سلسلة معارك غيرت وجه التاريخ (4) ملحمة صقلية حضارة المسلمين المنسية

شريف عبدالعزيز - عضو الفريق العلمي

2022-10-12 - 1444/03/16

اقتباس

وقعت تلك النكبة بالمعسكر الإسلامي، فأضعفت من وضع المسلمين العسكري في الحرب ضد الصقليين والبيزنطيين، ومع ذلك لم يفت ذلك في عضد المسلمين، واختاروا قائدًا جديدة للحملة وهو (محمد بن أبي الجواري) فشرع القائد الجديد في تنظيم الصفوف، ولكن المسلمين فوجئوا بأسطول بيزنطي ضخم يرسو على شاطئ صقلية ضاربًا حصارًا بحريًا على الجيش الإسلامي، فوطن المسلمون أنفسهم...

 

 

 

 

في أواخر القرن الثاني الهجري بدأت القوى العالمية في العالم القديم في الانصراف نحو مشاكلها الداخلية، فالدولة العباسية مثلاً انشغلت بالفتنة التي وقعت بين الأخوين الأمين والمأمون، ومعالجة آثار تلك الفتنة التي امتدت لسنوات ووصل نصيبهما لكثير من أقاليم الدولة، والدولة البيزنطية انشغلت بفتنة توماس الكبير في مقدونيا والتي استمرت لسنوات طويلة، وهذا الانشغال والانكفاء على الداخل فتح المجال أمام الدويلات الصغيرة ذات الطابع الأسري والتي كانت تابعة للخلافة العباسية وترتبط معها بعقد ولاء، وإن كان في أغلب الأحيان ولاءً إسميًا.

 

من أبرز القوى الصغيرة التي ظهرت في تلك الفترة دولة الأغالبة في تونس والتي بدأت في الظهور في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد وتحديدًا سنة 185هـ، وكانت دولة ذات طموحات بحرية كبيرة بحكم موقعها الجغرافي، وهذا الطموح كان من أحد أهم أسباب فتح جزيرة صقلية.

 

 أهمية صقلية الإستراتيجية:

 

صقلية تعتبر أكبر جزر البحر المتوسط مساحة، وأغناها من حيث الثروات الطبيعية والموارد الاقتصادية، كما أنها تتمتع بموقع استراتيجي خطير، فهي تقع بين ساحل إيطاليا الجنوبية وساحل إفريقية [تونس]، أي تقسم البحر المتوسط إلى قسمين: شرقي وغربي، وكان لا يفصلها عن أقاليم إيطاليا.

 

الجنوبية من الجهة الشمالية الشرقية سوى مضيق «مسيني» وعرضه 5 كيلو مترات، كما أنها قريبة من السواحل التونسية وجزيرة قوصرة من الجهة الغربية.

 

هذا الموقع الاستراتيجي الفريد كان سببًا مباشرًا لكثير من الأحداث التاريخية التي مرت بها البلاد التونسية مثل نزول البيزنطيين على سواحل تونس في بداية حركة الفتح الإسلامي، والمقاومة البيزنطية التي وقعت أمام حركة الفتح الإسلامي للشمال الإفريقي، ومنها حركة الفتح الإسلامي لجنوب إيطاليا وسواحل البحر الأدرياني والتي انطلقت من قاعدتها [صقلية] أثناء وجودها تحت الحكم الإسلامي.

 

  محاولات المسلمين فتح صقلية:

 

منذ أن اصطدم المسلمون مع البيزنطيين في معركة سبيطة سنة 28هـ، أيقن المسلمون الأهمية الاستراتيجية لصقلية، ولذلك تكررت حملاتهم البحرية على الجزيرة بغية فتحها، فغزوها لأول مرة سنة 46هـ في عهد «معاوية بن أبي سفيان»، عندما أرسل والي مصر «معاوية بن جديج» أسطولاً بحريًا بقيادة عبد الله بن قيس الغزاري لفتح الجزيرة، فغنم المسلمون غنائم كثيرة، ولكن لم ينجح في فتحها، فغزاها المسلمون مرة أخرى سنة 49هـ في ولاية عقبة بن نافع، ثم غزاها عطاء بن رافع الهذلي سنة 83هـ، ثم غزاها عياش بن أخيل في ولاية موسى بن نصير في أسطول المغرب، ثم توالت محاولات المسلمين لفتحها في سنوات 102هـ، 109هـ، 113هـ، 116هـ، 123هـ، وكانت آخر المحاولات سنة 135هـ في ولاية عبد الرحمن بن حبيب على تونس.

 

بعد سنة 135هـ وهو تاريخ آخر غزوة غزاها المسلمون توقفت حركة الغزو، وسادت فترة طويلة من الخمول والركود لم يزاول فيها المسلمون أي نشاط بحري، بسبب اشتعال الفتن الطائفية بين العرب والبربر، فاستغل البيزنطيون  هذه الفرصة وأخذوا في تحصين بلادهم وسواحلهم وثغورهم بالمعاقل والحصون، وأولوا جزيرة صقلية عناية خاصة، ولم يتركوا جبلاً إلا أقاموا عليه حصنًا، وكانت دورياتهم البحرية تطوف بسواحل الجزيرة للدفاع عنها، وهذه الدوريات كانت كثيرًا ما تصطدم مع قوافل المسلمين التجارية فتنهبها وتأسر تجار المسلمين، ومع استمرار فترة الركود البحري للمسلمين وتوقف عجلة الغزو البحري عن الدوران، تشجع البيزنطيون وأغاروا بأساطيلهم على السواحل الإفريقية، فقام والي إفريقية (هرثمة بن أعين) ببناء القصر الكبير بالمنستير سنة 180هـ، وبناء سور مدينة طرابلس.

 

ولا شك أن المحاولات الكثيرة التي قام بها المسلمون لفتح صقلية من سنة 46هـ حتى سنة 135هـ، قد أكسبتهم خبرة واسعة بجغرافية الجزيرة وطبيعتها وتركيبتها السكانية، ثم كان لفتح المسلمين لجزيرة (قوصرة) سنة 130هـ على يد عبد الرحمن بن حبيب الفهري أعظم الأثر في اتخاذها قاعدة أمامية للدفاع عن سواحل تونس وتوجيه الفتوحات الإسلامية البحرية ناحية صقلية وسودانية وجنوب إيطاليا.

 

  عوامل فتح صقلية:

 

بعيدًا عن الموقع الاستراتيجي الهام لجزيرة صقلية، وثرائها الواسع بالموارد الطبيعية والمواد الخام، نجد أن هناك ثمة عوامل أخرى كانت بمثابة الأسباب الدافعة لقيام المسلمين بفتحهم لجزيرة صقلية على النحو الذي سنذكره.

 

 أولاً: تفوق الأغالبة البحري

 

فدولة الأغالبة التي قامت أيام هارون الرشيد كانت دولة ذات طبيعة بحرية لوقوع بلادها على ساحل البحر المتوسط، كما أنها كانت دولة قوية اهتمت في نفس الوقت بالتوسع العمراني والبناء الحربي، فقد أدرك مؤسس الدولة (إبراهيم بن الأغلب) أن امتداد إمارته من طرابلس شرقًا حتى بجاية غربًا يحتاج قوة بحرية قوية تحمي سواحل الدولة الطويلة والممتدة قبالة الجبهة الأوروبية، لذلك اتجه الأغالبة منذ قيام إمارتهم إلى اصطناع سياسة بحرية تقوم على الدفاع والهجوم في آن واحد وقد ساعد الأغالبة على تطبيق سياستهم تلك خبرات أهل تونس والشمال الإفريقي في ركوب البحر، وتوافر المواد الخام اللازمة لبناء الأساطيل الكبيرة.

 

 ثانيًا: انتشار روح التدين

 

كان من أثر الفتن العاتية التي وقعت في الشمال الإفريقي بين العرب والبربر بسبب العرق والمذهب، أن شعر الناس بفداحة جرمهم وعاقبة تورطهم في دماء بعضهم البعض لقرابة النصف قرن، فسادت مع النصف الثاني من القرن الثاني الهجري روح تدين قوية، ولم تلبث بلاد تونس أو إفريقية حتى تحولت لبلاد يغلب عليها التدين والورع والرغبة في الجهاد في سبيل الله، وكان لشيوع المذهب المالكي في تلك البلاد أثر كبير على الناس وظهرت في البلاد طبقة من علماء المالكية جمعوا بين العلم والفقه والزهد والورع من أعلامهم البهلول بن راشد مؤلف كتاب الديوان في الفقه على مذهب مالك، وعبد الله بن عمر بن غانم، وصقلاب بن زياد، وأسد بن الفرات الذي سيعينه الأغالبة قائدًا لحملة الفتح، وسحنون بن حبيب، هؤلاء الأعلام وغيرهم كان له أكبر التأثير على توجه الناس ناحية للجهاد في سبيل الله، والرغبة في المرابطة بالثغور بقصد الجهاد، بسبب غارات البيزنطيين المتكررة، ونشأت فكرة الربط البحرية التي كان يقيم فيها الراغبون في نصرة دينهم والدفاع عن بلادهم، وكانوا يقيمون فيها بغرض المرابطة والعبادة في آن واحد، وقد انتشرت تلك الربط على سواحل تونس في قابس وسوسة وتونس والمنستير ولمطة وظلت موجودة لعهود طويلة شاهدة على تنامي الروح الجهادية لأهل البلاد.

 

 ثالثًا: التخلص من العناصر الثائرة

 

نكبت منطقة الشمال الإفريقي خاصة المنطقة الممتدة من حدود ليبيا الشرقية إلى الجزائر الأوسط بالعديد من الثورات العنيفة بسبب العرق وبسبب المذهب، فقد اندلعت الثورات بين العرب والبربر بسبب تسرب فكر الخوارج الصفرية والأباضية إلى قبائل البربر في تلك البلاد، واستطاع الخوارج أن يقيموا لهم دولة في طرابلس، أقامها الخوارج الإباضية، ودولة أخرى في وسط الجزائر عرفت بالدولة الرستمية، وللعلم ما زالت بقايا الخوارج موجودة حتى الآن في منطقة جبل نفوسة بليبيا ومنطقة القبائل بالجزائر، تلك الثورات العنيفة قد خمدت قبيل قيام دولة الأغالبة ولكنها أبقت عند الناس قابلية للخروج والثورة كلما رأوا ما لا يعجبهم من الولاة والحكام، وقد فطن مؤسس الدولة إبراهيم بن الأغلب لذلك فاعتمد العدل أساسًا في حكمه وسياسته، وكذلك اتبع سياسة الشدة والصرامة مع الثائرين، ولكن خلفاءه لم يسيروا على نهجه، فاندلعت الثورات العنيفة مرة أخرى.

 

 وكانت الثورات على أشدها في ولاية زيادة الله ابن الأغلب [201هـ - 223هـ]  الذي عانى بشدة من ثورات قادة جنده عليه والتي كادت أن تعصف بدولة الأغالبة كلها، ومن أشد تلك الثورات ثورة عمر بن معاوية القسي في القصرين سنة 208هـ، وثورة منصور الطنبذي بتونس سنة 209هـ، وثورة عامر بن نافع الأزرق سنة 210هـ، لذلك قرر زيادة الله القيام بحملة عسكرية بحرية كبيرة على جزيرة صقلية لتوجيه طاقات الجند نحو الفتح والغزو وشغل الناس عن أوضاعهم الداخلية، وقد عمد زيادة الله على إشراك البربر والسود في الحملة لتهدأ البلاد تمامًا من صراعات الحرب معهم.

 

 رابعًا: لجوء قائد الأسطول البيزنطي في صقلية إلى الأغالبة

 

هذا العامل يعتبره كثير من المؤرخين بمثابة السبب الحقيقي والرئيسي لفتح جزيرة صقلية وهو يشبه لحد كبير نفس قصة فتح الأندلس، عندما استنصر يوليان الأسباني بموسى بن نصير لاستعادة الملك لسيده «غطيشة» ممن اغتصبه منه «رود ريجو». فقد ذكر المؤرخون القدامى ونقل ذلك عنهم ابن الأثير في تاريخه أن الإمبراطور البيزنطي ميشيل الثاني ولي في سنة 211هـ - 826م على صقلية رجلاً اسمه قسطنطين وأمره بتعمير أسطول قوي للإغارة على سواحل إفريقيا، وبالفعل بنى قسطنطين الأسطول وأسند قيادته إلى أمهر قادته واسمه «فيمي» وكان «فيمي» رجلاً طموحًا ذا عزم ودهاء، يخطط للاستفراد بحكم صقلية، فاستغل فرصة اندلاع ثورة داخلية في بيزنطة، مع هزيمة الأسطول البيزنطي في كريت أمام المسلمين، فرفع راية العصيان وجمع رجاله وأتباعه وزحف على مدينة سرقوسة عاصمة صقلية وانتصر على واليها قسطنيطن ثم أسره وقتله، وأعلن نفسه ملكًا على صقلية، وأخذ في تعيين أصحابه وخاصة أنصاره ولاة على أقاليم صقلية ومدنها.

 

ولأن الخيانة عاقبتها بمثلها ولأن الجزاء من جنس العمل، فقد قام أحد رجال «فيمي» واسمه «بلاطة» بالانقلاب عليه وانضم للفريق الإمبراطوري، وحارب «فيمي» حتى هزمه واضطر «فيمي» للفرار من صقلية، وهداه تفكيره لئن يلجأ إلى أمير الأغالبة «زيادة الله بن الأغلب» يطلب منه مساعدته في محاربة خصومه، نظير أن تكون صقلية تابعة للمسلمين ويحكمها «فيمي» نيابة عن زيادة الله، وبعد استشارة الفقهاء والعلماء وأهل الحل والعقد قرر المسلمون غزو الجزيرة.

 

 فتح صقلية:

 

كان زيادة الله بن الأغلب يرغب في إكساب حملته على صقلية طابع الجهاد الخالص في سبيل الله، فأعلن عن توليه الفقيه الكبير «أسد بن الفرات» أميرًا قاضيًا، وخرجت الحملة التي تقدر بعشرة آلاف من الرجال وسبعمائة من الفرسان في شهر ربيع الأول سنة 212هـ  - يونيو سنة 827هـ من ميناء سوسة، على ظهر مائة سفينة متوجه إلى صقلية لفتحها.

 

ولقرب المسافة بين سواحل تونس وصقلية، رسا الأسطول الإسلامي على سواحل صقلية بعد ثلاثة أيام من الإقلاع في سوسة، وقد نزل المسلمون في مدينة (مازر) الصقلية، ولم يواجهوا أي مقاومة في بادئ الأمر، ولكنهم تعرضوا لمشكلة من نوع آخر تمثل في فناء أقواتهم ولم يجدوا المؤن والإمدادات التي وعدهم «فيمي» بها، حتى أكلوا لحوم الخيل، ففوض الجند أحد قادتهم واسمه (محمد بن قادم) في سؤال الأمير (أسد بن الفرات) الرجوع إلى تونس وترك الهدف الذي جاءوا من أجله، فرفض أسد بشدة، وهددهم بإحراق المراكب وعاقب (ابن قادم) على مطاوعته للجند في طلبهم.

 

كان مع الحملة الإسلامية على صقلية «فيمي» وأتباعه، ولم يكن أسد بن الفرات الفقيه العالم ليقبل بهذا الأمر، فقال لفيمي «اعتزلنا، فلا حاجة لنا بأن تعينونا» ثم قال له «اجعلوا على رؤوسكم سيماء [يعني علامة] تعرفون بها لئلا يتوهم واحد من أنكم من هؤلاء الأعداء فيصيبكم بمكروه» وهذا من فقه أسد بن الفرات وعدله وإنصافه، فجعل فيمي على رأس جنده أغصان النبات، فكانت تلك علامتهم.

 

توغل جيش المسلمين في جزيرة صقلية، واستولى على العديد من المدن والقلاع في توغله، في تلك الفترة كان (بلاطه) الذي انقلب على (فيمي) وطرده من الجزيرة قد جمع جيشًا جرارًا بقدر بمائة وخمسين ألف مقاتل، واستعد لمعركة حاسمة مع المسلمين، وفي ربيع الآخر التقى الجيشان عند سهل متسع عرف بعدها باسم (سهل بلاطه)، فخطب أسد في الناس وهو يحمل اللواء وحرضهم على الجهاد حتى النصر والاستشهاد، وكان وقتها أسد في السبعين من عمره، فكبر وتقدم للقتال من على صهوة جواده وحمل المسلمون مع قائدهم، وحميت الغرائم وظهرت نوادر البطولة والشجاعة، وأسفرت المعركة عن هزيمة مروعة للصقليين، حيث قتل معظمهم وفر قائدهم (بلاطة) من أرض المعركة، وهرب إلى (قصريانة)، ثم غلبه الخوف من لقاء المسلمين، ففر إلى جنوب إيطاليا، وهناك قتله أحد الصقليين الغاضبين عليه بسبب جبنه وخوفه من المسلمين.

 

بعد هذا النصر الكبير واصل المسلمون فتحهم للجزيرة، وقد نظم الصقليون صفوفهم وتجمعوا بقلعة الكراث، فأرسل القائد أسد بن الفرات يطلب من الأسطول الإسلامي الانضمام في حصار الصقليين في مدينة «سرقوسة»، وشدد المسلمون حصارهم من البر والبحر، وحاول والي مدينة (بلرم) البيزنطي إنجاد المعاصرين، واصطدم بجيش كثيب من أتباعه مع المسلمين، ولكن المسلمين هزموه شر هزيمة، وشدد أسد حصاره على سرقوسة حتى كاد أن يفتح المدينة، ولكن وقع ما لم يكن في الحسبان حيث انتشر الوباء الفتاك في معسكر المسلمين، وهلك عدد كبير من المسلمين في هذا الوباء في مقدمتهم القائد أسد بن الفرات الذي توفى رحمه الله في شعبان سنة 213هـ.

 

وقعت تلك النكبة بالمعسكر الإسلامي، فأضعفت من وضع المسلمين العسكري في الحرب ضد الصقليين والبيزنطيين، ومع ذلك لم يفت ذلك في عضد المسلمين، واختاروا قائدًا جديدة للحملة وهو (محمد بن أبي الجواري) فشرع القائد الجديد في تنظيم الصفوف، ولكن المسلمين فوجئوا بأسطول بيزنطي ضخم يرسو على شاطئ صقلية ضاربًا حصارًا بحريًا على الجيش الإسلامي، فوطن المسلمون أنفسهم على القتال حتى الموت وللتأكيد على هذا المعنى، قاموا بإحراق سفنهم، وقام القائد (محمد بن أبي الجواري) بتقسيم جيشه لعدة فرق لمنازلة البيزنطيين في عدة أماكن في آن واحد.

 

حدثت تطورات كبيرة في مسار الأحداث بالجزيرة، حيث تآمر الصقليون على (فيمي) وقتلوه غيلة وغدرًا، وأرسل الإمبراطور ميشيل الثاني إمدادات جديدة إلى صقلية واشتد الوضع على المسلمين وحوصروا حصارًا شديدًا حتى فنيت الأقوات واضطروا لأكل الدواب والميتة وغيرها، وأشرف المسلمون على الهلاك.

 

في تلك اللحظات الحرجة حدث أمر لم يكن في الحسبان، إذ وصل إلى مياه صقلية في سنة أسطول أندلسي كبير يحمل عددًا كبيرًا من المجاهدين الأندلسيين من غزاة البحر، وكانت الرياح الشديدة قد قادتهم إلى صقلية، وذلك من صنع الله عز وجل للمسلمين، وكرامة للمجاهدين المخلصين، وسرعان ما انضم الأندلسيون إلى المسلمين المحاصرين واشتبكوا مع البيزنطيين وفكوا الحصار وحققوا انتصارًا باهرًا على عدوهم.

 

الجدير بالذكر أن فتح صقلية لم يكن بالشيء الهين لوعورة الجزيرة وشدة تضاريسها وقربها من الإمدادات البيزنطية، فقط ظل المسلمون من سنة 213هـ حتى سنة 296هـ أي زيادة عن ثمانين سنة في جهاد مستمر حتى استكملوا فتح الجزيرة في نهاية الأمر.

 

 الحضارة الإسلامية في صقلية وأثرها على أوروبا:

 

أقام المسلمون حضارة كبيرة في جزيرة صقلية، ونقلوا إليها المعارف والعلوم الإسلامية والصناعات، فقد ظل المسلمون في صقلية لقرنين من الزمان، ازدهرت خلالها صقلية وغدت حديقة يانعة، تزهر بعلومها وتجارتها وصناعتها، وأصبحت من أكبر مراكز الإشعاع الحضاري والتنوير الثقافي في أوروبا، بجانب الأندلس من قبل، وكانت أوروبا وقتها تعيش في ظلمات وجهالات بعضها فوق بعض، وعلى الرغم من الاضطراب السياسي المزمن الذي كانت تعاني منه صقلية الإسلامية، وتنقلها في الولاء من الأغالبة إلى الفاطميين العبيديين إلى العباسيين، إلا إن حركة البحث العلمي والنمو الاقتصادي والنهوض الحضاري ظلت قائمة ومستمرة حتى سقوطها بيد النورمان سنة 464هـ - 1072م.

 

وكان من حسن حظ المجتمعات الأوروبية أن أمراء النورمان خاصة (رجار الأول) كانوا من ذوي الأفق الواسع، وقد أعجبهم تفوق المسلمين الحضاري، لذلك عمد هؤلاء الأمراء إلى الانتفاع بمن بقي من جالية إسلامية في صقلية، فأمنهم رجار الأول على دينهم وحياتهم وصناعاتهم، وأخذ في نقل علوم المسلمين إلى أوروبا، وسار ولده رجار الثاني على نفس المنوال، بل توسع فيه، إذ قام باستقدام العلماء المسلمين من إفريقيا والأندلس وألحق رهطًا منهم للعمل في بلاطه الخاص، ومن أشهر من استقدمهم العلامة الجغرافي الكبير (الإدريسي) الذي صنع لرجار الثاني كرة أرضية من الفضة الخالصة رسم عليها الأقاليم السبعة التي كانت أساس التقسيم الجغرافي القديم، ثم ألف الإدريسي موسوعته الجغرافية الشهيرة «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» هو أشهر مؤلف جغرافي في العصور الوسطى.

 

ولأن الطبع يغلب التطبع، ولأنه التسامح الأوروبي مع مسلمي صقلية كان لغاية معينة وأهداف محددة ومن أجل نقل علوم المسلمين لأوروبا السادرة في جهلها، فلم يكاد يرحل (رجار الثاني) سنة 549هـ، حتى بدأ عصر الاضطهاد الديني لمسلمي صقلية وبدأت سياسة تصفية الوجود الإسلامي في صقلية على يد [جليالم الأول]، وسع الوقت، اختفى أي أثر للمسلمين في صقلية بعد حضارة عظيمة أضاءت ظلمات أوروبا لعدة قرون.

 

 

 

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات