سيرة المسيح عيسى ابن مريم -عليهما السلام– (3)

خالد بن عبدالله الشايع

2014-04-07 - 1435/06/07
عناصر الخطبة
1/سعي اليهود في قتله -عليه السلام- 2/رفعِ الله لعيسى -عليه السلام- 3/عقيدة النصارى في صلب عيسى -عليه السلام- 4/نزول عيسى -عليه السلام- في آخر الزمان وحكمه بشريعة الإسلام 5/تزامن نزول عيسى -عليه السلام- مع خروج الدجال

اقتباس

ويتزامن نزول عيسى -عليه السلام- مع خروج الدجال، فبعد أن يتحصن المسلمون بالمسجد الأقصى ينزل عيسى ابن مريم، وهم يريدون صلاة الفجر، ينزل واضعا كفيه على ملكين، فيصلي خلف المهدي، وهو إمام المسلمين وقتئذ، ثم يخرج، فإذا رآه الدجال هرب، حتى لا يجد ريح المسيح عيسى ابن مريم، فإنه لا ينبغي لكافر يجد ريحه إلا مات، فيتبعه عيسى -عليه السلام- ويقول: إن لي فيك ضربة لن تسبقني، فيذوب كما يذوب الملح في الماء، فيدركه بِبَابِ لُدٍّ، ف...

 

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

أما بعد:

 

فيا عباد الله: لا يزال الحديث موصولا عن سيرة نبي الله عيسى -عليه السلام-، حيث مررنا بولادته، ثم عقيدة النصارى، واختلافهم فيه، وذكرِ معجزاته.

 

واليوم -بإذن الله- نتكلم عن سعي اليهود في قتله، ثم رفعِ الله له، وعقيدةِ النصارى في صلب عيسى -عليه السلام-، ثم نزولهِ في آخر الزمان.

 

فإن اليهود لما ضاقوا ذرعا بعيسى -عليه السلام-، وشوا به إلى ملك ذلك الزمان، وكان كافرا، فأمر الملك والي بيت المقدس أن يحيط بعيسى ويقتله ويصلبه، ويضع الشوك على رأسه، فأرسل في طلبه.

 

وقد تكاثرت الروايات الإسرائيلية في طريقة البحث عن عيسى، وكيف رفعه الله إليه، وسنقتصر على الصحيح منها -بإذن الله-؛ كما حكى ذلك ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره، حيث يقول تحت قول الله تعالى: " (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا)[النساء: 157].

 

قال: "فلما وصل الكتاب امتثل مُتولي بيت المقدس ذلك، وذهب هو وطائفة من اليهود إلى المنزل الذي فيه عيسى -عليه السلام-، وهو في جماعة من أصحابه، اثنا عشر -أو ثلاثة عشر- وقيل: سبعة عشر نفرا-، وكان ذلك يوم الجمعة بعد العصر ليلة السبت، فحصروه هنالك.

 

فلما أحس بهم، وأنه لا محالة من دخولهم عليه، أو خروجه عليهم، قال لأصحابه: أيكم يلقى عليه شبهي، وهو رفيقي في الجنة؟ فانتدب لذلك شاب منهم، فكأنه استصغره عن ذلك، فأعادها ثانية وثالثة، وكل ذلك لا ينتدب إلا ذلك الشاب -فقال: أنت هو- وألقى الله عليه شبه عيسى، حتى كأنه هو، وفتحت روزنة -مثل النافذة- من سقف البيت، وأخذت عيسى -عليه السلام- سنة من النوم، فرفع إلى السماء، وهو كذلك؛ كما قال الله -تعالى-: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ)[آل عمران: 55]. الآية

 

فلما رفع خرج أولئك النفر، فلما رأى أولئك ذلك الشاب ظنوا أنه عيسى، فأخذوه في الليل وصلبوه، ووضعوا الشوك على رأسه، فأظهر اليهود أنهم سعوا في صلبه، وتبجحوا بذلك، وسلم لهم طوائف من النصارى؛ ذلك لجهلهم، وقلة عقلهم، ما عدا من كان في البيت مع المسيح، فإنهم شاهدوا رفعه.

 

وأما الباقون، فإنهم ظنوا كما ظن اليهود أن المصلوب هو المسيحُ ابن مريم.

 

هذه هي العقيدة الصحيحة التي جاء بها القرآن، وقد حرفت في التوراة والانجيل.

 

معاشر المسلمين: المقصود بعقيدة الصلب والفداء: الاعتقاد أن المسيح صُلب من أجل تكفير خطيئة البشر التي توارثوها عن أبيهم آدم، فيزعمون أن آدم حين عصى ربه، وأكل من الشجرة؛ غضب الله عليه وطرده، ومات آدم، وحملت ذريته تبعاتِ المعصية التي ارتكبها أبوهم، وصار الجنس البشرى ملعونا، ومن مات يسجن في جهنم، وهذا هو العدل -في زعمهم-: أن يعاقب الله ذرية آدم بذنب أبيهم، ولما كانت الرحمة أيضا من صفات الله صار هناك صراع بين صفتي: العدل والرحمة.

 

لأن من العدل: عقابَ آدم وذريتِه!.

 

ومن الرحمة: أن يغفر سيئات البشر!.

 

فإن غفر ورحم، فأين العدل؟

 

وإن عاقب وعذب فأين الرحمة؟

 

-فهي إشكالية معضلة لديهم فكيف تُحل-؟!

 

ولم يكن هناك من طريق للجمع بين العدل والرحمة إلا بتوسط: ابن الله وحيده، وقبوله أن يظهر في شكل إنسان، وأن يعيش كما يعيش الإنسان، ثم يُصلب ظلما ليكون قتله كفارة لخطيئة البشر.

 

وبهذه الطريقة جمع الرب بين صفتي العدل والرحمة؛ فالقصاص من البشر عدل، ولو كان الضحية ابنَه، وبهذا الصلب غفر للبشر خطيئاتهم التي تحملوها، وراثة عن أبيهم آدم.

 

يقول أحد علماء اللاهوت شارحا ما سبق: إن المسيحية تعلم أن الله لكى يجمع بين عدله ورحمته في تصرفه مع الإنسان، دبر طريقة فدائه بتجسيد ابنه الحبيب وموته على الصليب نيابة عنا، وبهذا أخذ العدل حقه، واكتملت الرحمة، فنال البشر العفو والغفران.

 

وهذه نظرية الفداء، فلا يكون المرء نصرانيا إلا إذا اعتقدها، ويخرج من النصرانية إن أنكرها وكذبها

-تعالى الله عن هذا الهراء الباطل المنكر-.

 

وقد بين سبحانه في كتابه كذب أولئك الأفاكين، فبين سبحانه في كتابه: أنه غفر لآدم ذنبه؛ كما قال سبحانه: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ فَتَابَ عَلَيْهِ)[البقرة: 37].

 

وبين في كتابه أن عيسى -عليه السلام- عبده ورسوله.

 

وبين سبحانه: أنه نجاه من كيد اليهود، ورفعه إلى السماء، ولم يقتلوه ولم يصلبوه، بل شبه لهم، يعني ألقي شبهه على غيره -كما سبق ذكره-.

 

فلنحذر -عباد الله- من تلك العقيدة الفاسدة، التي أصبحنا نرى بعض ملابس شبابنا عليها الصليب، تشبها بالنصارى من لاعبين وفنانين، فتعليق الصليب في أعناقهم، يكون اعترافا بتلك العقيدة الباطلة.

 

اللهم إنا نبرأ إليك من عقيدة النصارى الضلال.

 

أقول قولي هذا...

 

 

الخطبة الثانية:

 

أما بعد:

 

فيا عباد الله الموحدين: فبعد رفع عيسى -عليه السلام-، اختلفت اليهود والنصارى، وأصبحوا أعداء متناحرين.

 

وإن مما حكى الله لنا في كتابه: أن عيسى -عليه السلام- سينزل في آخر الزمن؛ كما قال سبحانه: (وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا)[النساء: 159].

 

يعنى بعد نزوله في آخر الزمن.

 

وحكى لنا ذلك نبينا -صلى عليه وسلم-؛ أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم -صلى الله عليه وسلم- حكماً مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد".

 

قال العراقي -رحمه الله-: "الْمُرَادُ أَنَّهُ يَنْزِلُ حَاكِمًا بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ لَا نَبِيًّا بِرِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وَشَرِيعَةٍ نَاسِخَةٍ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ بَاقِيَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا تُنْسَخُ، وَلَا نَبِيَّ بَعْدَ نَبِيِّنَا كَمَا نَطَقَ بِذَلِكَ، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ بَلْ هُوَ حَاكِمٌ مِنْ حُكَّامِ هَذِهِ الْأُمَّةِ" انتهى ["طرح التثريب" (8/ 117)].

 

وروى مسلم (156) عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ:

"لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ: فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ - صلى الله عليه وسلم-، فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا؟ فَيَقُولُ: لَا إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ، تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ".

 

فبنزول عيسى -عليه السلام- ينتهي الخلاف بين الديانات الثلاث: اليهودية والنصرانية والإسلام، معلنا بطلان تلك الديانات، وصحة دين الإسلام حيث يحكم به، ويصلي خلفهم، فيقتل خنزير اليهود، ويكسر صليب النصارى، ولا يقبل من الناس إلا الإسلام.

 

ويتزامن نزول عيسى -عليه السلام- مع خروج الدجال، فبعد أن يتحصن المسلمون بالمسجد الأقصى ينزل عيسى ابن مريم، وهم يريدون صلاة الفجر، ينزل واضعا كفيه على ملكين، فيصلي خلف المهدي، وهو إمام المسلمين وقتئذ، ثم يخرج، فإذا رآه الدجال هرب، حتى لا يجد ريح المسيح عيسى ابن مريم، فإنه لا ينبغي لكافر يجد ريحه إلا مات، فيتبعه عيسى -عليه السلام- ويقول: إن لي فيك ضربة لن تسبقني، فيذوب كما يذوب الملح في الماء، فيدركه بِبَابِ لُدٍّ فيقتله.

 

فيفرح المسلمون بذلك، فبينما هم كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فأحرز عبادي إلى الطور.

 

ويبعث الله يأجوج ومأجوج: (وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ)[المؤمنون: 96].

 

فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية، فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم، فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويُحصرُ نبي الله عيسى وأصحابُه، حتى يكون رأسُ الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم، ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرا كأعناق البخت، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرا، لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض، حتى يتركها كالزلفة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، وردي بركتك.

 

فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرِّسل، حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس.

 

واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس، يمكثون على ذلك أربعين سنة، فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن، وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة.

 

وتكون مدة بقاء المسيح بعد ذلك في الأرض أربعين سنة؛ كما أخرج أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "فيمكث -أي عيسى- أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون".

 

وقال أبو هريرة -رضي الله عنه- في تفسير قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ)الزخرف: 61].

 

قال: "خروج عيسى يمكث في الأرض أربعين سنة، تكون تلك الأربعون كأربع سنين، ويحج ويعتمر".

 

وبهذا تنتهي قصة المسيح عيسى ابن مريم -عليهما السلام- مختصرة، وقفنا على المهم فيها.

 

اللهم اجعلنا لك شاكرين...

 

 

 

 

المرفقات

المسيح عيسى ابن مريم -عليهما السلام– (3)

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات