سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه

عبدالله عوض الأسمري

2020-11-16 - 1442/04/01
عناصر الخطبة
1/مناقب سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- 2/إيمان سعد وثباته 3/بشارة النبي -عليه الصلاة والسلام- له بالجنة 4/جهاده وفتوحاته 5/الدروس والعبر من سيرة سعد.

اقتباس

وبقيت يوماً وليلة وهي لا تأكل؛ حتى كادت أن تموت, فلما رآها وهي في حالة حرجة, قال لها قولته المشهورة: "تعلمين -والله- يا أماه! لو كانت لك مائة نفس؛ فخرجت نفساً نفساً؛ ما تركت ديني هذا لشيء؛ فكلي إن شئت أو لا تأكلي"....

الْخُطبَةُ الْأُولَى:

 

الحمد لله رب العالمين, حمدا كثيرا مباركا فيه, يفعل ما يشاء ويخلق ما يريد, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمد عبده ورسوله, صلى الله عليه وسلم تسليماً.

 

وبعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله -عز وجل-: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70، 71].

 

نتحدث اليوم عن صحابي جليل, أحد السابقين إلى الإسلام, وأحد العشرة المبشرين بالجنة, وأحد الذين شهدوا بدرا والحديبية؛ إنه سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-؛ القائد المحنك, والفارس المجرب, بطل القادسية, وفاتح العراق والمدائن, وهو أول من أراق دماً في سبيل الله؛ وذلك عندما انضم إلى كتيبة عبيدة بين الحارث؛ ليلقى عير قريش, فتراموا بالنبل؛ فكان سعد أول من رمى سهم -رضي الله عنه-.

 

كان مستجاب الدعوة, حاولت أمه أن ترده عن الإسلام؛ فقالت له: "لا آكل ولا أشرب؛ حتى ترتد عن دينك", وبقيت يوماً وليلة وهي لا تأكل؛ حتى كادت أن تموت, فلما رآها وهي في حالة حرجة, قال لها قولته المشهورة: "تعلمين -والله- يا أماه! لو كانت لك مائة نفس؛ فخرجت نفساً نفساً؛ ما تركت ديني هذا لشيء؛ فكلي إن شئت أو لا تأكلي!".

 

فلما رأت إصراره على إسلامه؛ أكلت وشربت وتركته, ونزلت فيه آيات تتلى إلى يوم القيامة, قال -تعالى-: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)[العنكبوت: 8]؛ فلم يطع أمه عندما أمرته بالرجوع إلى الكفر؛ بل ثبت على دينه, ونزل التوجيه الرباني مؤيداً له! .

 

كان سعد بن أبي وقاص يعرف الحق, وكان يحب لإخوانه المسلمين ما يحب لنفسه, حيث يروى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة", ويروى أنه سعد بن أبي وقاص؛ حيث تبعه احد الصحابة -رضي الله عنهم- وسأله عن سر ذلك؛ فقال: "إني لا أحمل لأحد من المسلمين ضغناً  ولا سوءاً".

 

وكثيرا منا اليوم يحمل على إخوانه المسلمين الحقد  والحسد؛ لأنه حصل على شيء من أمور الدنيا, أو لأي خلاف حصل بينهما, نعوذ بالله من الحقد والحسد وأمراض القلوب!.

 

عباد الله: في معركة بدر أبلي سعد بن أبي وقاص بلاءً حسناً, وفي أحد ظهرت شجاعته؛ لما نزل الرماة وأحاط المشركون برسول الله -صلى الله عليه وسلم- يريدون قتله, فوقف سعد شامخاً كالجبل؛ يدفع الهجمات ويحمي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-,  وقال له -عليه الصلاة والسلام-: "ارمِ سعد؛ فداك أبي وأمي!", قال علي -رضي الله عنه-: "ما سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجمع أبويه لأحد غير سعد".

 

وقد شهد سعد غزوة الخندق, وبايع تحت الشجرة, واخترق حصن خيبر مع علي -رضي الله عنهما-, ولما تولى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الخلافة جعله قائداً لمعركة القادسية ضد الفرس, وقال عنه عمر -رضي الله عنه-: "إنه الأسد في براثنه", وأوصاه عمر قبل ذهابه للعراق بقوله: "لا يغرنك من الله أن قيل: خال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فإنه ليس بين الله وبين أحد نسب إلا طاعته؛ فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء, الله ربهم وهم عباده".

 

ثم لما بدأ القتال صلى سعد بالناس الظهر, ثم أمر الناس أن يقولوا: "لا حول ولا قوة إلا بالله", ثم كبر أربعاً: الله أكبر, الله أكبر, الله أكبر, الله أكبر, واستمر القتال حتى انتصر المسلمون وقتل رستم قائد الفرس, وانتهت دولة فارس آنذاك بقيادة الفارس سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-.

 

وبعد معركة القادسية بعامين فتح مدينة المدائن في العراق, ثم تولى الكوفة, ولما حصلت الفتنة في عهد على بن أبي طالب -رضي الله عنه- اعتزل الناس؛ لأن القتال كان بين المسلمين, وقد مات -رضي الله عنه- سنة خمس وخمسين من الهجرة, وعمره ثمان وسبعون, ودفن بالبقيع بالمدينة المنورة, فجزاه الله خير الجزاء على ما قدم للإسلام والمسلمين.

 

أقول ما سمعتم واستغفر الله لي ولكم, فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.

 

وبعد: علينا أن نقتدي بخير القرون وهم صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم-, ومن ذلك سيرة سعد بن أبي وقاص, ونستلهم من سيرته ما يلي: ثباته على الإسلام رغم الضغوط التي وجدها من أمه؛ لتثنيه عن الإسلام, إلا أنه ثبت ونزل القرآن الكريم مؤيداً له, فمهما جاء المسلم من ضغوط لتمنعه من دينه؛ فيجب عليه أن يثبت على دينه, ونسأل الله الثبات على دينه, ونكرر في سجودنا دائما: "يا مقلب القلوب! ثبت قلوبنا على دينك".

 

ومنها: سلامة القلب من الحقد والحسد والبغضاء؛ فقد كان سعد يحب للمسلمين ما يحب لنفسه, وهذا مطلوب من المسلم؛  (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)[الشعراء: 88، 89].

 

ومنها: شجاعته وفروسيته وجهاده في سبيل الله, وهذا الواجب على المسلم أن يدافع عن الإسلام والمسلمين .

 

ومن الدروس: اعتزاله في زمن الفتنة والاقتتال بين المسلمين, وهذا الواجب في زمن الفتن؛ حتى لا يظلم أحداً من المسلمين بالاعتداء عليه.

 

فجزاه الله خيرا على ما قدم للإسلام والمسلمين, ونسأل الله أن يرزقنا الاقتداء بالنبي -عليه الصلاة والسلام- وصحابته الكرام, ومنهم سعد بن أبي وقاص, وأن يجمعنا بهم الفردوس الأعلى.

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم؛ كَمَا أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ: (إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56]، وَقَالَ -‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً وَاحِدَةً؛ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا"(رَوَاهُ مُسْلِم).

 

 

المرفقات

سعد-بن-أبي-وقاص-رضي-الله-عنه.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات