سحقًا أيها الكسل

محمود الفقي - عضو الفريق العلمي

2021-05-02 - 1442/09/20
التصنيفات: مقالات

اقتباس

لكأني بالله -تعالى- يعاتبك: عبدي لما قصرتَ؟ لما قعدت في بيتك وكسلتَ؟ قد رأيت الضالين فلم تدلهم! وبصرت العاصين فلم تنصحهم! وعاينت الناس تحث السير إلى جهنم فلم توقظهم! ألا يرهبنك ما كنت تعظ به الناس: "إن الله سائل كل راع عما استرعاه، أحفظ ذلك أم ضيع؟"، فتلك رعيتك، ماذا فعلت فيها؟!...

إن العقبات في طريق الدعاة والخطباء اليوم كثير، وإنني أدعي أن أخطر العقبات التي تحول بينهم وبين أداء رسالتهم هي الكسل، نعم الكسل؛ فإنه الموت الحاضر، والعجز الاختياري.

 

فإن قلت: بل "قلة العلم" أعظم العقبات، أجبتك: مهما كانت قلة ما يحمل الخطيب والداعية من علم فإن بمقدوره بلاغ هذا القليل وحسب، أليس قد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "بلغوا عني ولو آية"([1])، وهب أن داعية وخطيبًا قد حاز العلم كله، لكنه مصاب بالكسل، فما قيمة ما يحمل وما فائدته؟! وهل من تعارض بين إبلاغ القليل والاستزادة من العلم في نفس الوقت؟!

 

وإن قلت: بل أعظم العقبات هي "القيود الأمنية" في بعض البلاد، قلت لك: وهل هي أعظم مما كان يواجهه النبي -صلى الله عليه وسلم- من أهل مكة من تنكيل وتسفيه واضطهاد؟! لكنه بنشاطه الدعوي -بعد عون ربه- تغلَّب عليها، وأقول: إن أغلب شرائع الدين لا يزعج السلطات الأمنية... وقل مثل هذا في كل عقبة أخرى.

 

ولقد فوجئتُ -والله- لَمَّا رأيتُ ابن الجوزي قد لاحظ نفس ما لاحظتُه، وقال ما وددتُ لو قلتُه، ففي مقدمة كتابه: "الحث على حفظ العلم" ما نصه: "ولما رأيت الكسل مستوليًا على المتشاغلين بالعلم، وضعت هذا الكتاب محرضًا لهم على الاجتهاد، ومدخلًا على الكسل"([2])، لكنه كان يوجهها لطلبة العلم ليحصِّلوه، وأنا أوجهها إلى الدعاة والخطباء لينشطوا في تبليغ ونشر ما عندهم من العلم.

 

وهلم نشرع في بنود تلك الاستراتيجية؛ "استراتيجية محاربة الكسل"، لنتعرف كيف نتخلص منه.

 

البند الأول: أدرك ما يفوتك بسبب كسلك:

أولًا: تفقد عمرك؛ إذ العمر دقائق وساعات.. والكسل يضيعها: يقول ابن مسكويه: "وإنما يشقى العبد إذا حصل على أربع خلال، أولها الكسل والبطالة؛ ويتبعهما ضياع الزمان وفناء العمر بغير فائدة إنسانية"([3])، ونحفظ قول الحسن البصري: "ابن آدم إنما أنت أيام، وكلما ذهب يوم ذهب بعضك"([4]).

 

ثانيًا: يفوتك النجاح في حياتك: وتفقد تفوقك وتميزك، فكم غيرك من خطيب اجتهد حتى حصل على الماجستير والدكتوراه، وأتقن حتى تفوق على الأقران وذاع صيته.. يقول أبو حاتم: "سبب النجاح ترك التواني، ودواعي الحرمان الكسل"([5])، وقد قيل: "من دام كسله خاب أمله، وقال بعض الحكماء: نكح العجز التواني فخرج منهما الندامة، ونكح الشؤم الكسل فخرج منهما الحرمان"([6])، وأنشدها بعضهم شعرًا:

إن التواني أنكح العجز بنته *** وساق إليها حين أنكحها مهرا

فراشًا وطيئًا ثم قال لها اتكي *** فقصرا كما لاشك أن تلدا الفقرَ([7])

 

ثالثًا: يفوتك الأجر العظيم: ألم يقل النبي -صلى الله عليه وسلم- لعلي بن أبي طالب: "فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا، خير لك من أن يكون لك حمر النعم"([8])، ألم ينقل أبو هريرة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا"([9])، فكلما توانيت في النشاط والعمل كلما ضيعت من الأجر ما لا يعوض.

 

رابعًا: يطول حسابك أمام ربك: لكأني بالله -تعالى- يعاتبك: عبدي لِما قصرتَ؟ لِما قعدتَ في بيتك وكسلتَ؟ قد رأيتَ الضالين فلم تدلهم! وبصرتَ العاصين فلم تنصحهم! وعاينتَ الناس تحث السير إلى جهنم فلم توقظهم! ألا يرهبنك ما كنت تعظ به الناس: "إن الله سائل كل راع عما استرعاه، أحفظ ذلك أم ضيع؟"([10])، فتلك رعيتك، ماذا فعلت فيها؟!

 

البند الثاني: اتخذ الكسل عدوًا:

وهو فعلًا عدو؛ فإنه يقطعك عن عبادة ربك، وعن مصلحة نفسك، وعما ينفعك في الدنيا والآخرة، قال أبو حاتم: "الكسل عدو المروءة، وعذاب على الفتوة، ومن التواني والعجز أنتجت الهلكة"([11])، وكان ابن عباس يكره أن يقول الرجل: إني كسلان، ويتأول هذه الآية: (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى)[النساء: 142]([12]).

 

وإياك ومصاحبة الكسالى فيعدوك بكسلهم؛ فـ"المرء على دين خليله"([13])، "ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحًا خبيثة"([14])، ورحم الله أبا بكر الخوارزمي القائل:

لا تصحب الكسلان في حالاته *** كم صالح بفساد آخر يفسد

عدوى البليد إلى الجليد سريعة *** والجمر يوضع في الرماد فيخمد([15])

 

 

البند الثالث: اقتد بنشاط النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه:

فها هو -صلى الله عليه وسلم- يخرج من مكة ليتعبد في غار حراء، ثم لما نزل عليه الوحي قام ولم يقعد حتى توفاه الله، يذهب للمشركين في نواديهم، ويلتقي بالحجاج في موسم الحج، ويخرج من مكة إلى الطائف وغيرها داعيًا إلى الله، بل ويهاجر إلى المدينة ليقيم دولة الإسلام... وكم لاقى -صلى الله عليه وسلم- في سبيل دعوته! فما فتر ولا كسل ولا انقطع، بل كان -صلى الله عليه وسلم- يستهين بكل ما يلقى في سبيل دعوته، فعن جندب بن سفيان قال: دميت إصبع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعض تلك المشاهد، فقال: "هل أنت إلا إصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت"([16])، والمشاهد: الغزوات.

 

ومن نظر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أدرك جده ونشاطه حتى من مشيته، فعن ابن عباس، قال: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا مشى، مشى مشيًا مجتمعًا يعرف أنه ليس بمشي عاجز ولا كسلان"([17]).. كما كان -صلى الله عليه وسلم- يستعيذ قائلًا: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل"([18])، فقرن الكسل بالعجز "والعاجز معذور، والكسلان غير معذور"([19]).

 

وهذا أبو بكر يقول: "والله ما نمت فحلمت، ولا شبهت فتوهمت، وإني على طريقي ما زغت"([20])، ويقول عمر: "لئن نمت النهار لأضيعن الرعية، ولئن نمت الليل لأضيعن نفسي، فكيف بالنوم مع هذين"([21]).

 

البند الرابع: المحافظة على قيام الليل:

لما أراد الله -تعالى- أن يكلِّف نبيه -صلى الله عليه وسلم- بالمهمة الثقيلة الشاقة، أعدَّه لها بقيام الليل: (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا)[المزمل: 2-5]، لذا كان -صلى الله عليه وسلم- حريصًا على قيام الليل، تقول عائشة ناصحة: "لا تدع قيام الليل؛‍ فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان لا يدعه، وكان إذا مرض أو كسل صلى قاعدًا"([22]).

 

ولقد كان قيام الليل فريضة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو لنا سنة يجهد الشيطان ليصدنا عنها؛ لما يدرك من أثرها البالغ في علو همة المسلم ونشاطه في الدعوة والعبادة وفي صلاح حاله؛ يروي أبو هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب كل عقدة عليك ليل طويل، فارقد فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان"([23])، فقيام الليل طريق النشاط، وتركه سبب خبث النفس وكسلها... وأحسبك -أخي الخطيب- من ورثة الأنبياء، فأنت أولى الناس للأخذ بذلك.

 

البند الخامس: تجفيف منابعه وقطع أسبابه:

ومن منابع الكسل: الشبع، يقول السلمي مُعدِّدًا عيوب النفس: "ومن عيوبها الكسل، وهو ميراث الشبع، فإن النفس إذا شبعت قويت، فإذا قويت أخذت بحظها وغلبت القلب بوصلها إلى حظها.

 

ومداواتها: التجويع فإنها إذا جاعت عدمت حظها وضعفت، فغلب عليها القلب، فإذا غلب عليها حملها على الطاعة وأسقط عنها الكسل، ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ما ملأ آدمي وعاء شرًا من بطن، حسب الآدمي، لقيمات يقمن صلبه، فإن غلبت الآدمي نفسه، فثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس"([24])"([25]).

 

ومن منابعه: الأمن من المكر: وعلاجه باستحضار منازل الخوف والوجل والاستدراج، يقول ابن الجوزي في قول الله -تعالى-: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ)[آل عمران: 28]: "لما سمع المتيقظون هذا التحذير فتحوا أبواب القلوب لنزول الخوف، فأحزن الأبدان وقلقل الأرواح، فعاشت اليقظة بموت الهوى، وارتفعت الغفلة بحلول الهيبة، وانهزم الكسل بجيش الحذر"([26]).

 

وهكذا؛ فأغلق كل باب يدخل منه الكسل وأوصده بالأقفال كي لا يدخل عليك فيفسد عليك حياتك.

 

البند السادس: صاحب أرباب النشاط والهمم:

ولقد تعلمنا هذا من جعفر بن سليمان الذي يقول: كنت إذا فترت في العمل نظرت إلى محمد بن واسع وإقباله على الطاعة، فيرجع إلي نشاطي في العبادة، ويفارقني الكسل([27]).

 

فإن فاتتك مصاحبتهم فاقرأ سيرهم، وكفاك أن ترى استرخاص أحدهم ما يلقى في سبيل دعوته، كي تنعى على نفسك كسلها وقعودها، ولا تنفك كلمات خبيب بن عدي -رضي الله عنه- تؤثر في كل نفس طاهرة، وذلك حين صلبوه ليقتلوه:

ولست أبالي حين أقتل مسلمًا *** على أي شق كان لله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ *** يبارك على أوصال شلو ممزع([28])

 

***

 

والآن -أيها الخطيب- إني لأرجوا إن طبقت هذه البنود الست -مع ما يفتح الله عليك غيرها- أن تطعن الكسل في قلبه صارخًا فيه: "وداعًا أيها الكسل".

 

وأخيرًا، إليك نصيحة من ابن الجوزي يقول فيها: "يا هذا عليك بالجد والاجتهاد، وخل هذا الكسل والرقاد فطريقك لا بد لها من زاد.

 

انهض إلى المعالي *** وأقبل ولا تبالي

وخذ من الزمان *** حظًا فأنت فاني"([29])

 

([1]) البخاري (3461).
([2]) الحث على حفظ العلم لابن الجوزي (ص: 32)، ط: مؤسسة شباب الجامعة، الاسكندرية.
([3]) تهذيب الأخلاق لابن مسكويه (ص: 136)، ط: مكتبة الثقافة الدينية.
([4]) الزهد لأحمد بن حنبل (ص: 225)، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.
([5]) روضة العقلاء لابن حبان (ص: 218)، ط: دار الكتب العلمية - بيروت.
([6]) أدب الدنيا والدين للماوردي (ص: 320).
([7]) الذريعة إلى مكارم الشريعة للراغب الأصفهانى (ص: 269)، ط: دار السلام - القاهرة.
([8]) البخاري (3009)، ومسلم (2406).
([9]) مسلم (2674).
([10]) النسائي في الكبرى (9129)، وابن حبان (4492)، وحسنه الألباني (الصحيحة: 1636).
([11]) روضة العقلاء لابن حبان (ص: 218)، ط: دار الكتب العلمية - بيروت.
([12]) تفسير ابن أبي حاتم (6139)، وابن أبي شيبة في الأدب (227).
([13]) أحمد (8015)، والترمذي (2378)، وحسنه الألباني (الصحيحة: 927).
([14]) البخاري (5534)، ومسلم (2628).
([15])  أدب الدنيا والدين للماوردي (ص: 107).
([16]) البخاري (2802)، ومسلم (1796).
([17]) شرح السنة للبغوي (3354)، والمخلصيات (2564)، وحسنه الألباني (الصحيحة: 2140).
([18]) البخاري (2823)، ومسلم (2706).
([19]) شأن الدعاء للخطابي (1/119)، ط: دار الثقافة العربية.
([20]) تاريخ المدينة لابن شبة (2/672).
([21]) الزهد لأحمد بن حنبل (ص: 101)، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.
([22]) أبو داود (1307)، والبخاري في الأدب (800)، وصححه الألباني (صحيح وضعيف سنن أبي داود: 1307).
([23]) البخاري (1142)، ومسلم (776).
([24]) ابن ماجه (3349)، والترمذي (2380)، وصححه الألباني (الصحيحة: 2265).
([25]) عيوب النفس لأبي عبد الرحمن السلمي (ص: 14)، ط: مكتبة الصحابة - مصر.
([26]) التبصرة لابن الجوزي (1/82)، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.
([27]) الإحياء للغزالي (2/184)، بتصرف، ط: دار المعرفة - بيروت.
([28]) البخاري (7402).
([29]) التبصرة لابن الجوزي (1/147).

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات