذه خليلاً كما قال -سبحانه-: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) [النساء: 125]، ومنهم من كلمه تكليماً كما قال -سبحانه-: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) [النساء: 164]، ومنهم من رفعه مكاناً علياً كما قال -سبحانه- عنه: (وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا) [مريم: 57]، ورفع بعضهم فوق بعض درجات كما قال -سبحانه-: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ) [البقرة: 253].

 

فهؤلاء الرسل أقرب الخلق إليه وسيلة، وأرفعهم عنده درجة، وأحبهم إليه، وأكرمهم عليه، وخير الدنيا والآخرة إنما ناله العباد بفضل الله على أيدي الرسل الكرام فصلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين.

 

أيها الأحبة الكرام: لم يجعل الله لعباده وصولاً إليه إلا من طريقهم، ولا دخولاً إلى جنته إلا خلفهم، ولم يكرم أحداً من خلقه بكرامة إلا على أيديهم، ولِمَ لا؟! وبالرسل عُرف الله تعالى، وبهم عُبِدَ وأُطيعَ، وبهم حصلت محابّه تعالى في الأرض من الإيمان والتقوى، والعبادات والطاعات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، والجهاد في سبيل الله، إلى غير ذلك مما يحبه الله ويرضاه.

 

عباد الله: وطبقة الأصفياء هذه متفاوتة، فالأنبياء والرسل درجات، وأعلاهم منزلة أولو العزم من الرسل، وهم المذكورون في قوله -سبحانه-: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) [الشورى: 13]. وأفضل أولي العزم سيد الأولين والآخرين محمد -صلى الله عليه وسلم-. فهؤلاء هم الطبقة العليا من الخلائق، وعليهم تدور الشفاعة، حتى يردوها إلى أفضلهم وخاتمهم محمد  -صلى الله عليه وسلم-، جعلنا الله وإياكم ممن تنالهم شفاعته.

 

أيها المسلمون: والطبقة الثانية: طبقة من عداهم من الرسل على مراتبهم ودرجاتهم عند ربهم، وقد ذكر الله منهم في القرآن من الأنبياء والرسل خمسةً وعشرين، ومنهم من لم يقص الله علينا أخبارهم، ولا نعلم أسماءهم فنؤمن بهم إجمالاً كما قال -سبحانه-: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ) [غافر: 78].

 

أيها الإخوة: الطبقة الثالثة: طبقة الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، والنبي -عباد الله- هو من أوحى الله إليه بشرع سابق ليُعلِّم مَن حوله من أصحاب ذلك الشرع ويجدده، كما يطلق فنقول أنبياء بني إسرائيل، سلسلة متواصلة من النبيين يحيون دعوة موسى -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام-، وهم درجات كما قال -سبحانه-: (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) [الإسراء: 55].

 

والرسول -إخواني- هو من أوحى الله إليه بشرع وأمره بإبلاغه إلى مَن لا يعلمه، أو يعلمه ولكنه خالفه، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولاً. ولم تخلُ أمة من رسول يبعثه الله تعالى بشريعة مستقلة إلى قومه، أو نبي يوحي إليه بشريعة مَنْ قبله ليجددها، كما قال -سبحانه-: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [النحل: 36].

 

والطبقة الرابعة –أيها الإخوة- طبقة ورثة الرسل، وهؤلاء هم خلفاء الرسل في أممهم، وهم القائمون بما بُعثوا به علماً وعملاً، ودعوة للخلق إلى الله على طريقهم ومنهاجهم، جعلنا الله وإياكم منهم.

 

وهذه أفضل مراتب الخلق بعد الرسل والأنبياء، وهي مرتبة الصديقية، ولهذا قرنهم الله في كتابه بالأنبياء فقال -سبحانه-: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا) [النساء: 69-70].

 

وهؤلاء هم الربانيون، وهم الراسخون في العلم، وهم الوسائط بين الرسول وأمته، فهم خلفاؤه وأولياؤه، وهم حملة دينه إلى الناس، وهم المضمون لهم أنهم لا يزالون على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك.

 

والصالحون من أتباع الرسل هم أفضل درجات الأمة بعد الأنبياء والمرسلين، ولو لم يكن من فضلهم وشرفهم إلا أن كل من علم وعمل بتعليمهم وإرشادهم، أو علَّم غيره شيئاً من ذلك؛ كان له مثل أجره على آباد الدهور. قال النبي  -صلى الله عليه وسلم-  لعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه- مبيناً فضل الدعوة إلى الله: "انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، وَأخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ الله? فِيهِ، فَوَالله لأنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِدًا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ" [أخرجه  البخاري: 3701 ، ومسلم: 2406].

 

وبيّن -صلى الله عليه وسلم- أن أجر هؤلاء لا ينقطع بموتهم فقال -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" [أخرجه مسلم: 1631]. وأخبرنا نبينا -صلى الله عليه وسلم- أن تعليم الناس الخير فيه رفعة وأجر في الدنيا والآخرة، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ سَنَّ فِي الإسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أجْرُهَا، وَأجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِنْ أجُورِهِمْ شَيْءٌ" [أخرجه مسلم: 1017].

 

فيا لها من مرتبة ما أعلاها، ومنقبة ما أجلها، وحلة ما أجملها، أن يكون المرء في حياته مشغولاً ببعض أشغاله، أو في قبره صار أشلاء ممزقة، وأوصالاً متفرقة، وصحف حسناته متزايدة، تملى بالحسنات كل وقت، وأعمال الخير مهداة إليه من حيث لا يحتسب: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الجمعة: 4].

 

فكم اهتدى أناس بسبب هؤلاء؟ وكم زال من البدع بسبب تعليمهم السنن؟ وكم تعلّم من الناس على يديهم؟ وكم زال من ظلمات الجهل بسبب توجيههم وإرشادهم؟ وكم حصل من الخير على أيديهم؟ وكم رفع عن الأمة من البلاء والعقوبات لأجل نصحهم؟ ولهذا رفع الله مقامهم بين العالمين.

 

أيها الناس: الطبقة الخامسة: الحكام والولاة من أئمة العدل وولاته، وفضلهم كبير، فهم الذين تُؤْمَن بهم السبل، ويستقيم بهم العالم، ويستنصر بهم الضعيف، ويذل بهم الظالم، ويأمن بهم الخائف، وتقام بهم الحدود، ويُدفع بهم الفساد، ويقام بهم حكم الكتاب والسنة، ويُدفع بهم شر الأعداء, يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويجاهدون في سبيل الله، وتطفأ بهم نيران البدع والضلالة.

 

وهؤلاء الذين تُنصب لهم منابر من نور عن يمين الرحمن يوم القيامة كما قال -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ الْمُقْسِطِينَ، عِنْدَ الله، عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا" [أخرجه مسلم: 1827]. وهم أحد الأصناف السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله كما قال النبي  -صلى الله عليه وسلم- : "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ: الإمَامُ، الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي الله? اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقال إنِّي أخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ" [أخرجه  البخاري: 660 ، ومسلم: 1031].

 

والجزاء من جنس العمل، فلما كان الناس في ظل عدلهم في الدنيا كانوا في ظل عرش الرحمن يوم القيامة، ظلاً بظل جزاءً وفاقاً. فيا لها من مرتبة ما أشرفها!، ومنزلة ما أعلاها!، أن يكون الوالي أو الإمام على فراشه، والناس يعملون بالخير، ويتلون القرآن، وتقوم سوق البر والأعمال الصالحة في كل مكان، وكل زمان، في كل مدينة، وكل قرية، وكل بيت، وكل مسجد، وكل سوق، وكل ذلك يكتب في صحائف حسناته، وتزداد كل وقت، ما دام يعمل بعدله، وما دام ناصحاً لرعيته. وأين هذا من الإمام الغاشّ لرعيته الظالم لهم، الذي قد حرّم الله عليه الجنة، وأوجب له النار؟!.

 

أيها المسلمون: والطبقة السادسة: المجاهدون في سبيل الله، وهؤلاء هم جند الله الذين يقيم بهم دينه، ويدفع بهم بأس أعدائه، وهم الغزاة الذين يقاتلون أعداء الله ليكون الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا. قد بذلوا أنفسهم في محبة الله ونصر دينه، وهم شركاء لكل من يحمونه في أعمالهم التي يعملونها، وإن باتوا في ديارهم، ولهم مثل أجور من عَبَدَ الله بسبب جهادهم وفتوحهم، فإنهم كانوا هم السبب فيه، نسأل الله أن يعيننا على تسنم هذه الذرى العالية.

 

أيها الإخوة: وقد حث الله -عزَّ وجلَّ- عباده المؤمنين على الجهاد في سبيل الله، ورغبهم فيه، وأجزل لهم الأجر عليه فقال -سبحانه-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [الصف: 10-11].

 

فهذه الدرجات الثلاث هي درجات السبق: درجة العلم والدعوة, ودرجة العدل, ودرجة الجهاد. وبها سبق الصحابة -رضي الله عنهم-، وأدركوا مَنْ قبلهم، وسبقوا مَنْ بعدهم فهم السبب في وصول الإسلام إلينا, وهم السبب في تعليم كل خير وهدى تُنال به السعادة والنجاة, وهم أعدل الأمة فيما ولوه, وهم أعظمهم جهاداً في سبيل الله.

 

والأمة تنعم في آثار علمهم وعدلهم وجهادهم إلى يوم القيامة، فلا ينال أحد منهم مسألةَ علمٍ نافع إلا على أيديهم، ولا يسكن بقعة من الأرض آمناً إلا بسبب جهادهم وفتوحهم، ولا يحكم إمام بعدل وهدى إلا كانوا هم السبب في وصوله إليهم. فلهم من الأجور بقدر أجور الأمة إلى يوم القيامة، مضافاً إلى أجر أعمالهم، فسبحان من يختص برحمته وفضله من يشاء!.

 

نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من عباده الصالحين، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنّه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله مستحق الحمد وأهله المجازي خلقه جزاءً دائرًا بين فضله وعدله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ملكه وحكمه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل خلقه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومتبعي هديه وسلم تسليمًا.

 

فاتقوا الله -عباد الله- وخذوا ليوم القيامة عُدته، فإنه مصيركم لا محالة وموعودكم لا ريب فيه، وإنه ليوم عظيم هوله، كثيرة شدائده، نسأل الله أن ينجينا وإياكم من كرب يوم القيامة.

 

أيها الإخوة: والطبقة السابعة: المحسنون إلى الخلق وهم أهل الإيثار والصدقة، وهم أهل الإحسان إلى الناس بأموالهم على اختلاف حاجاتهم ومصالحهم من تفريج كرباتهم، ودفع ضروراتهم، وكفايتهم في مهماتهم، فهم أحد الصنفين في قوله  -صلى الله عليه وسلم-: "لا حَسَدَ إلا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا" [أخرجه البخاري73، ومسلم : 816].

 

ومعنى ذلك أنه لا ينبغي لأحد أن يغبط أحداً على نعمة، ويتمنى مثلها إلا أحد هذين، وذلك لما فيهما من منافع، النفع العام، والإحسان المتعدي إلى الخلق، فهذا ينفعهم بعلمه، وهذا ينفعهم بماله، والخلق كلهم وأحبهم إليه أنفعهم لعباده, وهذان الصنفان أنفع الناس لعباد الله، ولا يقوم أمر الناس ولا يعمر العالم إلا بهما.

 

عباد الله: وقد مدح الله أهل الإنفاق في سبيل الله، وأثنى عليهم، وبين عظمة أجورهم فقال -سبحانه-: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [البقرة: 274].

 

وأرشدنا -سبحانه- إلى أنه يضاعف لهم أجورهم، فقال -سبحانه-: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [البقرة: 261 - 262].

 

فهذه الطبقات الأربع من طبقات الأمة، هم أهل الإحسان والنفع المتعدي وهم: العلماء والدعاة, وأئمة العدل, وأهل الجهاد, وأهل الصدقة وبذل الأموال في مرضاة الله. فهؤلاء ملوك الآخرة, وصحائف حسناتهم متزايدة, تملى بها الحسنات وهم في بطون الأرض, ما دامت آثارهم في الدنيا. فيا لها من نعمة ما أجلها، وكرامة ما أعظمها، والله يختص برحمته من يشاء، وهو أعلم حيث يجعل رسالته، والله عليم حكيم.

 

عباد الله: والطبقة الثامنة: من فتح الله له باباً من أبواب الخير القاصر على نفسه كالصلاة، والحج والعمرة، وقراءة القرآن، والصيام، والاعتكاف، والذكر وغير ذلك، مع القيام بأداء فرائض الله عليه، فهذا قد جاهد في تكثير حسناته, وملء صحيفته, وإذا عمل خطيئة تاب منها إلى الله. فهذا على خير عظيم، وله ثواب أمثاله من أعمال الآخرة، ولكن ليس له إلا عمله، فإذا مات طويت صحيفته.

 

نسأل الله أن يدخلني وإياكم في عباده الصالحين، اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأخرتنا التي إليها معادنا، وأجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر.

 

 

 

 

 

المرفقات

المكلفين يوم القيامة -1

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات