ضوابط الربح المباح

صلاح بن محمد البدير

2020-11-09 - 1442/03/23
عناصر الخطبة
1/المحرّك للمبادلات التجارية والمعاملات الاقتصادية 2/ضوابط الربح المتحصل عن الاتجار والاستثمار 3/من صور البيوع المحرمة 4/حكم التسعير في الإسلام 5/الحث على الكسب الحلال.

اقتباس

ومن دخل في شيء من تعاملات السوق، أو تواطأ أو تآمر على إلحاق العنت والضرر بالمستثمرين، واستغل جهلهم وعدم خبرتهم للتوصل إلى التلاعب بأموال الضعفاء وسلب ثروات المساكين والإفساد عليهم بالخديعة والمكر والحيلة؛ فهو متوعَّد بالعذاب...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله ذي الفضل والآلاء، نحمدك اللهم على ما أوليت وأسديت ونشكرك على ما منحت وأعطيت ونستهديك فاهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نرجو بها النجاة من زمرة من أغويت.

 

وأشهد أنَّ نبينا وسيدنا محمداً عبدك ورسولك وصفيك وخليلك بلغ ما أنزلت وصدع بما أوحيت، اللهم صلِّ وسلِّم عليه أفضل ما على أحدٍ سلمت وصليت وعلى آله الخيرة النجباء وأصحابه البررة الكرماء الذين ائتمروا بما أمرت واجتنبوا ما نهيت.

 

أما بعد فيا أيها المسلمون: اتقوا الله؛ فإن تقواه أفضل مكتسب وطاعته أعلى نسب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران:102].

 

أيها المسلمون: الرغبة في تنمية رأس المال، ومبادلة السلع بما هو أنفس منها هو الدافع للمبادلات التجارية والمحرّك للمعاملات الاقتصادية، والحافز على حركة تقليب الأموال وتصريفها، وتحمُّل أخطار تنميتها واستثمارها، والغاية العظمى لكل التجار وأهل الاستثمار سلامة رأس المال وتحصيل العوائد الاستثمارية والإيرادات الربحية.

 

والتجر والضرب في الأرض لقصد ابتغاء الفضل وطلب النماء جائز لا حرج فيه قال -جل في علاه-: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ)[البقرة:198].

 

وعن شبيب بن غردقة قال: سمعت الحي يتحدثون عن عروة أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أعطاه ديناراً يشتري له به شاة؛ فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار فجاءه بدينار وشاة؛ فدعا له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه"(أخرجه البخاري).

 

ولكن الشارع الحكيم جعل للربح المتحصل عن الاتجار والاستثمار ضوابط يجب مراعاتها ليكون ربحاً مباحاً ونماء حلالاً يتحقق به النمو الأمثل والعدالة بين الناس، وتراعى فيه المصالح العامة والخاصة ومن تلك الضوابط:

 

أولاً: أن لا تكون التجارة في بيع المحرمات أو وسائلها؛ كالأموال المستثمرة في القنوات الإباحية وما في حكمها، والأموال المستثمرة في بيع المجلات المشتملة على صور النساء المتبرجات والدعوة إلى الفاحشة ومقدماتها، والأموال المستثمرة في بيع آلات اللهو والطرب وأشرطة الغناء وأفلام المجون والفجور، والأموال المستثمرة في بيع المخدرات والمسكرات والخمور والدخان، ونحوها.

 

عن كعب بن عجرة -رضي الله عنه- قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يا كعب بن عجرة إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به"(أخرجه الترمذي).

 

ثانياً: ألا يكون الربح ناشئاً عن الربا أو الحيل الربوية التي صورتها صورة البيع وحقيقتها حقيقة الربا؛ فكل زيادة تحصَّلت عن طريق الربا فهي حرام قال -جل في علاه-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ)[البقرة:278-279]؛ فأذن الله لهم بعد التوبة برؤوس الأموال ونهاهم عن أخذ الزيادة الربوية.

 

عن جابر -رضي الله عنه- قال: "لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء"(أخرجه مسلم)، وعن عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة"(أخرجه ابن ماجه)، وفي لفظ للحاكم: "الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قُلٍّ".

 

ويقول الحسن: "إياكم وما خالط هذه البيوع من الربا؛ فإن الله قد أوسع الحلال وأطابه فلا تلجئنكم  إلى معصيته فاقة".

 

ثالثاً: ألا يكون الربح ناشئاً عن الغبن الفاحش مع التغرير بذكر أوصاف غير حقيقية بقصد استثارة رغبة الطرف الآخر في إبرام العقد أو بكتمان العيب، وهو نوع من الخيانة والإجحاف والغش والخديعة؛ فعن عقبة بن عامر -رضي الله عنه-: قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعاً فيه عيب إلا بينه له"(أخرجه ابن ماجه).

 

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رَسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "مَرَّ علَى صُبْرَةِ طَعامٍ فأدْخَلَ يَدَهُ فيها، فَنالَتْ أصابِعُهُ بَلَلاً فقالَ: ما هذا يا صاحِبَ الطَّعامِ؟ قالَ أصابَتْهُ السَّماءُ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: أفَلا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعامِ كَيْ يَراهُ النَّاسُ، مَن غَشَّ فليسَ مِنِّي"(أخرجه مسلم).

 

ويدخل في ذلك النجش، وهو الزيادة في ثمن السلعة ممن لا يريد شراءها؛ لقصد رفع السعر ونفع البائع؛ إما لقرابة أو لفائدة ترتَجى أو لقصد إضرار المشتري، قال ابن أبي أوفى:  "الناجش آكل ربا خائن، وهو خداع باطل لا يحل".

 

ومن التغرير والخديعة: استغلال أحد المتعاقدين ضيق حالة الطرف الآخر أو عدم خبرته ليستجره إلى عقود غبن فاحش جشعاً وطمعاً وحيلةً ومكراً.

 

رابعاً: ألا يكون الربح ناشئاً عن الغرر وهو ما انطوى عن العاقد أمره وخفي عليه عاقبته وهو قائم على المخاطرة والجهالة؛ فيبذل ماله مخاطراً رجاء الحصول على مال مجهول قد يغنم وقد يغرم، وحاصله بيع المعدوم والمعجوز عنه والمجهول المطلق في ذاته أو جنسه أو صفاته وهو بيع محرم، عن أبي هريره -رضي الله عنه- قال: "نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر"(أخرجه مسلم).

 

ومن صوره: عمليات اليانصيب وبيع ما في ذمم الناس كالمماطلين والمعسرين، والجوائز الخفية التي توضع في بعض السلع بقصد استنزاف ثروات الناس وبيعها عليهم بأغلى من ثمنها المعتاد، وحملهم على الاستكثار من السلع بلا حاجة إليها رجاء الظفر بتلك الجوائز.

 

ومن صور الغرر والمقامرة: بذل العِوَض في المغالبات إلا السهام والإبل والخيل، وما يتقوى به على الجهاد والمراهنة في سبيل العلم، ومن صور القمار: بذل المال في المغالبات المحرمة كالنرد والشطرنج وما في حكمهما.

 

عن بريدة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزيرٍ ودمه"(أخرجه مسلم).

 

خامساً: ألا يكون الربح ناشئاً عن احتكار السلع وادخارها المفضي إلى إضرار الناس والتضييق عليهم بالغلاء ورفع الأسعار. عن معمر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يحتكر إلا خاطئ"(أخرجه مسلم)، والخاطئ هو العاصي الآثم.

 

أيها المسلمون: لقد أعطى الشارع المتعاقدين الحرية في تحرير السعر والتراضي عليه بينهما؛

فعن أنس -رضي الله عنه- قال: غلا السعر على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: يا رسول الله سَعِّرْ لنا. فقال: "إنّ الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحد يطلبني بمظلمة في دم ولا مال"(أخرجه الترمذي)؛ فدلَّ الحديث على نهي الإمام أو نائبه على السوق عن جَبْر الناس على بيع سلعهم بسعر معين بلا زيادة ولا نقصان؛ إلا أن يقع ظلم على الناس وتضييق عليهم لا يمكن دفعه عنهم وصيانة حقوقهم وحفظ أموالهم إلا بالتسعير؛ فيتعين التسعير في أصح قولي العلماء بما لا يكون فيه ظلم ولا إجحاف بأحد المتبايعين رعايةً للمصالح العامة المقدَّمة على المصالح الخاصة.

 

قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "وجماع الأمر أن مصلحة الناس إذا لم تتم إلا بالتسعير سعّر عليهم تسعيرَ عدلٍ لا وكس ولا شطط، وإذا اندفعت حاجاتهم وقامت مصلحتهم بدونه لم يفعل".

 

أيها المسلمون : ومن دخل في شيء من تعاملات السوق، أو تواطأ أو تآمر على إلحاق العنت والضرر بالمستثمرين، واستغل جهلهم وعدم خبرتهم للتوصل إلى التلاعب بأموال الضعفاء وسلب ثروات المساكين والإفساد عليهم بالخديعة والمكر والحيلة؛ فهو متوعَّد بالعذاب وسوء المصير.

 

عن معقل بن يسار -رضي الله عنه- قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "مَن دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليهُ عليهم؛ فإن حقّاً على الله أن يُقْعِده بعظم من النار يوم القيامة"(أخرجه أحمد).

 

وقانا الله وإياكم المسالك الرديئة والمكاسب الخبيثة، وكفانا بحلاله عن حرامه، وأغنانا بفضله عمن سواه. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه وسلم تسليما كثيراً.

 

أما بعد: فيا أيها المسلمون اتقوا الله وراقبوا وأطيعوه ولا تعصوه (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)[التوبة:119].

 

أيها المسلمون: أجملوا في الطلب، وجانبوا الشُّبَه، وحاذروا المخاطرة والمقامرة وتبعات الحرص على الزيادة والمكاثرة، وإياكم والجشع والطمع؛ فإنه يسلب النفس فضائلها، ويمنعها من أداء الواجب عليها، ويبعث على التورط في الشبهات وقلة التحرُّز من المحرمات، وتراحموا بينكم، وليعطف قويكم على ضعيفكم وغنيكم على فقيركم، وكونوا عباد الله إخواناً وعلى الخير أعواناً.

 

واعلموا أن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الآل والصحب الكرام، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين واحم حوزة الدين يا رب العالمين.

 

اللهم أدم على بلاد الحرمين الشريفين أمنها ورخاءها وعزّها واستقرارها، ووفِّق قادتها لما فيه عز الإسلام والمسلمين وخدمة الحجاج والزوار والمعتمرين، اللهم وَفِّق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضاه، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وهيئ له البطانة الصالحة الناصحة التي تدله على الخير وتعينه عليه يا رب العالمين.

 

اللهم أعتقنا من رقّ الذنوب، وخلِّصنا من أشر النفوس، وباعد بيننا وبين الخطايا وأجرنا من الشيطان الرجيم، اللهم طيّبنا للقائك، وأدخلنا في حزب أوليائك، وارزقنا الرضا بقضائك، وقنعنا بعطائك، واكفنا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك، وتوفنا مسلمين يا رب العالمين.

 

اللهم اجعل رزقنا رغداً ولا تشمت بنا أحداً، ولا تجعل لكافر علينا يداً يا عظيم العفو يا واسع المغفرة يا قريب الرحمة هب لنا من لدنك مغفرة ورحمة.

 

عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون؛ فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

 

المرفقات

ضوابط-الربح-المباح.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات