شرح وتأصيل للحكمة الشهيرة (قيمة كل امرئ ما يحسن)

أحمد بن ناصر الطيار

2013-01-27 - 1434/03/15
التصنيفات: التربية
عناصر الخطبة
1/ من أفضل ما يُعْطاه العبد الحكمة في أقواله وأعماله 2/ قيمةُ كلِّ امرئٍ في أمرين 3/ احترام التخصص يسهم في تقدم المجتمع 4/ المتجرئون على الدين أولى الناس بهذه القاعدة

اقتباس

وقد كان الصحابة -رضي الله عنهم-، يسيرون على هذا المنهجِ القويم، والصراطِ المستقيم، فقد كانوا -رضي الله عنهم- متباينين في الطاقات والقدرات، وكلٌّ أخذ بالعمل الذي يحسنه، وتركَ ما لا يُحسنه ويُتْقنه، فخالدٌ سيف الله المسلول، يُحسن القتال والجهاد، لكنَّه في العلم والفتوى قليلُ الزاد، فكرَّس عمله في الجهاد وأتقنَه، وترك...

 

 

 

 

الحمدُ لله الملكِ الديَّان، خلق الإنسان وعلَّمه البيان، وجعلَ من البيان سِحْرًا للقلوبِ والأذهان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق عبادَه بأحسن صورةٍ وإتْقان، وأمرهم بإتْقانِ أعمالهم على الدوام، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بلَّغ الرسالةَ وأدَّى الأمانةَ بلا تقصيرٍ أو نُقْصان، صلى الله وسلم عليه، وعلى آله وأصحابه أولي الفضلِ والإحسان، الذين نشروا دين الله في سائرِ البُلْدان، ومن تبعهم بإحسانٍ وإيمان.

أما بعد:

فاتقوا الله -أيها المسلمون- واعلموا أنَّ مِنْ أفضل ما يُعْطاه العبد، الحكمةَ في أقواله وأعماله، فهي نعمةٌ لا يستحقها ولا ينالُهَا، إلا من أراد الله به خيرًا، قال تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا).

الحكيمُ يَنْتَفِعُ به الكثيرُ من البشر، ويندُرُ منه الخطأ والضَّرر، وتصدُرُ منه الحِكَمُ والدُرر.

ومن بين هؤلاء الحكماء، والفصحاء والبلغاء، عليُّ بن أبي طالبٍ -رضي الله عنه وأرضاه-، زوجُ فاطمةَ الزهراء، وأبو الحسنِ والحسين -رضي الله عنهما-، سيِّديْ شباب أهل الجنة.

فقد حُفظتْ عنه حكمٌ عظيمة، وعباراتٌ بليغة، ومِن أحسن وأنفع حِكمه، وأبْهى وأزكى دُرره، حكمةٌ قال عنها الأديبُ الجاحظُ، في كتابه البيانِ والتبيين، الذي جمع فيه الحكمَ والبلاغةَ والفصاحة، من العصر الجاهليّ، إلى العصر الإسلاميّ، ومع ذلك قال عنها: "لو لم نَقِفْ من هذا الكتاب، إلاَّ على هذه الكلمة، لوجدناها شافية كافية، ومجْزِيةً مُغْنِيةً، بل لَوَجدناها فاضلةً عن الكِفاية، غيرَ مقصِّرةٍ عن الغاية".

وقال عنها الحافظ ابنُ عبد البر -رحمه الله-: "هي مِنَ الكلام العجيبِ الخطير، وقد طار الناسُ إليه كلَّ مطير".

نعم، هذا قدرها ومكانتُها، عند هؤلاء العلماء والبلغاء، وهذه الحكمةُ هي قولُه -رضي الله عنه-: "قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسِنُ".

هي في العدد أربعُ كلمات، لكنَّها تزن في قدْرها الجبالَ الراسيات.

وهذه الحكمةُ العظيمة تعني أنَّ قيمةَ المرء ومنزلتَه بأمرين مُهِمَّيْن، بهما تستقيم حياةُ الفرد والمجتمع، وتسمو بهما الأمَّةُ نحو النجاح والفلاح، في حاضر دنْياهم وأُخراهم:

الأمر الأول: أنْ يعمَل بجدٍّ وإخلاص، فيما يُحسنه ويُتْقنه من عِلْمٍ وعَملٍ.

الأمر الثاني: أن لا يخوضَ ويَعمل ويتكلَّم، بغير ما يُحسنه ويُتْقنه.

فقيمةُ ومكانةُ كلِّ واحد، فيما يُجيدُه ويُتْقنه من عِلْمٍ وعَملٍ، فإذا أخلَّ بما يُحْسنه ويُجيْدُه، أو عمل بغير ما يُحسنه ويُتْقنه، وخاض بغير تخصُّصه ومجاله: ذهبت قيمته ومكانته، وسقط من أعيُن الناس، وصار مُعَرَّضًا لطعنهم واتِّهامِهم له، وأفْسَدَ فسادًا عظيمًا.

فأما الأمرُ الأول: وهو أنْ يعمَل بجدٍّ وإخلاص وإتقان، فما أجملَ أنْ تقوم -أيُّها الْمُؤمن- بعملك ووظيفتك، بأمانةٍ ونصحٍ واجْتهاد، فحينها تَعْظم قِيْمتُك وهمَّتُك، وتنالُ ثقةَ الناس ومحبَّتَهُم. وتَحْظَى بالأجر الجزيل عند الله تعالى.

قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إِنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَزَّ- يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ".

فإتْقَانُ العَمَلِ علامةٌ على مَحَبَّةِ الله، وما أعظمها من ثمرةٍ وفائدةٍ للإخلاص في العمل.

فقيمةُ المعلم والأستاذ: تعليمُه وتربيتُه للطلاب، بإخلاصٍ وصدقٍ وجدّ، فإذا أخلَّ بعمله وقصَّر فيه، سقطت قيمتُه ومنزلتُه عند الله وخلقه.

وقيمةُ الْمَسْؤول والْمُوظف: خِدْمتُه للمواطنين والمراجعين، بإخلاصٍ وأمانةٍ وإتْقان، دون مُحاباةٍ ورشاوٍ وتَمْيِيْزٍ، فإذا أخلَّ بعمله وقصَّر فيه، سقطت قيمتُه ومنزلتُه عند الله وخَلْقه.

وقيمةُ العالم في نشره لعلمه، بتواضعٍ وبشاشةٍ ورفق، وأنْ لا يخاف في الله لومةَ لائم، فإذا كتم العلمَ خوفًا ومداهنة، أو كان سيِّئ الخلُقِ عابسَ الوجه، سقطت قيمتُه ومهابته ونفعه.

وقيمةُ المؤذن والإمام، قيامُهما بالأذان والإمامةِ على أكمل وجه، فإذا حصل منهما أو من أحدِهما، تقصيرٌ وإهمالٌ، وإضاعةٌ للأوقات: سقطت قيمتُهما ومحبَّتهما عند الله وخلْقه.

وأما الأمرُ الثاني: أنْ لا يَعمل بغير ما يُحسنه ويُتْقنه، ويَكِلُ ما لا يُحْسنه لمن يُحسنه.

وهذا -يا أُمَّةَ الإسلام- منهجٌ نبويّ، قام بتأسِيْسِها وتأصِيْلِها محمدٌ -صلى الله عليه وسلم-، فعَنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه-، أَنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فَقَالَ: "لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ". قَالَ: فَلَمْ يُلقِّحوا عَامَئِذٍ، فَخَرَجَ شِيصًا، أي: تمرًا رديئًا، فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ: "مَا لِنَخْلِكُمْ؟!". قَالُوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا، فقَالَ: "أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ". رواه مسلم.

والمعنى: أنتم أعلم بأمر دنياكم مني، وأنا أعلم بأمر آخرتكم منكم.

وفي روايةٍ للإمام أحمد: "إِذَا كَانَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ فَشَأْنَكُمْ بِهِ، وَإِذَا كَانَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ فَإِلَيَّ".

وقد كان الصحابة -رضي الله عنهم-، يسيرون على هذا المنهجِ القويم، والصراطِ المستقيم، فقد كانوا -رضي الله عنهم- متباينين في الطاقات والقدرات، وكلٌّ أخذ بالعمل الذي يحسنه، وتركَ ما لا يُحسنه ويُتْقنه، فخالدٌ سيف الله المسلول، يُحسن القتال والجهاد، لكنَّه في العلم والفتوى قليلُ الزاد، فكرَّس عمله في الجهاد وأتقنَه، وترك الفتوى والجلوسَ للحديثِ لغيره.
 

وهذا حسانُ بن ثابتٍ -رضي الله عنه- يُحسنُ ويُتْقنُ قول الأشعار، ولا يُحسن القتال والإفْتاء، فأتقن ما يُحسنه وترك ما لا يُحسنه.

وهذا أبو ذرٍّ -رضي الله عنه- من أكبر الْمُؤَثِّرِيْن في الدعوة إلى الله، حتى أسلمت جُلُّ غِفارٍ على يديه، ومع ذلك لا يصلح للإمارة والرئاسة، كما أخبره رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-.

فقيمتك في الحياة الذي تحسنه، وميزانك في الحياة الذي تجيده، فاحْذرْ أشدَّ الحذر، أنْ تخوضَ في شيء لا تُحْسنه ولا تجيدُه، فتسْقُطُ قيمتُك وثقتُك أمام الناس، وأعظمُ من ذلك، أنْ تسقط قيمتك عند الله تعالى، إذا كان خوضُك في أمور الدين والشرع.

فقيمةُ العالمِ عِلْمُهُ الذي يُحْسنه، ولو خاض بغيرِ ما يُحسنه لأفسد وكرهه الناس، وقيمةُ الشاعرِ قولُه للشِّعْرَ الذي يُحْسنه، ولو خاض بغيرِ ما يُحسنه لجاء بالفساد.

وقيمةُ التاجر إحسانُه وبذله لمالِه.

ويُقال كذلك في حقّ الطبيب والمهندس وغيرِهم.

وإذا طبَّق هذا المنهجَ الفردُ والْمُجتمع، واقْتصروا على تخصُّصهم ومَجَالهم، واحْترم كلُّ واحدٍ منهم تخصُّصَ الآخر، لسار الْمُجتَمعُ بأحسنِ حال، وحالفهم التَّوفِيقُ والسداد، في دينهم ودنياهم.

نسأل الله تعالى، أنْ يرزُقنا الحكمة في القول والعمل، وأنْ يُجنبنا الخوض فيما لا نُحسن، إنه سميعٌ قريبٌ مجيب.

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، ولا عُدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهُ الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد:

أيها المسلمون: ويجب أنْ يَفهم هذا الكلام، أولئك الْمُتجرِّئين على دين الإسلام، والخائضين به والْمتأوِّلين له، وليسوا مُتخصصين بالعلْم الشرعي، وهم مِن أحسن الناس في تخصصهم، ولهم مكانةٌ وقبولٌ ونفع، لكنَّهم حينما دخلوا فيما لا يُحسنونه، ولم يتمكَّنوا منه ويُتْقنوه: خلَّطوا في أقوالهم، وأخطؤوا في منهجهم، وجاؤوا بكلام سقيم، وحرَّفوا بالدينِ التحريفَ العظيم.

فلْيعلم هؤلاء وأمثالُهم، أنَّ الشريعةَ الغرَّاء، ليستْ بِرْكَةً يُلوِّثها ويخوضُها من يشاء، ولكنَّها جبلٌ أطولُ ما يكونُ في السماء، لا يصْعدُه إلا الأشدَّاء الأقوياء، الْمُعتادون على صعودِ أمْثاله، الآخذون العُدَّةَ والعتادَ لَصُعودِه.

فكم رأينا مِنْ قُرَّاء للقرْآن، وُضع لهم القَبولُ بين الأنام، لكنَّهم تجرَّؤوا على العلم والفتوى، وهم لم يُحْسنوا العلم ولم يتمكَّنوا منه، فجاؤوا بالطَّوام الكبيرة، والأخطاءِ الكثيرة، وأتوا بفتاوى غريبة، وأقوالٍ شاذة، فسقطت مكانتُهم بين الناس، وأصْبحوا محطَّ سُخْريةٍ واسْتهزاء، بعد أنْ كانوا نُجومًا في السماء.

وبعضُهم تخصَّص في علم النفس والتربية، والآخر تخصَّص في علم الدَّعوةِ والإلقاء، فأحسنوا في مجالهم وتخصُّصهم، فنفعوا وأحسنوا، لكنَّ المصيبة والكارثة، حينما اقْتحموا مجالاً ليس بمجالهم، وخاضوا في الشريعة بعقولهم، وتحليلاتهم وتخميناتهم، فألْصقوا بالدين ما ليس منه، وجاؤوا بتحليلاتٍ فاسدةٍ خاطئة، فسقت مكانتهم عند الكثير من الناس، وقلَّ انْتفاعُ الناس بهم.

اللهم أعذنا من الخطأ والزلل، ووفقنا للصواب في القول والعمل، برحمتك يا أرحم الراحمين.
 

 

 

 

المرفقات

وتأصيلٌ للحكمة الشهيرة (قيمة كل امرئ ما يحسن)

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات