سورة ق

عبدالله بن حسن القعود

2014-09-28 - 1435/12/04
عناصر الخطبة
1/ آيات سورة ق 2/بين يدي السورة    3/الرد على منكري البعث 4/ الموت والبعث والنشور .

اقتباس

هي في جملتها تركز على قضية كبرى، قضية البعث والمعاد التي هي أصل من أصول الإيمان، فلا إيمان لمن أنكرها أو تشكك أو تردد في الإيمان بها, فهذه وأمثالها من سور وآي القرآن الكريم تخاطب أولئكم القوم الذين أنكروا المعاد من: دهريين وطبعيين وعلمانيين وغيرهم، أو ترددوا في الإيمان به أو في شيء من أمره تخاطبهم وتخاطب أمثالهم في أي زمان أو مكان...

 

 

 الخطبة الأولى

 

الحمد لله رب العالمين

 

بسم الله الرحمن الرحيم

(ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ * قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ * بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ * أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ * أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ * وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ * وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ * كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ * وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ) [ق: 1، 45]

 

 

الخطبة الثانية

 

هذه السورة التي سمعتم سورة عظيمة المعاني والمباني، ذات وقع كبير في النفوس واستجاشة وملامسة للمشاعر ومخاطبة لها من واقع حالها ومآلها. ولذا كان صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يقرأ بها في المجامع العامة في الصلوات الجهرية كقراءته لها ولسورة اقتربت في صلاتي عيد الأضحى وعيد الفطر، وكثيراً ما يجعلها مادة وموضوعاً لخطبة الجمعة، فقد ثبت في صحيح مسلم رحمه الله عن أم هشام بنت الحارث بن النعمان قالت: ما أخذت (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) [قّ:1] إلا عن لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقرأها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس.

 

وهي في جملتها تركز على قضية كبرى، قضية البعث والمعاد التي هي أصل من أصول الإيمان، فلا إيمان لمن أنكرها أو تشكك أو تردد في الإيمان بها, فهذه وأمثالها من سور وآي القرآن الكريم تخاطب أولئكم القوم الذين أنكروا المعاد من: دهريين وطبعيين وعلمانيين وغيرهم، أو ترددوا في الإيمان به أو في شيء من أمره تخاطبهم وتخاطب أمثالهم في أي زمان أو مكان، يقول سبحانه فيها محقراً ومهجناً تعجبهم مما لا يتعجب منه, ومجيباً لهم على شبهتهم التي لم تكن شبهة إلا لدى عُمي القلوب صمُّ الآذان (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ .....) [قّ:1-3] إلى قوله سبحانه بعد أن ذكر خلق السماوات وأوصافها، وخلق الأرض وأوصافها، وإنزال المطر وإنبات النبات (كَذَلِكَ الْخُرُوجُ) [قّ:11] (أي البعث).

 

وينذرهم ويحذرهم سبحانه من آثار قولهم الشنيع ومنهجهم الفظيع, المخالف والمغالط للبديهيات والمحسوسات التي يشاهدونها في آياته الكونية سيما المذكورة في الآيات القرآنية السابقة بقوله: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ) [قّ:12-14] أي شأنكم إن لم ترعووا شأن أولئكم الذين كذبوا, فحق عليهم وعيدي بالعذاب والعقاب. وأكد لهم سبحانه ما سلف بقوله: (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ) [قّ:15] وقوله في آية أخرى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) [يّـس:78-79].

 

وبعد إقامة الحجج القاطعة بالآيات القرآنية والسنن الكونية على رد شبهتهم التي لا يتعلق بها إلا عُمْيُ القلوب صُمُّ الآذان، يذكرهم سبحانه بمراقبة الله ومتابعته لهم التي لا يخرج عنها طرفة عين أو دقة قلب أو أصغر من ذلك أو أكبر (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [قّ:16].

 

وينقلهم بعد من صفحات الحياة ومشاهدتها للكون ومتابعة الله لها بمتابعته التي تمهل ولا تغفل ليذكرهم بما وراء ذلك من هول الاحتضار، الهول اليقيني الهول الذي لا محيد ولا مفر منه، بل وبما يتلوه من هول البعث وهول الحساب وهول العقاب, وما بعده من استقرار في جنة أو نار يقول سبحانه: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) [قّ:19] إلى قوله: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) [قّ:31-35].

 

جاء في صحيح البخاري عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانت بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء، فجعل يُدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: "لا إله إلا الله، إن للموت سكرات" ثم نصب يده فجعل يقول: "في الرفيق الأعلى" حتى قبض ومالت يده. وجاء أنه لما احتضر أبو بكر رضي الله عنه أرسل إلى عائشة، فلما دخلت عليه تمثلت بقول الشاعر:

 

لعمرك ما يغني الثراء عن الغنى *** إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر

 

فقال أبو بكر رضي الله عنه، هلا قُلتِ: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) [قّ:19].

 

ذكر المؤرخون أن أحد الشعراء المعروف بشيء من الإقذاع في شعره وقف مع الناس على القبر في جنازة زوجته لدى مواراتها، فقال له أحد القوم معرضاً به: ماذا أعددت لهذا؟ فقال: "شهادة أن لا إله إلا الله منذ بضع وثمانين عاماً"، وأطرق قليلاً ثم قال:

 

لقد خاب من أولاد آدم مـن مشى *** إلى القبـر مغلول القلادة أزرقا

أخاف وراء القبر إن لـم يعافنـي *** أشدنـي القبـر التهاباً وأضيقا

إذ جاءنـي يوم القيامة قـائد عنيف *** وسـواق يسـوق الفـرزدقا

 

وختام السورة يعود على صدرها ومحورها الأساسي قضية المعاد وما أقسم به وذكر به عليها فقوله سبحانه: (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ. يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ) [قّ:41-42] قبله في مطلع السورة جواب القسم المحذوف بعد قوله: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) [قّ:1] المقدر: لتبعثن، وقوله: (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ) [قّ:45] قبله: (وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) ونظير هذا في القرآن كثير، ومنه قوله سبحانه في أول سورة العنكبوت: (الم* أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) [العنكبوت:1-2] وقوله سبحانه في ختامها: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت:69].

 

 

 

 

 

 

 

المرفقات

ق2

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات