سماحة الدين ويسره

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

2012-01-23 - 1433/02/29
عناصر الخطبة
1/ يُسْرُ الإسلام 2/ التوجيهُ النبويُّ بالقصد وعدم مشادّة الدين 3/ من مظاهر يُسر الإسلام 4/ بيان حال أهل الدين المبتغاة مع الدين 5/ أمورٌ لا بُدَّ منهما للتوفيق للسداد

اقتباس

إنّ هذا الدِّين يُسْرٌ، نعَم عباد الله! دينُنا يُسْرٌ في شؤونه كلِّها، وفي أمورِهِ جميعِها، عقائدُه أصحُّ العقائدِ وأقومُها، وعباداته وأعماله أحسنُ الأعمالِ وأعدلُها، وأخلاقه وآدابه أزكى الآدابِ وأتَمُّها وأكملُها؛ دين مُتَمَّمٌ في عقائده، وعباداته، وآدابه، وأخلاقه، ومعاملاته؛ فوجب على أهله أن يعرفوا دينهم معرفة صحيحة، وأن يستمسكوا به استمساكا تاما، فهو دينٌ قويمٌ، وصراط مستقيم، وهدْيٌ قاصد، لا وكس فيه ولا شطط ..

 

 

 

 

 

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد:

أيّها المؤمنونَ عِباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى، ومراقبته في السر والعلانية، فإن تقوى الله -جل وعلا- هي خير زاد يبلِّغُ إلى رضوان الله، وهي عنوان السعادة، وسبيل الفلاح في الدنيا والآخرة.

 

عباد الله: إن هذا الدين الإسلاميَّ الحنيف الذي هدانا الله إليه، ومَنَّ علينا به، دين السماحة واليسر، لا عسر فيه ولا تعسير، ولا عنت فيه ولا مشقة، (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) [التوبة:128].

دين لا حرج فيه ولا مشقة، ولا شدّة فيه ولا تعسير، وتأمَّلوا -رعاكم الله- نبي الرحمة، وإمام الأمة، صلوات الله وسلامه عليه، وهو يبين للأمة يسر الدين وسماحته، ويبين الحال التي ينبغي أن يكون عليها أهلُ الدّين مع الدّين.

ففي الصحيحين، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الدين يسر، ولن يشادّ الدّين أحدٌ إلا غلبه، فَسَدِّدُوا وقارِبُوا وأَبْشِرُوا، واستعينوا بالغَدْوة والرَّوْحَةِ، وشيء من الدّلجة" متفق على صحته. وفي لفظ آخر للحديث: "والقصدَ القصدَ تبلغوا".

عباد الله: إن هذا الحديث العظيم المبارك أرسى قاعدة من قواعد الدّين العظيمة، وكليّةً من كلياته المتينة، ألا وهي سماحة الدين ويسره.

إنّ هذا الدين يُسْرٌ، نعَم عباد الله! دينُنا يُسْرٌ في شؤونه كلِّها، وفي أمورِهِ جميعِها، عقائدُه أصحُّ العقائدِ وأقومُها، وعباداته وأعماله أحسنُ الأعمالِ وأعدلُها، وأخلاقه وآدابه أزكى الآدابِ وأتَمُّها وأكملُها؛ دين مُتَمَّمٌ في عقائده، وعباداته، وآدابه، وأخلاقه، ومعاملاته؛ فوجب على أهله أن يعرفوا دينهم معرفة صحيحة، وأن يستمسكوا به استمساكا تاما، فهو دينٌ قويمٌ، وصراط مستقيم، وهدْيٌ قاصد، لا وكس فيه ولا شطط.

عباد الله: إن الحال التي ينبغي أن يكون عليها أهل الدين مع الدين جاءت مبيَّنة في هذا الحديث؛ فأولا: إنّ ديننا الميسر ينهى المؤمنين -عباد الله- عن التشدد والمغالاة والرّعونة؛ ولهذا يقول -عليه الصلاة والسلام-: "لن يشادّ الدينَ أحَدٌ إلا غلبَه"، فحذَّر من المشادة أشد التحذير، ونهى عنها أشد النهي.

والمشادّة -عباد الله- تكون بالمغالاة في هذا الدين، ومجاوزة حدوده، وعدم الرضا والقناعة بأحكامه وأوامره ونواهيه، فالمتشدِّد المغالي لا يقف عند حدود الشريعة، ولا يتقيد بضوابطها، ولا يرعى آدابها وأحكامها؛ وإنما تكون معاملته بناء على ما تمليه عليه شدّته ورعُونته، ومن ثَمَّ يقع الفساد والانحراف و الزلَل، ولن "يشادّ الدينَ أحدُ إلا غلَبه"؛ لأن الدين له العلو وله الرّفعة وله الظهور وله التمكن؛ فمَن شاد الدين غلبَهُ الدّين فرجع القهقرى ولم يفز من شدته ورعونته إلا بالخسارة و الحرمان.

وثانيا: يدعو ديننا إلى السداد إنْ أمكن، وإلا فالمقاربة، ويبشِّر -عليه الصلاة والسلام- من كان على هذا النهج بأعظم بشارة، يقول -صلى الله عليه وسلم-: "وسددوا وقاربوا وأبشروا!"، وتأملوا في هذه الكلمات الثلاث العظيمة: سددوا -عباد الله- أي: جاهدوا أنفسكم على إصابة السداد، وموافقة الصواب، وملازمة الحق، والتقيد بالهدي القويم، بدون زيادة أو نقصان؛ فالسداد -عباد الله- إصابة الحق، ولزومه، والاستمساك به، فمَن كان كذلك فهو مِن أهل السداد.

فإن لم يتمكن العبد من السداد ولم يتيسر له بلوغه فعليه بالمقاربة، أن يجاهد نفسه على أن يكون مقارباً للحق، قريبا منه، مجاهدا نفسه على الاقتراب منه: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت:69].

ولهؤلاء -عباد الله- أهل السداد و أهل المقاربة بشارة النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "وأبشروا"، قال: "أبشروا" عليه الصلاة والسلام، ولم يذكر البشارةَ ما هي؛ لتتناول البشارة بكل خير عميم، وفضل عظيم، وعطاء جزيل في الدنيا والآخرة.

وثالثا: مما وجّه إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث العظيم رعاية أوقات ثلاثة وهي الغدوة والرّوحة، وشيء من الدّلجة، قال: "واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدّلجة"، وهذه الأوقات الثلاثة -عباد الله- هي أنفَس الأوقات وأحسنها لقطع المسافات والفيافي، وقد كان الرحّالة أيام الإبل يعرفون لهذه الأوقات قدرها، ففيها الراحة للمَطِيِّ، والراحة للإنسان نفسه في قطعه أسفاره في هذه الأوقات.

وكما أنّ هذه الأوقات طيبة مباركة سمحة لقطع الأسفار الدنيوية فإنها مباركة لنيل رضا الله والمسارعة في فعل الخيرات، فالغَدوة -وهي أول النهار- والروحة -وهي آخر النهار- وقت لذكر الله -جل وعلا- بالعناية بأذكار طرفي النهار أوله وآخره، وأما الدّلجة فأن يعتني المسلم بشيء من الوقت في ليله، يمضيه في ذكر الله وعبادته وأداء الصلاة وتلاوة القرآن، ويترتب على ذلك من الأرباح شيء عظيم، وفضل عميم.

وأما الأمر الرابع في هذا الحديث -عباد الله- ففي قوله -صلى الله عليه وسلم-: "والقصدَ القصدَ تبلغوا"، والقصد -عباد الله- هو الاقتصاد والتوسط والاعتدال والبعد عن الغلو والجفاء والإفراط والتفريط والزيادة والتقصير.

والتوسط والاقتصاد -عباد الله- إنما يكون بلزوم العبد للسُّنَّة، وتقيده بهدْي النبي الكريم -عليه الصلاة والسلام-، بلا غلو ولا جفاء، ولا إفراط ولا تفريط، وإنما هو توسط واعتدال، قال الله -جل وعلا-: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطَاً) [البقرة:143].

وأسأل الله الكريم، رب العرش العظيم، بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، أن يكتبنا من أهل التوسط والاعتدال، وأن يعيذنا من الغلو والجفاء، وأن يوفقنا للزوم السداد، وأن يهدينا إليه صراطا مستقيما.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله عظيم الإحسان، واسع الفضل والجود والامتنان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد: عباد الله، اتقوا الله تعالى، واعلموا أن تقواه أساس السعادة والفلاح، والفوز في الدنيا والآخرة.

عباد الله: ومن أراد لنفسه السداد فعليه بأمرين لابد منهما، وأصلين لا بد من تحقيقهما، الأول بذل الأسباب النافعة على وفق السنة، وهدي النبي الكريم -عليه الصلاة والسلام- والتي ينال بها السداد، ويوصل بها إلى الإصابة.

والأمر الثاني أن يكون مَن يريد لنفسه السداد مستعينا بالله، معتمدا عليه، متوكلا عليه، سائلا له وحده -سبحانه- أن يوفقه للسداد، وأن يُعينَهُ عليه، وقد جاء في صحيح مسلم أنَّ عليَّ بنَ أبي طالب -رضي الله عنه- أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: يا رسول الله، علِّمْنِي دعاءً أدعو الله به، فقال: "قل: اللهم إني أسألك الهدى والسّداد".

وفي رواية: "قل: اللهم اهدني وسددني"، قال: وذكر بالهداية هداية الطريق، وبالسداد سداد القوس؛ فعليكم بهذه الدعوة الجامعة، والدعاء العظيم النافع، مع الاجتهاد في بذل الأسباب النافعة المقربة إلى الله -جل وعلا-.

ونسأل الله لنا أجمعين أن يرزقنا الهداية والسداد، وأن يوفقنا لكل خير يحبه ويرضاه، إنه سميع الدعاء، وهو أهل الرجاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وصَلُّوا وسلِّموا -رعاكم الله- على محمد بن عبد الله كما أمَرَكُم الله بذلك فقال: (إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمَاً) [الأحزاب:56]، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "مَن صلَّى عليَّ واحدة صلى الله عليه بها عشرا".

اللهمَّ صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد على آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد...

 

 

 

 

 

 

 

المرفقات

الدين ويسره

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات