سارق الحسنات

تركي بن علي الميمان

2021-03-12 - 1442/07/28 2021-03-01 - 1442/07/17
عناصر الخطبة
1/ذم الحسد 2/عواقب الحسد ومفاسده 3/عقوبات الحاسد 4/أهم أدوية الحسد.

اقتباس

دَاءٌ عُضَال، ومَرَضٌ قَلْبِيٌّ قَتَّال، إِنَّه يُعَذِّبُ الرُّوْح؛ ويَأْكُلُ الجَسَد، إِنَّهُ دَاءُ الحَسَد.. والحَسَدُ مَذْمُوْم، وصَاحِبُهُ مَغْمُوْم، فالحاسِدُ لا يَزْدَادُ بِحَسَدِهِ إلا نَارًا تَلَظَّى في جَوْفِه، وَكُلَّما ازْدَادَتْ نِعْمَةُ اللهِ على عِبَادِه: اِزْدَادَ حَسْرَةً

الخُطْبَةُ الأُوْلَى:

 

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وتابعيهم وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71].

 

عِبَادَ الله: حِيْنَمَا يُصَابُ الإنْسَانُ بِمَرَضٍ خَطِير؛ فَإِنَّه يُسَارِعُ إلى عِلَاجِهِ وتَدَارُكِه، وهُنَاكَ دَاءٌ عُضَال، ومَرَضٌ قَلْبِيٌّ قَتَّال، إِنَّه يُعَذِّبُ الرُّوْح؛ ويَأْكُلُ الجَسَد، إِنَّهُ دَاءُ الحَسَد؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: "دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الْحَسَدُ، وَالْبَغْضَاءُ، وَالْبَغْضَاءُ: هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ"(رواه الترمذي 2510، وحسنه الألباني).

 

والحَسَد: أَوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فِي السَّمَاءِ، وَأَوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ بِهِ فِي الْأَرْضِ، فَأَمَّا فِي السَّمَاءِ: فَحَسَدُ إِبْلِيسَ لِآدَمَ، وَأَمَّا فِي الأَرْضِ: فَحَسَدُ قَابِيلَ لِهَابِيلَ.(أدب الدنيا والدين، الماوردي: ص269).

 

والحَسَدُ لِصٌّ مُحْتَالٌ في سَرِقَةِ الحَسَنَات! قال -صلى الله عليه وسلم-: "إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تأكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ"(رواه أبوداود:4903).

 

والحَسَدُ مَذْمُوْم، وصَاحِبُهُ مَغْمُوْم، فالحاسِدُ لا يَزْدَادُ بِحَسَدِهِ إلا نَارًا تَلَظَّى في جَوْفِه، وَكُلَّما ازْدَادَتْ نِعْمَةُ اللهِ على عِبَادِه: اِزْدَادَ حَسْرَةً؛ قال السَّمَرْقَنْدِي: "يَصِلُ إلى الحَاسِدِ خَمْسُ عُقُوْبَاتٍ، قَبْلَ أَنْ يَصِلَ حَسَدُهُ إلى المَحْسُود: غَمٌّ لا يَنْقَطِع، ومُصِيْبَةٌ لا يُؤْجَرُ عليها، ومَذَمَّةٌ لا يُحْمَدُ عليها، وسَخَطُ الرَّب، ويُغْلَقُ عنه بابُ التوفيق!"(تنبيه الغافلين، السمرقندي: 177).

 

والْحَاسَدُ مُضَادٌّ للهِ في قَضَائِهِ وَقَدَرِه، فَإِنَّهُ يَكْرَهُ نِعْمَةَ اللهِ على عَبْدِه، وَقَدْ قَدَّرَهَا اللهُ لَه"(الفوائد، ابن القيم: 158).

 

ألا قُلْ لِمَنْ كانَ لِيْ حَاسِدًا *** أَتَدْرِيْ على مَنْ أَسَأْتَ الأَدَبْ

أَسَأْتَ على اللهِ في فِعْلِهِ *** لأنَّكَ لَمْ تَرْضَ لِيْ مَا وَهَبْ

 

وَمِنْ أَعْظَمِ أَدْوِيَةِ الحَسَد: ذِكْرُ الآخِرَة، والزُّهْدُ في الدنيا؛ لأَنَّ التَّحَاسُدَ مَنْشَؤُهُ مِنْ حُبِّ الدنيا!(انظر: صيد الخاطر:30).

 

قال أبو الدَّرْدَاء: "مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ: قَلَّ فَرَحُهُ، وَقَلَّ حَسَدُهُ"، وقال ابنُ سِيْرِيْن: "مَا حَسَدْتُ أَحَدًا عَلَى شَيْءٍ مِنْ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؛ فَكَيْفَ أَحْسُدُهُ عَلَى الدُّنْيَا، وَهِيَ حَقِيرَةٌ فِي الْجَنَّةِ! وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؛ فَكَيْفَ أَحْسُدُهُ عَلَى الدُّنْيَا وَهُوَ يَصِيرُ إِلَى النَّارِ!"(الزهد والرقائق، عبدالله بن المبارك: ص37).

 

وَمِنْ أَدْوِيَةِ الحَسَد: مَعْرِفَةُ ما أَعَدَّهُ اللهُ لأَصْحَابِ القُلُوبِ السَّلِيْمَةِ مِنَ الحَسَد، قال أَنَسُ بنُ مالك: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: "يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، فتَبِعَهُ أَحَدُ الصحابة، ومَكَثَ عِنْدَهُ ثَلَاثَ لَيَال، ثُمَّ قالَ لَه: "أَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ؛ لِأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ، فَأَقْتَدِيَ بِهِ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-؟"، فَقَالَ: "مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ!"(رواه أحمد 12697، وإسناده صحيح على شرط الشيخين).

 

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

أَمَّا بَعْد: مَنْ أُوْتِيَ صَدْرًا سَلِيْمًا؛ فَقَدْ تَعَجَّلَ شيئًا مِنْ نَعِيمِ الجَنَّة، قال -تعالى-: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ)[الحجر:47]. قال ابنُ الجوزي: "ما طابَ عَيْشُ أَهْلِ الجنة؛ إلا حِيْنَ نُزِعَ الحَسَدُ والغِلُّ مِنْ صُدُوْرِهِم، وَلَوْلَا أَنَّهُ نُزِعَ؛ تَحَاسَدُوا وتَنَغَّصَ عَيْشُهُم!"(صيد الخاطر: 463).

فالقَلْبُ السَّلِيْمُ: يَعِيْشُ في جَنَّةِ الدُّنيا قبل جَنَّةِ الآخِرَة، لا يُعَكِّرُ صَفْوَ قَلْبِهِ حِقْدٌ ولا حَسَد، فَعَاشَ سَلِيْمَ الجَسَد! قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: "رَأَيْتُ أَعْرَابِيًّا أَتَي عَلَيْهِ مائِةٌ وعشرون سَنَةً"، قُلْتُ لَهُ: "مَا أَطْوَلَ عُمُرَك؟!"، فقال: "تَرَكْتُ الْحَسَدَ فَبَقِيتُ!"(الرسالة القشيرية، عبد الكريم القشيري 1/288).

 

يَا طَالِبَ العَيْشِ فِي أَمْنٍ وَفِي دَعَةٍ *** رَغْدًا بَلاَ قَتَرٍ صَفْوًا بَلاَ كَدَرٍ

خَلِّصْ فُؤَادَكَ مِنْ غِلٍّ وَمِنْ حَسَدٍ *** فَالغِلُّ فِي الْقَلْبِ مِثْلُ الغِلِّ فِي العُنُقِ

 

وَمَنْ تَلَوَّثَ قَلْبُهُ بِشَيءٍ مِن الحَسَد، فلْيُعَالِجْ نَفْسَه، وَلْيَتَدَارَكْ قَلْبَه، ولْيَغْسِلْهُ بِمَاِء التوبةِ والصَّفَاء، والمَحَبَّةِ والإِخَاء، قَبْلَ أَنْ تُبْلَى السَّرَائِر! (يومَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)[الشعراء: 88- 89].

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ وَالسِّرَاجِ الْمُنِيرِ؛ حَيْثُ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ؛ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، واخْذُلْ أَعْدَاءَكَ أَعْدَاءَ الدِّينِ.

اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَارْزُقْهُمُ الْبِطَانَةَ الصَّالِحَةَ النَّاصِحَةَ.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَاجْمَعْ عَلَى الْحَقِّ كَلِمَتَهُمْ.

 

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا وَوَالِدِينَا عَذَابَ الْقَبْرِ وَالنَّارِ.

 

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ؛ فاذكروا اللهَ يذكُرْكم، واشكُروه على نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبر، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.

 

المرفقات

سارق الحسنات.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات