سورة النازعات وسورة عبس

مسفر بن سعيد بن محمد الزهراني

2011-10-18 - 1432/11/20
عناصر الخطبة
1/ تعريف بسورة النازعات 2/ تفسيرها 3/ تعريف بسورة عبس 4/ سبب نزولها 5/ تفسيرها

اقتباس

ولنا مع سورة النازعات وَقْفَةٌ، فهي السورة التاسعة والسبعون في ترتيب المصحف الشريف، وتُسَمَّى سورة الساهرة، وهي ست وأربعون آية، وهي سورة مكِّيَّة، عُنِيَتْ بأصول العقيدة الإسلامية، مع تركيزها على يوم القيامة والساعة وأهوالها، وعلى مآل المتقين ومآل المجرمين ..

 

 

 

 

الحمد لله منزل القرآن، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلى وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله -عز وجل-، ولنا مع سورة النازعات وقفة، فهي السورة التاسعة والسبعون في ترتيب المصحف الشريف، وتُسَمَّى سورة الساهرة، وهي ست وأربعون آية، وهي سورة مكِّيَّة، عُنِيَتْ بأصول العقيدة الإسلامية، مع تركيزها على يوم القيامة والساعة وأهوالها، وعلى مآل المتقين ومآل المجرمين.

بدأت بقسَمٍ لله: (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا) [النازعات:1]، وهي الملائكة التي تنزع أرواح العباد عن أجسادهم كما ينزع النازع في القوس فيبلغ غاية المدى، وكذا المراد بالناشطات والسابحات والسابقات والمدبرات، يعني الملائكة، (غَرْقًا)، أي: إغراقا ًفي النزع، حيث تنزعها من أقاصي الأجسام.

(وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا) [2]، أي: تنشط النفوس، أي: تُخرجها من الأجساد كما ينشط العقال مِن يد البعير، (وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا) [3]: الملائكة تسبح في الأبدان لإخراج الروح كما يسبح الغواص في البحر لإخراج شيء منه.

(فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا) [4]، هم الملائكة على قول الجمهور، وقال مجاهد: تسبق الملائكةُ الشياطينَ بالوحي إلى الأنبياء، (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا) [5]، لأنه لا يبعد أن يجعل السبق سبباً للتدبر، وهي الملائكة تدبر شئون الكون بأمر الله تعالى، وقيل غيره.

(يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ) [6]، أي: تضطرب المضطربة، والمراد هنا: الصيحة العظيمة التي فيها تردد واضطراب كالرعد، وهي النفخة الأولى التي يموت بها جميع الخلائق، (تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ) [7]، وهي النفخة الثانية التي تكون عند البعث، وسميت رادفة لأنها ردفت النفخة الأولى.

(قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ) [8]، والقلوب الواجفة المضطربة القلقة لما عاينت من أهوال يوم القيامة، وقال جمهور المفسرين: أي خائفة وجلة، (أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ) [9]، أي: أبصار أصحابها، والمراد أنها تظهر عليهم الذلة والخضوع عند معاينة أهوال يوم القيامة.

(يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ) [10]؟ أي: يقول المنكرون للبعث: أنُرد إلى أول حالنا وابتداء أمرنا فنصير أحياء بعد موتنا؟ والحافرة عند العرب اسمٌ لأول الشيء وابتداء الأمر، (أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً) [11]؟ أي: إذا كنا عظاماً بالية نُرَد ونُبعث؟ مع كونها أبعد شيء من الحياة! (قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ) [12]، أي: يقولون إنها رجعة ذات خسران! والمعنى: أنهم يقولون إن رُددنا بعد الموت لنخسرنَّ بما يصيبنا بعد الموت مما يقوله محمد، والكرَّةُ: الرجعة.

(فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ) [13]، المعنى: لا تستبعدوا، ذلك فإنما هي صيحة واحدة، وهي النفخة الثانية التي يكون بها البعث والإحياء بعد الموت، (فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ) [14]، أي: فإذا الخلائق الذين قد ماتوا ودفنوا صاروا أحياء على وجه الأرض، والمراد بالساهرة وجه الأرض.

ثم استأنف الله سبحانه الحديث بتوجيه الخطاب لنبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- فقال: (هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى) [15]؟ لتسليته عن تكذيب قومه وأنه يصيبهم مثل ما أصاب مَن كان قبلهم ممن هم أقوى منهم، والمعنى: هل بلغك قصة موسى مع فرعون؟.

(إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى * فَأَرَاهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَى * فَكَذَّبَ وَعَصَى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى) [16-26].

ومعنى الآيات -باختصار-: أن الله سبحانه كلم موسى بالوادي المبارك المقدس المسمى طوى، وأمره أن يذهب إلى فرعون فقد تجاوز الحد بادعائه الإلوهية، فدعاه إلى الإيمان بالله وإلى الهداية، وجاءه بالآية الكبرى وهي العصا التي تنقلب بقدرة الله إلى حية تسعى، وكذلك اليد المضيئة البيضاء من غير سوء، فكذب فرعون بما جاء به موسى، وأعرض عن الإيمان، فنادى بصوت عالٍ: لا ربَّ فوقي! فأخذه الله بالغرق، ونكل به في الدنيا والآخرة. وفي قصة فرعون وما فعل الله به عبرة عظيمة لمن شأنه أن يخشى الله ويتقيه، ويخاف عقوبته، ويحذر غضبه.

ثم قال الله تعالى: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا) [27]، والخطاب لكفار مكة، أي: أخَلْقُكُم بعد الموت وبعثكم أشد عندكم وفي تقديركم أم خَلْق السماء؟ والمقصود به التبكيت والتوبيخ، ثم قال (رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا) [28]، أي: جعلها كالبناء فوق الأرض، ورفع سمكها: أي أعلاه في الهواء وجَعَلَها مستوية الخَلْق، معدَّلة الشكل، لا تفاوت فيها، ولا اعوجاج، ولا فطور، ولا شقوق، (وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا)، أي: جعله مظلماً، (وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا) [29]، أي أضاءه بالشمس.

(وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا) [30]، أي: بسطها بعد خلق السماء، (أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا) [31]، أي: فجَّر من الأرض الأنهار والبحار والعيون والمرعى، وهو النبات الذي يُرْعى، (وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا) [32]، أي: أثبتها في الأرض وجعلها كالأوتاد؛ لتثبت وتستقر، وأن لا تميد بأهلها؛ (مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) [33]، أي: منفعة لكم ولأنعامكم من الإبل والبقر والغنم.

(فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى) [34]، أي: الداهية العظمى التي تطم على سائر الطامات، وهي القيامة أو النفخة الثانية، (يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى) [35]، أي: يتذكر ما عمل من خير أو شر، (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى) [36]، أي: أظهرت النار إظهاراً لا يخفي على احد.

ثم ينقسم الناس إلى قسمين: الأول: (فَأَمَّا مَنْ طَغَى) [37]، أي: جاوز الحد في الكفر والمعاصي (وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) [38]، أي: قدم الدنيا على الآخرة ولم يستعد لها، ولا عمل لها عملها، (فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى) [39]، أي: إنها منزله الذي ينزله، ومأواه الذي يأوي إليه، النار لا غيرها.

أما القسم الثاني: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى) [40]، أي: حذر مقامه بين يدي ربه يوم القيامة، وزجر نفسه عن الميل إلى المعاصي والمحارم التي تشتهيها، (فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) [41]، أي: المنزل الذي ينزله، والمكان الذي يأوى إليه الجنة لا غيرها.

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا) [42]؟ أي: متى قيامها ووقوعها؟ (فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا) [43]، أي: لست يا محمد في شيء من علمها وذكراها؛ إنما يعلمه الله سبحانه، وهو إنكار لسؤال المشركين عنها، (إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا) [44]، أي: منتهى علمها، فلا يوجد علمها عند غير الله.

(إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا) [45]، أي: إنما انت مخوف لمن يخشى قيام الساعة، (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) [46]، أي: إذا رأوها كأنهم لم يبقوا في قبورهم إلا عشية، وهي آخر النهار، أو ضحاها، أي أول النهار.

عباد الله: هذه بعض معاني سورة النازعات باختصار، ومَن أراد معرفة المزيد ففي كتب التفسير يجد تفسيرها واسعاً.

نفعني الله وإياكم بما نقول ونسمع، وبما جاء في كتاب الله من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله الذي أنزل في عتاب نبينا محمد سورة تتلى إلى يوم القيامة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله، صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم وعلى آله وصحبه أجمعين، ومَن تَبِعَهُمْ إلى يوم الدين.

عباد الله: سورة عبس هي السورة الثمانون في ترتيب المصحف الشريف، وتسمى سورة السفر، وهي اثنتان وأربعون آية، وهي مكية في قول الجميع.

وسبب نزولها -كما أجمع عليه المفسرون- أن قوما من أشراف قريش كانوا عند النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد طمع في إسلامهم، فأقبل عبد الله ابن أم مكتوم -رضي الله عنه- فكره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يقطع عليه ابن أم مكتوم كلامه فأعرض عنه، فنزلت (عَبَسَ وَتَوَلَّى) [عبس:1]، أي: كلح بوجهه وأعرض.

(أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى) [2]، أي: لأن جاءه الأعمى وهو ابن أم مكتوم، (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) [3]؟ الخطاب للنبي -صلى الله عليه وسلم-، أي: أيّ شيء يجعلك داريا بحاله حتى تعرض عنه؟ ولعله يزكى، أي: لعله يتطهر من الذنوب بالعمل الصالح بسبب ما تعلمه منك، (أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) [4]، أي: أو يتعظ فتنفعه الموعظة.

(أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى) [5]، أي: كان ذا ثروة وغنى، أو استغنى عن الإيمان وعما عندك من العلم، (فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى) [6]، أي: تُصغي لكلامه، (وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى) [7]، أي: أي شيء عليك في أن لا يُسلِم ولا يهتدي؟ فإنه ليس عليك إلا البلاغ، فلا تهتم بأمر مَن كان هكذا من الكفار.

ثم زاد الله سبحانه في معاتبة رسول -صلى الله عليه وسلم- فقال: (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى) [8]، أي: مسرعاً إليك، طالباً أن ترشده إلى الخير، (وَهُوَ يَخْشَى) [9]، أي: يخاف الله، (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) [10]، أي: تتشاغل وتعرض عن الإقبال عليه.

(كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) [11]، أي: موعظة لك أن تفعل مثل ذلك، (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ) [12]، أي: فمَن رغب فيها اتَّعَظَ بها، وحفظها، وعمل بموجبها، (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ) [13]، أي: مكرمة عند الله لما فيها من العلم والحكمة، (مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ) [14]، أي: رفيعة القدر عند الله، منزهة لا يمسها إلا المطهرون، (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ) [15]، أي: إنها بأيدي كَتَبَةٍ من الملائكة ينسخون الكتب من اللوح المحفوظ، وقيل: السفَرة: المطهرون، الذين يسفرون بالوحي بين الله ورسوله، (كِرَامٍ بَرَرَةٍ) [16]، أي: كرام على الله، أتقياء.

(قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) [17]! أي: لُعِن الإنسان، ما أشد كفره! ثم ذكر سبحانه ما كان ينبغي لهذا الكافر أن ينظر فيه حتى ينزجر عن كفره، ويكف عن طغيانه، فقال: (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) [18]؟ استفهام قرره بقوله: (مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) [19]، أي: مِن ماء مَهِينٍ حقيرٍ فسوَّاهُ وهيَّأهُ لمصالح نفسه، قال الحسن: كيف يتكبر مَن خرج من مخرج البول مرتين؟!.

(ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) [20]، أي: يسر له الطريق إلى الخير أو الشر، (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) [21]، أي: جعله بعد أن أماته ذا قبر يوارى فيه إكراماً له، ولم يجعله مما يُلقَى على وجه الأرض تأكله السباع والطير، (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) [22]، أي: أحياه بعد موته، وعلق الإنشاء بالمشيئة للدلالة على أن وقته غير متعين؛ بل هو تابع للمشيئة، (كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) [23]! ردع وزجر للكافر، أي: لم يقض ما أمره الله به من العمل بطاعته واجتناب معاصيه.

ثم شرع الله سبحانه في تعداد نعمه على عباده؛ ليشكروها، وينزجروا عن كفرانها، فقال: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) [24]، أي: ينظر كيف خلق الله طعامه الذي جعله سببا ً لحياته! وكيف هيأ له أسباب المعاش يستعد بها للسعادة الأخروية: (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا) [25-26]، أي: شققناها بالنبات الخارج منها بسبب نزول المطر، شقاً بديعاً لائقاً بما يخرج منه في الصغر والكبر والشكل والهيئة.

ثم بين سبب هذا الشق وما وقع لأجله فقال: (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا) [27]، أي: يعني الحبوب التي يتغذى بها، والمعنى: أن النبات لا يزال ينمو ويتزايد إلى أن يصير حبا، (وَعِنَبًا وَقَضْبًا) [28]، أي: وأنبتنا فيها عنباً وقضبا، والقضب هو القت الرطب الذي يقضب مرة بعد أخرى تعلف به الدواب، (وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا) [29]، أي: وأخرجنا كذلك الزيتون والنخيل، يخرج منها الزيت والرطب والتمر، (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) [30]، أي: بساتين، والغُلْب: العظام الغلاظ الرقاب.

(وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) [31]، الفاكهة ما يأكله الإنسان من ثمار الأشجار كالعنب والتين والخوخ ونحوها، والأب: كل ما أنبتت الأرض مما لا يأكله الناس ولا يزرعونه من الكلأ وسائر المراعي، أو كل ما تأكله الدواب ولا يأكله الناس، (مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) [32]، أي: منفعة لكم ولأنعامكم.

(فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ) [33]، يعني صيحة يوم القيامة، وسميت صاخة لشدة صوتها؛ لأنها تصخ الأذان، (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) [34-36]، ففرار المرء من قرابته هؤلاء لا يكون إلا لهول عظيم؛ لذلك خصهم بالذكر، فهم أخص القرابة وأولاهم بالحنو والرأفة، (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [37]، أي: لكل إنسان يوم القيامة شأن يشغله عن الأقرباء، ويصرفه عنهم.

(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ) [38]، أي: وجوه يومئذ مشرقة مضيئة، وهي وجوه المؤمنين؛ لأنهم قد علموا أن ذاك مآلهم من النعيم والكرامة، وقيل: مسفرة من آثار الوضوء، وقيل من قيام الليل، (ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) [39]، أي: فرحة بما نالته من الثواب الجزيل.

ثم لما فرغ الله -عز وجل- من ذكر المؤمنين ذكر حال الكفار فقال: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ) [40]، أي: غبار وكدرة لما تراه مما اعد الله لها من العذاب، (تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ) [41]، أي: يغشاها ويعلوها سواد وكسوف، (أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) [42]، أي: الجامعون بين الكفر بالله والفجور، والفجور هو الفسق، والفاجر: المائل عن الحق، أو الكاذب.

عباد الله: هذه بعض ما دلت عليه سورة عبس من معاني، نسأل الله أن نتذكر بها، ونتعظ، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يوفقنا للإيمان والعمل الصالح، إنه سميع قريب مجيب الدعاء.

وصَلُّوا وسلِّموا -عباد الله- على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-.

 

 

 

 

 

المرفقات

79-سورة النازعات و 80- سورة عبس

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات