سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- (72) غزوتي مؤتة وذات السلاسل

إبراهيم الدويش

2018-12-09 - 1440/04/02
عناصر الخطبة
1/أسباب غزوة مؤتة 2/أحداث غزوة مؤتة وفعالياتها 3/بطولات فذة وتضحيات كبيرة 4/أهم الدروس والعبر المستفادة من غزوتي مؤتة وذات السلاسل.

اقتباس

وكان سبب هذه الغزوة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعث الحارث بن عمير الأزدي بكتابه إلى الشام، إلى أمير بُصْرَى، فعرض له شُرَحْبِيلُ بْنُ عَمْرٍو الْغَسّانِيّ، فأوثقه رباطًا، ثم قدَّمه فضرب عنقه، ولم يُقتل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- رسول غيره. فاشتد ذلك على النبي -صلى الله عليه وسلم-، فجهز جيشًا قوامه ثلاثة آلاف...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد عليه وعلى آله وأصحابه ومن نهج نهجه واستن بسنته أفضل صلاة وأزكى تسليم.

 

أما بعد: عباد الله! فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، السعيد من راقب الله، وأحسن تعامله مع ربه، واتبع هدي نبيه -صلى الله عليه وسلم-، فالمسلم العاقل يتحرَّى سلامة المنهج والذي لن يكون إلا باتِّباع هدي القرآن والسنة، وما أحوجنا في واقعنا لتتبُّع سيرة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، فهو أسوتنا وقدوتنا (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)[الأحزاب:21].

 

ما أحوجنا لهذه السيرة العطرة والوقوف على دروسها وعبرها، وكنا قد بدأنا بسلسلة خطب السيرة النبوية وواقعنا المعاصر، والتي قسمناها لثلاثة مراحل ما قبل ولادته -صلى الله عليه وسلم- حتى بعثته، ومن بعثته -صلوات الله وسلامه عليه- إلى هجرته، والمرحلة الثالثة من هجرته -صلى الله عليه وسلم- إلى وفاته.

 

واليوم نكمل مسيرتنا مع سيرة خير البشر محمد -صلى الله عليه وسلم-، وكنا قد انتهينا بفضل الله من الحديث عن عمرة القضاء وأحداثها وما فيها من دروس وعبر وإسلام مشاهير القوم كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وغيرهما، وها هي الخطبة الثانية والسبعون عن غزوتي مؤتة وذات السلاسل، فأما غزوة مؤتة فقد جرت أحداثها في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة، ومؤتة مدينة تقع في الديار الأردنية جنوب الكرك، وهي الآن قرية عامرة بالسكان. (انظر: المعالم الأثيرة في السنة والسيرة ص: 237).

 

وكان سبب هذه الغزوة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعث الحارث بن عمير الأزدي بكتابه إلى الشام، إلى أمير بُصْرَى، فعرض له شُرَحْبِيلُ بْنُ عَمْرٍو الْغَسّانِيّ، فأوثقه رباطًا، ثم قدَّمه فضرب عنقه، ولم يُقتل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- رسول غيره.

 

فاشتد ذلك على النبي -صلى الله عليه وسلم-، فجهز جيشًا قوامه ثلاثة آلاف قِصاصًا ممن قتل الحارث بن عمير الأزدي، وجعل زيد بن حارثة قائدًا للجيش، فعن عبد الله بن عمر س قال: أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ، وَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ"(البخاري 4261).

 

ومضى الجيش المبارك في طريقه إلى مؤته؛ وعلم هرقل قيصر الروم بخروج جيش المسلمين، فجهز جيشًا قوامه مائتا ألف جندي منهم مائة ألف من الروم، ومائة ألف من قبائل العرب الموالية له كلَخْمٍ وَجُذَامَ، فلما بلغ ذلك جيشَ المسلمين تشاورا فيما بينهم، فقال بعضهم: نكتب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره، فنمضي له. فقام عبد الله بن رواحة خطيبًا في الناس، فقال: "وَاَللَّهِ إنَّ الَّتِي تَكْرَهُونَ، لَلَّتِي خَرَجْتُمْ تَطْلُبُونَ الشَّهَادَةُ، وَمَا نُقَاتِلُ النَّاسَ بِعَدَدِ وَلَا قُوَّةٍ وَلَا كَثْرَةٍ، مَا نُقَاتِلُهُمْ إلَّا بِهَذَا الدِّينِ الَّذِي أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِهِ، فَانْطَلِقُوا فَإِنَّمَا هِيَ إحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ إمَّا ظُهُورٌ وَإِمَّا شَهَادَةٌ"(المعجم الكبير للطبراني (428).

 

فألهبت هذه الكلمات ابن رواحة حماس الجيش فقالوا: والله صدق ابن رواحة، فمضى الناس، وتوجه الجيش صوب مؤتة لملاقاة جيش الروم، فالتقى الناس واقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثة -رضي الله عنه- براية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى شاط -أي: سال دمه، فهلك- في رماح القوم. ثم أخذها جعفر -رضي الله عنه- فقاتل بها، حتى إذا ألحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء -أي: رمى بنفسه عنها-، فعقرها -أي: ضرب قوائمها وهي قائمة بالسيف-.

 

ثم قاتل القوم حتى قُتل. فكان جعفر -رضي الله عنه- أول رجل من المسلمين عَقَر في الإسلام، وقيل: إن جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه- أخذ اللواء بيمينه فقُطعت، فأخذه بشماله فقُطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قُتل -رضي الله عنه- وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء. (انظر: سيرة ابن هشام 2/ 378).

 

فعن نافع أن عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- أخبره "أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى جَعْفَرٍ يَوْمَئِذٍ، وَهُوَ قَتِيلٌ، فَعَدَدْتُ بِهِ خَمْسِينَ، بَيْنَ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ، لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ فِي دُبُرِهِ" يَعْنِي فِي ظَهْرِهِ. (البخاري 4260).

 

نعم أبدله الله -تعالى- جناحين يطير بهما في الجنة عوضًا عن يديه التي فقدها دفاعًا عن راية الإسلام، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن جعفر -رضي الله عنه-: "هَنِيئًا لَكَ يَا عَبْدَ اللهِ، أَبُوكَ يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ فِي السَّمَاءِ"(الطبراني في المعجم الكبير: 190، وحسنه الحافظ في الفتح 7/ 76).

 

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَرَّ بِي جَعْفَرٌ اللَّيْلَةَ فِي مَلَأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَهُوَ مُخَضَّبُ الْجَنَاحَيْنِ بِالدَّمِ أَبْيَضُ الْفُؤَادِ"(الحاكم في المستدرك 4943، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي، وصححه الألباني)

 

فلما قُتل جعفر -رضي الله عنه- أخذ عبد الله بن رواحة -رضي الله عنه- الراية، ثم تقدم بها، وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه، ويتردد بعض التردد، ثم قال:

أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلِنَّهْ *** لَتَنْزِلِنَّ أَوْ لَتُكْرَهِنَّهْ

إنْ أَجْلَبَ (صاح) النَّاسُ وَشَدُّوا الرّنّه (صوت ترجيع كالبكاء) ***مَا لي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الْجَنَّه؟!

قَدْ طَالَ مَا قَدْ كُنْتِ مُطْمَئِنَّهْ *** هَلْ أَنْتِ إلَّا نُطْفَةٌ فِي شَنَّهْ

يَا نَفْسُ إلَّا تُقْتَلِي تَمُوتِي *** هَذَا حِمَامُ الْمَوْتِ قَدْ صَلِيَتْ

وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَدْ أُعْطِيتُ *** إنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُمَا هُدِيتُ

 

يريد صاحبيه: زيدًا وجعفرًا، ثم أخذ سيفه فتقدم، فقاتل حتى قُتل"(سيرة ابن هشام 2/ 379).

 

وباستشهاد عبد الله بن راوحة -رضي الله عنه- أصبح الجيش بلا قائد، فاصطلحوا على اختيار خالد بن الوليد قائدًا للجيش؛ لحنكته وخبرته القتالية، فعن أَبِي الْيَسَرِ بْنِ عَمْرٍو -رضي الله عنه- قال: "أَنَا دَفَعْتُ الرَّايَةَ، إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ وَأُصِيبَ، فَدَفَعْهَا إِلَى ثَابِتِ بْنِ أَقْرَمَ الْأَنْصَارِيِّ، فَدَفَعَهَا إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَقَالَ: لِمَ تَدْفَعُهَا إِلَيَّ؟ قَالَ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِالْقِتَالِ مِنِّي"(الطبراني في الأوسط 1645، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 6/ 157: فيه أبو حمزة الثمالي وهو ضعيف).

 

فتولى خالد بن الوليد -رضي الله عنه- قيادة الجيش، فاستطاع أن يوحد صفوفهم ويجمع شملهم، وناوش الروم حتى أقبل الليل، فأعاد خالد بن الوليد -رضي الله عنه- تنظيم صفوف الجيش، فجعل المقدمة مؤخرة، والمؤخرة مقدمة، والميمنة ميسرة، والميسرة ميمنة، وأشعر الروم بأن مددًا قد وصل للمسلمين.

 

وفي اليوم التالي بدأ يتراجع بالجيش نحو الصحراء شيئًا فشيئًا، فظن الروم أن المسلمين يستدرجونهم إلى كمين في الصحراء، فخافوا من متابعة المسلمين، فانسحب الجيش سالمًا، وقد أصاب بعضَ الغنائم من الروم، وقد أبلى خالد بن الوليد -رضي الله عنه- بلاء حسنًا في هذه المعركة، وتعرَّض لإصابات كثيرة، حتى قال: "لَقَدِ انْقَطَعَتْ فِي يَدِي يَوْمَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ فَمَا بَقِيَ فِي يَدِي إِلَّا صَفِيحَةٌ يَمَانِيَةٌ" -أي: سيف عريض النصل من صنع اليمن- (البخاري 4265).

 

ولم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعيدًا عن أحداث المعركة، فقد شاهدها وعاينها، أخبره ربه بما دار فيها، وأخبر هو أصحابه بما حدث في مؤتة، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ - وَإِنَّ عَيْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم -لَتَذْرِفَانِ- ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ"(البخاري  1246).

 

وفي رواية: "حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ، حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ"(البخاري 4262).

 

وعن أبي قتادة -رضي الله عنه- أن رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- صَعِدَ الْمِنْبَرَ، وَأَمَرَ أَنْ يُنَادَى الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ جَيْشِكُمْ هَذَا الْغَازِي؟ إِنَّهُمْ انْطَلَقُوا حَتَّى لَقُوا الْعَدُوَّ، فَأُصِيبَ زَيْدٌ شَهِيدًا، فَاسْتَغْفِرُوا لَهُ" فَاسْتَغْفَرَ لَهُ النَّاسُ، "ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَشَدَّ عَلَى الْقَوْمِ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا، أَشْهَدُ لَهُ بِالشَّهَادَةِ، فَاسْتَغْفِرُوا لَهُ، ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأَثْبَتَ قَدَمَيْهِ حَتَّى أُصِيبَ شَهِيدًا، فَاسْتَغْفِرُوا لَهُ، ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْأُمَرَاءِ هُوَ أَمَّرَ نَفْسَهُ". فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَقَالَ: "اللَّهُمَّ هُوَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِكَ فَانْصُرْهُ"، فَيَوْمَئِذٍ سُمِّيَ خَالِدٌ سَيْفَ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ-صلى الله عليه وسلم-: "انْفِرُوا، فَأَمِدُّوا إِخْوَانَكُمْ، وَلَا يَتَخَلَّفَنَّ أَحَدٌ" فَنَفَرَ النَّاسُ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ مُشَاةً وَرُكْبَانًا.(أحمد 22551، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 6/ 156: رجاله رجال الصحيح غير خالد بن سمير، وهو ثقة).

 

فخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- وجموع المسلمين لاستقبال الجيش، وزار النبي -صلى الله عليه وسلم- بيوت شهداء مؤتة، وأَمْهَلَ النبي -صلى الله عليه وسلم- آلَ جَعْفَرٍ ثَلاثًا قبل أَنْ يَأْتِيَهُمْ، ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَالَ: "لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ الْيَوْمِ ادْعُوا إلِي ابْنَيِ أخِي" قَالَ عبد الله بن جعفر: فَجِيءَ بِنَا كَأَنَّا أَفْرُخٌ، فَقَالَ: "ادْعُوا إِلَيَّ الْحَلاقَ"، فَجِيءَ بِالْحَلاقِ فَحَلَقَ رُءُوسَنَا، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا مُحَمَّدٌ فَشَبِيهُ عَمِّنَا أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ فَشَبِيهُ خَلْقِي وَخُلُقِي" ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَأَشَالَهَا، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اخْلُفْ جَعْفَرًا فِي أَهْلِهِ، وَبَارِكْ لِعَبْدِ اللَّهِ فِي صَفْقَةِ يَمِينِهِ"، قَالَهَا ثَلاثَ مِرَارٍ، فَجَاءَتِ أمُّنَا فَذَكَرَتْ لَهُ يُتْمَنَا، وَجَعَلَتْ تُفْرِحُ لَهُ، فَقَالَ: "الْعَيْلَةَ تَخَافِينَ عَلَيْهِمْ وَأَنَا وَلِيُّهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ"(أحمد 1750، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 6/ 157: رجاله رجال الصحيح).

 

انظروا ماذا فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- مع أولاد الشهداء "أَنَا وَلِيُّهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ"، اشتكت له زوج الشهيد يتم أولادها، وثقل مؤونتهم، وما ستلقاه من العناء في تربيتهم، طمأنها النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال لها: "الْعَيْلَةَ تَخَافِينَ عَلَيْهِمْ وَأَنَا وَلِيُّهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ"، فتعلموا من نبيكم مساندة أُسر وأولاد الشهداء، فلذات أكبادنا يقفون اليوم على الثغور لحمايتنا وللذب عن الوطن ومقدساته؛ ولرفع راية التوحيد، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، فلا تنسوهم ساندوهم، وساندوا أُسرهم وأولادهم، نسأل الله أن يحفظهم وأن ينصرهم وأن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من كل سوء وشر.

 

ومن أهم دروس هذه الغزوة: بيان حرمة الدم المسلم، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- جهز جيشًا لقتال الروم قِصاصًا لقتل رسول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي هذا إعلان لكل القوى الخارجية مفاده: احذروا الدم المسلم.

 

ومن الدروس أيضًا: قوة بأس صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فثلاثة آلاف مقاتل يتصدون لمائتي ألف من الروم ومن والاهم، أي أن الجندي المسلم واجه أكثر من ستين من جيش العدو، وهذه شجاعة نادرة لا تجدها إلا في المؤمنين حقًّا.

 

ومن الدروس البليغة في تلك الغزوة أن القائد في الجيش الإسلامي هو الإسلام لا الأفراد، فأي جيش يفقد قائده ينهار، فما بالكم بجيش يفقد قادته الثلاثة، ورغم ذلك يتماسك الجيش، ويختار القائد الرابع الذي يأتي فتح الله على يديه، ومن الدروس أيضًا: أهمية الاعتناء بأبناء وأسر الشهداء، ومد يد العون لهم، ودعمهم ماديًا ومعنويًا.

 

عباد الله: وما إن عاد الجيش إلى المدينة، وما هي إلا أيام، حتى جهَّز النبي -صلى الله عليه وسلم- جيشًا بقيادة عمرو بن العاص -رضي الله عنه- وأرسله إلى ذات السلاسل -ماء لبني جذام من المدينة على عشرة أيام-؛ وذلك تأديبًا لقُضَاعة التي غرَّها ما حدث في مؤتة، وكانت قد اشتركت في القتال إلى جانب الروم، فتجمعت؛ بغية الدنو والإغارة على المدينة، فتقدم عمرو بن العاص في ديارها ومعه ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار (انظر: الإشارة إلى سيرة المصطفى ص301).

 

ولما وصل عمرو-رضي الله عنه- إلى مكان تجمع الأعداء بلغه أن لهم جموعًا كثيرة، فأرسل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يطلب المدد فجاءه مددٌ من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقوده أبو عبيدة بن الجراح, وأمره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يكونا جميعًا ولا يختلفا، فكان أبو عبيدة -رضي الله عنه- في طاعة عمرو، وصلى خلفه مأمومًا، ولم تتفرق كلمة المسلمين طاعةً لأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم تهيأ الجيش للقتال، فتوغل عمرو ومن معه في ديار قضاعة التي فرَّت هاربة وتفرقت وانهزمت دون مواجهة. (انظر: إمتاع الأسماع 1/344، 345).

 

وبهذا استطاعت هذه السرية أن تُرجع هيبة المسلمين لأطراف الشام، وأدرك الجميع أن المسلمين آن ذاك قوة لا يُستهان بها، نسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين وأن ينصر دينه وكتابه وسنة نبيه وعباده الصالحين.

 

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

المرفقات

سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- (72) غزوتي مؤتة وذات السلاسل

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات