سباق رمضان

تركي بن علي الميمان

2021-04-09 - 1442/08/27 2021-04-12 - 1442/08/30
عناصر الخطبة
1/ذم الإسراف 2/صور الإسراف 3/مراتب الإسراف من حيث أنواعها 4/نعمة الماء وخطر الإسراف فيه

اقتباس

كُلَّمَا ابتَعَدَ النَّاسُ عَمَّا جَاءَهُم مِن عِندِ اللهِ وَازدَادُوا بِالدُّنيَا تَعَلُّقًا، تَنَوَّعَ إِسرَافُهُم وَتَلَوَّنَ، وَوَقَعُوا فِيهِ كِبَارًا وَصِغَارًا، وَأَلِفُوهُ رِجَالاً وَنِسَاءً، مِن سَهَرٍ في اللَّيلِ طَوِيلٍ، وَنَومٍ في النَّهَارِ كَثِيرٍ، وَاستِهلاكٍ لِلمِيَاهِ وَمَصَادِرِ الطَّاقَةِ فَوقَ الحَاجَةِ...

الخُطْبَةُ الأُوْلى:

 

إنَّ الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله مِن شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِلّ له، ومَن يُضْلِل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

 

إنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هديُ محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب70-71].

 

أَيُّهَا الكِرام: مِنْ فَضْلِ اللهِ عليكم أَنْ جَعَلَكُمْ تَسْتَعِدُّونَ لِخَيرِ الشُّهُور، في وَقْتٍ غَابَ عَنْهُ أَصْحَابُ القُبُور! ومِنْ عَلامَةِ تَوْفِيْقِ اللهِ لِلْعَبْدِ في هذا الشهر؛ أنْ يكون سَبَّاقًا في جَمْعِ الحَسَنَات، ورَفعِ الدَّرَجَات، وتَكْفِيْرِ السيئات (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ)[المطففين:26].

 

فَرَمَضَانُ مَحَطَّةٌ سَنَويَّة، يَتَزَوَّدُ فيها الصالحونَ مِنْ وَقُوْدِ الإِيمانِ والتقوى؛ قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لعلكم تتقون)[البقرة:183].

 

وَمِنْ أَعْظَمِ الأَعْمَالِ التي يَتَسَابَقُ فيها الصالحون في هذا الشَّهْر: الصِّيام؛ ومِمَّا يُهَوِّنُ على المسلمِ مَشَقّةَ الصَّوْمِ: أَنْ يَعْلَمَ أنَّ صَوْمَ رمضان؛ أَحَدُ فَرَائِضِ الإسلام، ومَبَانِيْهِ العِظَام؛ والفَرْضُ أَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ النَّفْل، وعِبَادَةُ الصَّوْمِ يجتمع فيها الصَّبْرُ بَأَنْواعِهِ كُلِّهَا، ولهذا اخْتَصَّهُ اللهُ بِأَجْرٍ عظيمٍ لا حَدَّ لَهُ (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)[الزمر:10]، قال -صلى الله عليه وسلم-: "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي!"(أخرجه البخاري ومسلم).

 

وَمِنَ الأَعْمَالِ التي يَتَسَابَقُ فيها الصالحونَ في هذا الشَّهْر: قَيَامُ الليل، فـ "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"(أخرجه البخاري ومسلم)، و"مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ؛ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ"(أخرجه أبو داود، وصححه الألباني).

 

قال ابنُ رَجَب: "واعْلَمْ أَنَّ المؤمنَ يَجْتَمِعُ لَهُ في شَهْرِ رمضان؛ جِهَادَانِ لِنَفْسِهِ: جِهَادٌ بالنَّهارِ على الصيام، وجِهَادٌ بالليلِ على القيام؛ فَمَنْ جَمَعَ بين هَذَيْنِ الجِهَادَيْن، وَوَفَّى بِحُقُوْقِهِمَا، وَصَبَرَ عليهما؛ وُفِّيَ أَجْرَه بِغَيْرِ حساب".

 

وَمِنَ الأعمالِ التي يَتَسَابِقُ فيها الصالحونَ في هذا الشَّهْر: قِرَاءَةُ القُرآن، فَشَهْرُ رَمَضَان؛ هُوَ الشَّهْرُ (الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ)[البقرة: 185]، وكانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَلْقَى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ (أخرجه البخاري).

 

فَيَنْبَغِي للمُسْلِمِ أنْ يَجْعَلَ لَهُ خَتْمَةً في رمضان، وكُلَّما زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ، فـ "مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا"(أخرجه الترمذي، وصححه الألباني).

 

وَمِنَ الأعمالِ التي يَتَسَابَقُ فيها الصالِحُونَ في هذا الشَّهْر: الصَّدَقَة، فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ(أخرجه البخاري ومسلم).

 

وأَعْظَمُ الصَّدَقَةِ: الصَّدَقَةُ الواجبة: كالزكاةِ والكَفَّارات، وَمِنْ أَنْوَاعِ الصَّدَقَة؛ الصَّدَقَةُ بالذِّكْرِ: كالتسبيحِ والتكبيرِ والتهليل، والصَّدَقَةِ بالأخلاقِ الحَسَنَةِ: كالتَّبَسُّمِ، وَكَفِّ الأَذَى، وأنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَك، وتَصِلَ مَنْ قَطَعَك.

 

وَمِنَ الأعمالِ التي يَتَسَابَقُ فيها الصالحونَ في هذا الشَّهْر: كَثْرَة الدُّعَاء، قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)[البقرة: 186]، وهَذِهِ الآيَةُ ذَكَرَها اللهُ بَيْنَ آياتِ الصِّيام، قال ابنُ عَاشُور: "وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الصَّائِمَ مَرْجُوُّ الْإِجَابَةِ، وَإِلَى أَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ مَرْجُوَّةٌ دَعَوَاتُهُ"؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: "ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ: دَعْوَةُ الصَّائِمِ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ"(أخرجه أبو داود، وصححه الألباني).

 

وَمِنَ الأعمالِ التي يَتَسَابَقُ فيها الصالحونَ في هذا الشهر: إِصْلاحُ القُلُوبِ مِنَ الغِلِّ والحَسَدِ والشّكِّ والرِّياءِ والنِّفَاقِ والقَسْوَة، فالدُّنيا فَانِيَة، ولا يَبْقَى مِنْهَا إلا عمَلُكَ الصالح، وقَلْبُكَ السَّلِيم! (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء:88-89].

 

أقولُ ما تَسمعونَ، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخُطْبَةُ الثانية:

 

أَيُّهَا الأَحِبَّةُ: اِحْفَظُوا صِيَامَكُمْ مِمَّا يَخْدِشُهُ أو يُنْقِصُ أَجْرَهُ: مِنَ المُحَرَّمَات وَمُضَيّعَاتِ الأَوْقَات، فـ "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، وَالْعَمَلَ بِهِ، وَالْجَهْلَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ"(أخرجه البخاري) وكانَ السَّلَفُ إذا صَامُوا؛ جَلَسُوا في المساجدِ وقالوا: "نَحْفَظُ صَوْمَنا ولا نَغْتَابُ أَحَدًا".

 

وهذا الشَّهْرُ قَصِير، لا يَحْتَمِلُ التَّقْصِير، وَقُدُوْمُهُ عُبُوْر، لا يَقْبَلُ الفُتُور، وكُلَّمَا تَكَاسَلْتَ؛ تَذَكَّرْ أَنَّه أيام معدودات، و"إِنْ اسْتَطَعْتَ ألّا يَسْبِقَكَ إِلَى اللهِ أَحَدٌ فَافْعَلْ".

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ وَالسِّرَاجِ الْمُنِيرِ؛ حَيْثُ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ؛ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، واخْذُلْ أَعْدَاءَكَ أَعْدَاءَ الدِّينِ.

 

اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَارْزُقْهُمُ الْبِطَانَةَ الصَّالِحَةَ النَّاصِحَةَ.

 

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَاجْمَعْ عَلَى الْحَقِّ كَلِمَتَهُمْ.

 

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا وَوَالِدِينَا عَذَابَ الْقَبْرِ وَالنَّارِ.

 

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ؛ فاذكروا اللهَ يذكُرْكم، واشكُروه على نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبر، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.

المرفقات

سباق رمضان.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات
عضو نشط
زائر
13-04-2021

جزاكم الله خيرا .. سوف اخطب بها الجمعة القابلة ان شاء الله.