سيول جدة

عبد العزيز بن عبد الله السويدان

2015-06-13 - 1436/08/26
عناصر الخطبة
1/عقيدة المسلم في تقدير الله للمصائب 2/أهمية التواضع وفضله وماهيته 3/بعض حكم تقدير المصائب 4/المطر بين النعمة والنقمة 5/وجوب نصرة المسلمين 6/ضرورة معالجة الفساد الإداري ومحاسبة المهملين والمرتشين

اقتباس

نحن نألم لما حدث لإخواننا في جدة، وفي نفس الوقت ندعو أن يؤتيهم الله خيرا مما أخذ منهم، وندعو لأمواتهم بأن يكونوا شهداء؛ فقد صح في مسلم قوله صلى الله عليه وسلم: "والغريق شهيد".
ونقف الآن بعض المواقف؛ لنتأمل في الحدث. الموقف الأول: تـ..

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102].

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71].

 

أما بعد:

 

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

سيول جده، سيول مدينة جدة حدث مؤلم ومخيف، وهو كذلك مؤشر خطير ينبغي الوقوف عليه، والنظر في أبعاده، واكتساب العبر.

 

اعتدنا -معاشر الإخوة-: في المصائب أن نسترجع ونفوض أمرنا إلى الله، ونستثمر المصاب، فنصبر ونحتسب، حتى تكفر السيئات بالصبر؛ لأن المؤمن يدرك أن كل ما يجري في الكون من أحداث سعيدة، أو مؤلمة هي في النهاية خير، إما في الدنيا أو في الآخرة.

 

فمعتقد المسلم: أن الله -تعالى- لا يخلق شرا محضا، وإنما هو شر بالنسبة لقوم، وخير لآخرين؛ إما من حيث اكتساب المال، أو زيادة الإيمان، أو العبرة العامة والحذر، بل قد يظن الإنسان الشر في أمر ما، وهو في حقيقته خير، والعكس صحيح.

 

قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)[النور: 11].

 

وقال سبحانه: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)[آل عمران: 180].

 

ونرى في آية أخرى أن نزع الملك من أناس، وإيتاءه آخرين، وإعداد أناس، وإذلال آخرين، كل هذا يعود إلى الخير الذي بيده -جل وعلا-، قال سبحانه: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[آل عمران: 26].

 

فجمع بين الإعزاز والإذلال جميعا، وبين الخير الذي بيده.

 

وبذلك صح في مسلم قوله صلى الله عليه وسلم: "لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك".

 

وقال صلى الله عليه وسلم: "عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خير له، وإن أصابته ضراء فكان خيرا له".

 

فنحن نألم لما حدث لإخواننا في جدة، وفي نفس الوقت ندعو أن يؤتيهم الله خيرا مما أخذ منهم، وندعو لأمواتهم بأن يكونوا شهداء؛ فقد صح في مسلم قوله صلى الله عليه وسلم: "والغريق شهيد".

 

ونقف الآن بعض المواقف؛ لنتأمل في الحدث.

 

الموقف الأول: تواضع المسلم:

 

المسلم -أيها الإخوة-: أمام مثل هذه الأحداث وغيرها مما يقع على المسلمين؛ كالزلازل، والفيضانات، والأعاصير، والآفات.

 

المسلم أمام مثل هذه الأحداث، حتى لو كان صالحا، مقيما على الخير؛ يتواضع لله، ويتهم نفسه، قال تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)[الشورى: 30].

 

وقد أمر الله -تعالى- نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يقول لأفضل الناس بعده صحابته الكرام، بعد معركة أحد: (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ)[آل عمران: 165].

 

وقد علمنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو رسول الله، وفي أطهر بيئة: علمنا أن لا نأمن من مكر الله، ففي صحيح البخاري عن عائشة -رضي الله عنه وأرضاها- زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- قالت: "ما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قط مستجمعا ضاحكا، حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم، وقالت: كان إذا رأى غيما، أو ريحا، عرف ذلك في وجهه، قالت: يا رسول الله، الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته، عرفت في وجهك الكراهية ‍؟ قالت: فقال: "يا عائشة، ما يؤمني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب، فقالوا: هذا عارض ممطرنا".

 

وكان العبد الصالح الإمام الفضيل بن عياض -رحمه الله- يقول: "إني لأعصي، فأعرف ذلك في خلق دابتي".

 

والإمام الشافعي -رحمه الله- على قدره، يقول متواضعا لله -تعالى-:

 

شكوت إلى وكيع سوء حفظي *** فأرشدني إلى ترك المعاصي

وقال اعلم بأن العلم نور  *** ونور الله لا يؤتاه عاصي

 

التواضع لله -تعالى- عبادة مهمة لحياة المسلم، وبالتالي ليس من العيب، بل من الفضيلة إذا ما ألمت بالعبد مصيبة أيا كان حاله أن يربطها بتقصيره في حق الله، حتى لو كان مجتهد في العبادة، وعلى أحسن حال.

 

جاء في كتاب الزهد للإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- عن ابن منبه، قال: "كان قبلكم رجل تعبد زمانا، ثم طلب إلى الله -عز وجل- حاجة وصام سبعين سبتا يأكل كل سبت إحدى عشرة تمرة، قال: فطلب إلى الله حاجة، فلم يعطها، قال: فأقبل على نفسه، فقال: أيتها النفس من قبلك أتيت، لو كان عندك خير لأعطيت حاجتك، ولكن ليس عندك خير، فنزل إليه ساعتئذ ملك، فقال: يا ابن آدم ساعتك هذه التي أزريت فيها على نفسك خير من عبادتك كلها التي مضت، وقد أعطاك الله حاجتك التي سألت".

 

التواضع لله -تعالى-.

 

الحاصل: أن المسلم في مثل هذه الأوضاع، وغيرها، يبدي خطأه، يتواضع لله -تعالى-، ويعترف بتقصيره، ويجدد التوبة دائما، حتى لو لم يكن مرتكبا للكبيرة.

 

هذه هي القاعدة، فكيف إذا كان مرتكب لها؟.

 

معاشر الإخوة: إن من الخطأ الجزم والقطع؛ لأن ما جرى في جدة، هو بسبب الذنوب والمعاصي، أو بأسباب أخرى؛ لأن إسقاط الآيات والسنن الجارية على المصائب والكوارث، إنما تكون على سبيل الظن لا الجزم، فقد تكون الكارثة عقوبة لكثرة المعاصي، للجرأة على الله -تعالى-، لانتهاك حرماته، والتعدي على حدوده، وقد لا تكون كذلك، قد تكون للتذكير والموعظة والحذر؛ كقوله تعالى: (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ)[الرعد: 31].

 

قريبا من دارهم، فيحذروا فيتوبوا: (حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ)[الرعد: 31].

 

وقد تكون تمحيصا ورفعة وتطهيرا إذا أرسلت إلى قوم صالحين، كما قال تعالى في حق الصحابة الأخيار بعد أحد: (وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ)[آل عمران: 140].

 

(وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا)[آل عمران: 141].

 

الحاصل: أن الله -تعالى- يبعث بالآيات للناس على مدى الزمان بحكمته البالغة، وبقدر معلوم، زمانا ومكانا، اليوم هنا، وغدا هناك، وبعده هناك، وهكذا -نسأل الله السلامة والعافية-.

 

والمطلوب عند حدوث البلاء ليس الموقف العلمي فقط، ليس التحليل السطحي، ومعرفة أسباب الظاهرة الطبيعية، لا، بل ينبغي أيضا اتخاذ الموقف الإيماني قبل ذلك، ينبغي الخوف والاعتبار والاستغفار؛ كما كانت حاله صلى الله عليه وسلم.

 

عندما تنكسف الشمس، من حديث أبي موسى -رضي الله عنه- قال: "خسفت الشمس، فقام النبي -صلى الله عليه وسلم- فزعا، يخشى أن تكون الساعة، فأتى المسجد، فصلى بأطول قيام وركوع وسجود رأيته قط يفعله، وقال: "هذه الآيات التي يرسل الله، لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوف الله به عباده، فإذا رأيتم شيئا من ذلك، فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره".

 

هذا هو الموقف الأول: التواضع لله، ومحاسبة النفس، والاعتراف بالتقصير والاستغفار، والعزم على التوبة.

 

الموقف الثاني: المطر؛ إما أن يكون غيثا مغيثا هنيئا مريئا.

 

وإما أن يكون بلاءً، وسقي عذاب.

 

والمجتمع المسلم إذا أحسن علاقته بربه، واجتنب مساخطه؛ أحل الله الأمن والأمان في قلوب أهله، فيحسنون الظن بالله -تعالى-، ويرجون فضله ورحمته.

 

فالأصل في المطر الرحمة؛ كما هو الغالب على وصف القرآن للمطر، ولكنه يمكن أن ينقلب من رحمة إلى نقمة؛ كلمح بالبصر، ولذلك نسأل الله عند الاستسقاء أن يجعل المطر غيثا مغيثا مريعا غدقا.

 

هذا هو موقفنا أمام المطر، فالمطر ما زال رحمة للعباد.

 

الموقف الثالث: النصرة؛ يقول صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم؛ مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"[أخرجه مسلم].

 

لقد قرأنا عن ألوان من البطولات التي قام بها أهل الشهامة أثناء محنة جده، سواء كانوا من المواطنين، أو المقيمين المسلمين، أو كانوا من قوات الدفاع المدني.

 

ولا شك أن معادن الرجال تظهر في مثل هذه المواقف.

 

فالنصرة مراتب، لكن أيسر أنواع النصرة التي لا يليق بالمسلم تركه: الدعاء.

 

الدعاء بأن يجبر كسر إخواننا المسلمين هناك، وأن يفرج همهم، ويرحم موتاهم، ويخلفهم خيرا.

 

أسال الله -تعالى- أن يبارك لي ولكم بالقرآن العظيم، وأن ينفعني بما فيه من الذكر الحكيم.

 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

 

وبعد:

 

فكان موقفنا الأول الذي تأملنا فيه: التواضع لله -تعالى-، والتوبة إليه جل وعلا.

 

والموقف الثاني: كان الاعتقاد يستمر بأن المطر رحمة من الله -سبحانه-.

 

والثالث: النصرة للمسلمين في أي مكان وفي كل زمان.

 

المواقف الرابع والأخير: معالجة الفساد الإداري، ومحاسبة المهملين والمرتشين الذين يعيثون في الأرض الفساد، وينهبون مقدرات الأمة، ويفوتون مصالح الملايين على حساب مصلحتهم.

 

إن خيانة الأمانة من أسوأ المعاصي؛ تجلب العقوبات الإلهية، فضلا عن المخاطر المدنية التي يسببها الغش والتزوير، والسكوت عن الباطل.

 

فالواجب البدء بعملية تطهير كان ينبغي أن تتم قبل زمن طويل، وقبل أن تقع الكارثة، وأن نتعظ، ونبدأ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن خرام السفينة كثيرون، ليس في منطقة واحدة، بل في كل منطقة، وإذا لم يأخذ على أيديهم غرقت السفينة كلها بأهلها.

 

وقد صح في مسلم قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قاموا عليه الحد".

 

أسأل الله -تعالى- أن يصرف عنا وعن المسلمين البلاء والمحن.

 

اللهم فرج هم المهمومين، ونفس كرب المكروبين، من عبادك المسلمين.

 

 

 

المرفقات

جدة

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات