سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- (71) إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص

إبراهيم الدويش

2018-12-09 - 1440/04/02
عناصر الخطبة
1/تأثير عمرة القضاء على الجزيرة العربية 2/قصة إسلام خالد بن الوليد 3/إسلام عمرو بن العاص 4/آثار إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص.

اقتباس

لبست من صالح ثيابي، ثم عمدت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلقيني أخي فقال: أسرع، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد أُخْبر بك فَسُرَّ بقدومك وهو ينتظركم، فأسرعنا المشي، فاطلعت عليه، فما زال يتبسم إليَّ حتى وقفت عليه، فسلمت عليه بالنبوة، فرد...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أفضل صلاة وأزكى تسليم.

 

أما بعد: عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فالسعيد من راقب الله، وأحسن تعامله مع ربه، والسعيد من اتبع القرآن واتبع هدي نبيه -صلى الله عليه وسلم-، فالمسلم العاقل يتحرى سلامة المنهج والذي لن يكون إلا باتباع هدي القرآن والسنة، وما أحوجنا في واقعنا لتتبع سيرة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، والوقوف على دروسها وعبرها، وتعليمها للرجال والأجيال.

 

وكنا قد بدأنا بسلسلة خطب السيرة النبوية وواقعنا المعاصر، والتي قسمناها لثلاثة مراحل ما قبل ولادته -صلى الله عليه وسلم- حتى بعثته، ومن بعثته -صلوات الله وسلامه عليه- إلى هجرته، والمرحلة الثالثة من هجرته -صلى الله عليه وسلم- إلى وفاته.

 

واليوم نكمل مسيرتنا مع سيرة خير البشر محمد -صلى الله عليه وسلم-، وكنا قد انتهينا بفضل الله من الحديث عن عمرة القضاء وأحداثها وما فيها من دروس وعبر، وها هي الخطبة الواحدة والسبعون.

 

نكمل اليوم أحداث ودروس تلك العمرة المباركة، فقد كانت لعمرة القضاء تأثير كبير على مكة وما حولها بل على عموم الجزيرة العربية، فلا شك أن أهل مكة تأثروا بهذه الأيام الثلاثة التي مكثها النبي -صلى الله عليه وسلم- في مكة، فقد رأوا النبي وأصحابه وهم يطوفون بالبيت العتيق ويسعون بين الصفا والمروة ويصلون في بيت الله الحرام، وسمعهم أهل مكة وهم يلبُّون ويكبرون ويقرأون القرآن، مما جعل العقلاء منهم يفكرون في هذا الدين وينظرون له نظرة جديدة فدخل على أثرها عدد كبير في الإسلام خاصة من مشاهير القوم كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وغيرهم -رضي الله عنهم أجمعين-.

 

ها هو خالد -رضي الله عنه- يحدثنا عن قصة إسلامه، فيقول: "لَمَّا أَرَادَ اللهُ -عَزَّ وَجَل- مَا أَرَادَ بِي مِنَ الْخَيْرِ، قَذَفَ فِي قَلْبِي الْإِسْلَامَ وَحَضَرَنِي رُشْدِي، وَقُلْتُ: قَدْ شَهِدْتُ هَذِهِ الْمَوَاطِنَ كُلَّهَا عَلَى مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-، فَلَيْسَ مَوْطِنٌ أَشْهَدُهُ إِلَّا أَنْصَرِفُ وَأَنَا أَرَى فِي نَفْسِي أَنِّي مُوضِعٌ فِي غَيْرِ شَيْءٍ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا سَيَظْهَرُ، فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ خَرَجْتُ فِي خَيْلِ الْمُشْرِكِينَ، فَلَقِيتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- في أصحابه بِعُسْفَانَ، فَقُمْتُ بِإِزَائِهِ، وَتَعَرَّضْتُ لَهُ فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ الظُّهْرَ أَمَامَنَا فَهَمَمْنَا أَنْ نُغِيرَ عَلَيْهِ ثُمَّ لَمْ يُعْزَمْ لَنَا، وَكَانَتْ فِيهِ خِيَرَةٌ، فَأُطْلِعَ عَلَى مَا فِي أَنْفُسِنَا مِنَ الْهُمُومِ فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْعَصْرِ صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَوَقَعَ ذَلِكَ مِنَّا مَوْقِعًا وَقُلْتُ: الرَّجُلُ مَمْنُوعٌ، فَافْتَرَقْنَا وَعَدَلَ عَنْ سَنَنِ خَيْلِنَا وَأَخَذْتُ ذَاتَ الْيَمِينِ فَلَمَّا صَالَحَ قُرَيْشًا بِالْحُدَيْبِيَةِ وَدَافَعَتْهُ قُرَيْشٌ بِالرَّاحِ -أي: دفعًا خفيفًا-، قُلْتُ فِي نَفْسِي: أَيُّ شَيْءٍ بَقِيَ؟" (دلائل النبوة للبيهقي 4/ 349).

 

فقد بدأ قلب خالد -رضي الله عنه- يشع بنور الإسلام من صلح الحديبية الذي حرص عليه -صلى الله عليه وسلم- وكرهه أصحابه آن ذاك، ولم تبق إلا خطوة تدفع خالد بن الوليد -رضي الله عنه- إلى الإسلام، إنه نور الإسلام يا عباد الله، إنه نور الهدى، الذي إذا أراده الله -تعالى- لعبد قذفه في قلبه بأيِّ سبب من الأسباب، فكانت برسالة من أخيه الوليد بن الوليد، يقول خالد: "دَخَلَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ فَتَغَيَّبْتُ وَلَمْ أَشْهَدْ دُخُولَهُ، فَكَانَ أَخِي الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَدْ دَخَلَ مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ، فَطَلَبَنِي فَلَمْ يَجِدْنِي وَكَتَبَ إِلَيَّ كِتَابًا فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَمَّا بَعْدُ! فَإِنِّي لَمْ أَرَ أَعْجَبَ مِنْ ذَهَابِ رَأْيِكَ عَنِ الْإِسْلَامِ وَعَقْلُكَ عَقْلُكَ، وَمِثْلُ الْإِسْلَامِ يَجْهَلُهُ أَحَدٌ؟! قَدْ سَأَلَنِي رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْكَ، فَقَالَ: "أَيْنَ خَالِدٌ؟" فَقُلْتُ: يَأْتِي اللهُ بِهِ فَقَالَ: "مَا مِثْلُهُ جَهِلَ الْإِسْلَامَ وَلَوْ كَانَ جَعَلَ نِكَايَتَهُ وَجِدَّهُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ كَانَ خَيْرًا لَهُ وَلَقَدَّمْنَاهُ عَلَى غَيْرِهِ"، فَاسْتَدْرِكْ يَا أَخِي مَا قَدْ فَاتَكَ، وَقَدْ فَاتَتْكَ مَوَاطِنُ صَالِحَةٌ، فَلَمَّا جَاءَنِي كِتَابُهُ نَشَطْتُ لِلْخُرُوجِ وَزَادَنِي رَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ"(دلائل النبوة للبيهقي 4/ 350).

 

فشجَّعه ذلك على الهجرة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولكن قبل أن يخرج من مكة، لم لخالد الفارس خالد العاقل خالد الوفي أن يترك أصحابه، فقد رغب في نجاتهم من الكفران والضلال فدعا من يرى فيه الخير من أصحابه إلى الإسلام والهجرة معه إلى المدينة، فعرض على صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل، فرفضا ذلك.

 

ثم عرض الأمر على عثمان بن طلحة فأجابه، وقال: وأنا أريد أن أغدو إلى المدينة، فخرج خالد وعثمان حتى كانا بالطريق بين مكة والمدينة التقيا بعمرو بن العاص -رضي الله عنه- فقال: مرحبًا بالقوم، فقلنا: وبك، قال: أين مسيركم؟ قلنا: ما أخرجك؟ فقال: ما أخرجكما؟ قلنا: الدخول في الإسلام واتباع محمد -صلى الله عليه وسلم-. قال: وذاك الذي أقدمني، قال: فاصطحبنا جميعًا حتى دخلنا المدينة فأنخنا بظهر الحرة ركابنا، فَأُخْبِرَ بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فَسُرَّ بنا. (انظر: دلائل النبوة للبيهقي 4/351).

 

يقول خالد بن الوليد -رضي الله عنه-: لبست من صالح ثيابي، ثم عمدت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلقيني أخي فقال: أسرع، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد أُخْبر بك فَسُرَّ بقدومك وهو ينتظركم، فأسرعنا المشي، فاطلعت عليه، فما زال يتبسم إليَّ حتى وقفت عليه، فسلمت عليه بالنبوة، فرد عليَّ السلام بوجه طلق، فقلت: إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ، قَدْ كُنْتُ أَرَى لَكَ عَقْلًا رَجَوْتُ أَنْ لَا يُسْلِمَكَ إِلَّا إِلَى خَيْرٍ".

 

قلت: يا رسول الله، قد رأيت ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك معاندًا عن الحق، فادع الله يغفرها لي. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ"، قلت: يا رسول الله على ذلك، قال: "اللهُمَّ اغْفِرْ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ كُلَّ مَا أَوْضَعَ فِيهِ مِنْ صَدٍّ عَنْ سَبِيلِكَ"، ما أعظمه من دين، إذا أقبل العبد على الله أقبل الله على العبد، إذا توجه العبد لربه فتح الله -تعالى- له الباب.

 

إذا أراد الله -تعالى- بعبد خير بعد تفكر ونظر وتعقل فتح الله له الخير وغفر الله له "الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ" "اللهُمَّ اغْفِرْ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ كُلَّ مَا أَوْضَعَ فِيهِ مِنْ صَدٍّ عَنْ سَبِيلِكَ"، قال خالد: وتقدم عمرو وعثمان فبايعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان قدومنا في صفر سنة ثمان. (انظر: دلائل النبوة للبيهقي 4/ 351).

 

فهكذا كان فضل الله سبحانه وتعالى على خالد بن الوليد عظيمًا، فهداه للإسلام، فصار جنديًا من أجناده، وبطلًا من أبطاله، وأضحى سيف الله المسلول، وكان له في الإسلام قدم صدق، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

 

وأما عمرو بن العاص -رضي الله عنه- فيحدثنا عن لقائه بالنبي -صلى الله عليه وسلم- فيقول: لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضًا لِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنِّي، وَلَا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ، فَقَتَلْتُهُ، فَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ، قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي، قَالَ: "مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟" قَالَ: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ، قَالَ: "تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟" قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي، قَالَ: "أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا؟ وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟" وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ؛ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ، وَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. (مسلم: 121).

 

فكان إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص -رضي الله عنهما- نصرًا كبيرًا للإسلام والمسلمين، وخسرت قريش بإسلامهما خسارة عظيمة، فخالد بن الوليد -رضي الله عنه- سخَّر عقليته العسكرية الفذة في فتوحات الإسلام، وظهر أثره الحربي في أول غزوة خرج فيها مع المسلمين وهي غزوة مؤتة، حتى وصفه النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "نِعْمَ عَبْدُ اللَّهِ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ" (الترمذي 3846، وصححه الألباني).

 

أما عمرو بن العاص -رضي الله عنه- فقد سخَّر عقله الكبير ودهاءه العظيم لصالح الإسلام. وبإسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص رضي الله عنهما وغيرهما من العقلاء تتحقق نظرة النبي -صلى الله عليه وسلم- الاستراتيجية العميقة بصلخ الحديبية لمستقبل الإسلام.

 

فالحمد لله على نعمة التوحيد والحمد لله على نعمة الإسلام والحمد لله على نعمة السيرة والسنة النبوية وكفى والله بها نعمة.

 

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

المرفقات

سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- (71) إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات