سووا صفوفكم

الرهواني محمد

2017-06-08 - 1438/09/13
التصنيفات: الصلاة
عناصر الخطبة
1/ أهمية الصلاة ومكانتها 2/ اهتمام النبي -صلى الله عليه وسلم- وعنايته بتسوية الصفوف وتحذيره من مخالفتها 3/ المقصود بتسوية الصفوف 4/ حديث: \"أقيموا الصفوف...\" وبعض الفوائد المستفادة منه

اقتباس

الصفوف في ميدان الحياة لا تستوي إذا كنا على حال من الغلظة والقسوة مع بعضنا البعض، إذ لا بد من أن تلين القلوب، وتلين الأقوال وتلين الحركات والسلوكيات، وبدون ذلك سيظهر الخَلل والشقاق، وسيترك أبناء الأمة فُرُجات للشياطين، وما أكثرهم، ليتخللوا الصفوف، ويتمددوا في فراغات نحن أوجدناها بتفرقنا وشتاتنا، وليسيروا بيننا بالوسوسة وإيغار...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعِينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فاللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه.

 

معاشر عمار بيت الله: الصلاة عمود الإسلام، وأعظم أركانه بعد الشهادتين، ولمكانة قدرها ومنزلتها، كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يوصي فيقول: "صلوا كما رأيتموني أصلي".

 

وقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- في كثير من الأحاديث بالمحافظة على الصلاة، على كيفيتها ووقتها.

 

ومن وسائل المحافظة على الصلاة: ما رواه أحمد بسند صحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَقيموا الصفوفَ، وحاذُوا بالمناكبِ، وسُدُّوا الخَلَلَ، ولِينوا بأيدي إخوانِكم، ولا تذَرُوا فُرُجاتٍ للشيطانِ، ومن وصل صفًّا وصلَهُ اللهُ، ومن قطع صفًّا قطعَه اللهُ".

 

فموضوع خطبة هذا اليوم -معاشر عمار بيت الله-: تسوية الصفوف، وكل ما يدخل في هذا الباب من معان ودروس.

 

وإن الداعي لهذا الموضوع ما نشاهده من عدم اهتمام بعض المصلين بتسوية الصفوف، وإن لم أقل أكثرهم، فرأيت من واجب النصح والنصيحة تناول هذا الموضوع.

 

فأقول -وبالله التوفيق-: لقد كان من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- الاهتمامُ والعناية التامة بإقامة الصفوف وتسويتِها قولا وفعلا، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه حال المسلمين في مساجدهم، فيجب على عموم المصلين السمع والطاعة للإمام عند توجيههم إلى تسوية الصفوف والتراصِّ فيها، فيسعى كل مُصلٍّ جاهدا لتسوية الصف والاهتمام به، أي على كل مسلم وهو في الصلاة أن ألا يكون قليل أو ضعيف الاهتمام بتسوية الصفوف، وألا يأخذه الغضب وأن لا يتضجر ولا يتسخط من أي واحد نبهه إلى تسوية الصف، بل عليه أن يكون عونا على ذلك، لما فيه من التعاون على البر والتقوى، والتناهي عن الإثم والعدوان.

 

لذلك -معاشر الصالحين والصالحات- فالآثار في تسوية الصفوف في الصلاة متواترة من طرق شتى صحيحة ثابتة في حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على تسوية الصفوف والعملِ بذلك.

 

وللتنبيه -معاشر المؤمنين والمؤمنات- أن جميع الأحاديث النبوية المذكورة هنا صحيحة -بإذن الله- لذلك لا أذكر الأسانيد، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلاَةِ"، وفي رواية: "إِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلاَةِ من تمامِ"، وقال صلى الله عليه وسلم أيضا: "أقيموا الصفَّ في الصلاةِ، فإنَّ إقامةَ الصفِّ من حُسنِ الصَّلاةِ".

 

بل كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحذر من التفريط في هذا الأمر ويبين للأمة أن اختلاف الصفوف في الصلاة يورث اختلاف القلوب، قال صلى الله عليه وسلم: "استووا ولا تختلفوا فتختلفَ قلوبُكم".

 

وفي رواية: "عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم".

 

وهذا الوعيد إن دل على شيء فإنما يدل دلالة واضحة على الاهتمام بتسوية الصفوف وتراصها، وأنَّ عدم تسوية الصفوف يؤثر على حال الأمة وألفتها، ويؤدي إلى الاختلاف والعداوة والبغضاء واختلاف القلوب وضعفها وسيطرة الشيطان عليها ووسوسته لها، فيصرفها عن الصلاة، حتى أن الإنسان لا يعقل من الصلاة إلا القليل، أو قد لا يعقل منها شيئا، وما هذا إلا لأننا ضيعنا هذا الأمر، ألا وهو: تسوية الصفوف.

 

والمراد بتسوية الصفوف هو وقوف المصلين في محاذاة بعضهم لبعض، لا يكون فيها تقدُّمٌ لأحدٍ على أحد، ولا تأخرٌ لأحدٍ على أحد، بل يقف الجميع مصطفين، وأن يحاذُوا بالمناكبِ ويسُدُّوا الخَلَلَ الذي في الصف، قال صلى الله عليه وسلم: "أَقيموا الصفوفَ، وحاذُوا بالمناكبِ، وسُدُّوا الخَلَل".

 

ومما ينبغي التنبيه عليه: أن سد الفُرجِ والخللِ ووصل الصفوف، لا يعني مضايقة الآخرين، والتسبب في أذيتهم.

 

وقال صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللهَ وملائكته يُصلُّونَ على الذين يَصِلون الصُّفوفَ، ومن سدَّ فُرجةً رفعهُ اللهُ بها درجةً" قال أنس وهو يصف ذلك: "وكان أحدنا يُلْزِقُ مَنكِبَهُ بِمَنكِبِ صاحبه وقَدَمَهُ بقَدَمِهِ".

 

ولكن مع الأسف نجد بعض المصلين لا يبالون بتسوية الصفوف حيث يتقدم أحدهم أو يتأخر عن الصف ولا يبالي، أو ربما يكون مستويا مع الصف في أول الركعة، ثم في الثانية أو الثالثة أو الأخيرة يحصل اعوجاج في الصف.

 

فالسنة: استواء الصفوف حتى الفراغ من الصلاة.

 

فالاهتمام بتسوية الصفوف وكل ما يلحق بها من الضروريات ينبغي على عموم المصلين الانتباه لها، حتى لا يلحَقهم الوعيد: "أو ليخالفن الله بين وجوهكم".

 

لذلك على كل مصل المبادرة إلى رص الصفوف وتسويتها، فإن هذه سنَّة ثابتة من سنن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

 

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسُدُّوا الخَلَل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فُرُجات للشيطان، ومن وصل صفا وصله الله، ومن قطع صفا قطعه الله" فهذا الحديث يُشير إلى معان عظيمة، منها: حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على أن يتخذ من العبادات فرصة للتدريب على السلوكيات والأخلاق الطيبة.

 

لقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحرص كل الحرص على أن تكون صفوف المسلمين مستوية متراصة ليس في الصلاة فحسب، بل لا بد أن يمتد أثر ذلك خارج الصلاة في العلاقات والمعاملات، بل وفي الحياة كلها.

 

فالصفوف في ميدان الحياة لا تستوي إذا كنا على حال من الغلظة والقسوة مع بعضنا البعض، إذ لا بد من أن تلين القلوب، وتلين الأقوال وتلين الحركات والسلوكيات، وبدون ذلك سيظهر الخَلل والشقاق، وسيترك أبناء الأمة فُرُجات للشياطين، وما أكثرهم، ليتخللوا الصفوف، ويتمددوا في فراغات نحن أوجدناها بتفرقنا وشتاتنا، وليسيروا بيننا بالوسوسة وإيغار صدور بعضنا على بعض.

 

وهنا إشارة مهمة -معاشر أمة الحبيب النبي -صلى الله عليه وسلم- فقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبُكم" التحذير هنا يبلغ مداه لأهمية تركيز هذا المعنى في وجدان المسلم لينتقل معه إلى ميدان الحياة، فنحن إذا أسأنا في تسوية ورص صف الصلاة، واختلفنا في ذلك؛ توقعنا أن يخالف الله بين قلوبنا، فكيف يكون حالنا وماذا نتوقع والبعض يعمل على تفريق صفوف الأمة في ميدان الحياة؟

 

ومن المعاني العظيمة لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من وصل صفا وصله الله" فالذي يصل الصف في الصلاة، أجره الله يصله ويمده برحمته، فما بالكم بالذي يصل صفوف الأمة خارج الصلاة؟ فما بالكم بالذي يسعى لتوحيد الكلمة وجمع شمل هذه الأمة؟

 

ثم يقول صلى الله عليه وسلم: "ومن قطع صفا قطعه الله" فإن كان من يقطع صف الصلاة يقطعه الله من رحمته، فكيف الوعيد لمن يقطع صف الأمة ويسعى إلى حلق دينها بسعيه في إفساد ذات بينها، بلسانه أو بأفعاله؟!

 

فكيف الوعيد لمن لا همَّ لهم إلا التفريق وبثّ بذورِ الاختلاف والشقاق بين المسلمين، لا همَّ لهم إلا تشتيتُ وحدةِ هذه الأمة إلى أشلاء وقطع؟

 

معاشر المؤمنين والمؤمنات: هذا غيض من فيض، ولن تقف دروس ومعاني تسوية الصفوف عند هذا الحد، فما ذكرته إلا قليل من كثير مما تحمله هذه الشعيرة من معان جليلة كبيرة.

 

لذلك لنجعل همنا السعيُ إلى نقل هذا السلوك ألا هو: تسوية الصفوف وإتمامُها، وسدُّ الخلل من محراب الصلاة إلى ميدان الحياة، فمن وجد خللاً في صف المسلمين فليبادر إلى سده وليتقدم غير متردد لإصلاح عطبه، فحياة الأمة من حياة قلوب وهموم أبنائها، إذ لا يصح أن تنقسم الأمة التي تحمل مشروع الخير، في الوقت الذي باتت تتوحد فيه الأمم التي تحمل مشروع الشر.

 

 

المرفقات

صفوفكم

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات