رمضان والأخلاق

الشيخ خالد الكناني

2025-03-14 - 1446/09/14 2025-03-20 - 1446/09/20
عناصر الخطبة
1/الغاية الكبرى من الصيام 2/أهمية التخلق بالأخلاق الكريمة 3/فضائل حُسن الخلق 4/أثر الصيام في التحلي بفضائل الأخلاق وترك رذائلها 5/المقاصد العظمى من الصيام.

اقتباس

والصائم مطالب بتنقية صومه وتجنُّب كل ما يخدشه ويوثر عليه؛ وذلك أن الصائم الذي لم يحقق تقوى الله في صيامه قد خسر الثمرة من هذا الصيام الذي لم يُشرَع لمجرد ترك الأكل والشرب والشهوة، وإنما شُرع من أجل تحقيق تقوى الله بترك الكذب والفحش والبذاءة....

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الكريم الجواد، اللطيف بالعباد، المُتفرِّد بالخَلقِ والإيجاد، له الحمد على نعمة الإسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك العلَّام، وأشهد أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمداً عبدُه ورسولُه عليه أفضل الصلاة والسلام.

 

أما بعد: عباد الله: تقوى الله هي وصية الله للأولين والآخرين؛ يقول -سبحانه وتعالى-: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)[سورة النساء: 133]، ويقول -جل وعلا-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70- 71]؛ فلنتّقِ الله -عباد الله- وخاصة أننا في شهر الصيام الباعث على التقوى.

 

قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[سورة البقرة: 183]؛ فهذه الآية دلت على أن الغاية الكبرى من هذا الصيام هو حصول تقوى الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.

 

ومن حقيقة التقوى: التمثل بالأخلاق الكريمة والصفات النبيلة فعلاً وقولاً وسلوكًا ومنهجًا، وممارسة عملية واقعية؛ مهتدين بهدي النبي -صلى الله عليه وسلم- القائل: "اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ".

 

إن من توفيق الله للعبد أن يتحلى بكريم الخُلق مِن فِعْل وقول جميل؛ لأن ذلك أكثر ما يُدخل الناس الجنة؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الجَنَّةَ، فَقَالَ: "تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الخُلُقِ".

 

وبِحُسن الخُلق يكون العبد أقرب من منزلة من النبي -عليه الصلاة والسلام- يوم القيامة، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ  رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا".

 

والإسلام يريد من العبد أن يتحلَّى بالأخلاق الحسنة، وأن يتصف بالمعاملة الكريمة، وأن يكون حسنًا في لفظه ومقاله، كريمًا في طباعه وأحواله، بعيدًا كل البعد عن السفه والحماقة والطيش وقول الزور.

 

والصائم مطالب بتنقية صومه وتجنُّب كل ما يخدشه ويوثر عليه؛ وذلك أن الصائم الذي لم يحقق تقوى الله في صيامه قد خسر الثمرة من هذا الصيام الذي لم يُشرَع لمجرد ترك الأكل والشرب والشهوة، وإنما شُرع من أجل تحقيق تقوى الله بترك الكذب والفحش والبذاءة.

 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ الصِّيَامَ لَيْسَ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَقَطْ، إِنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، فَإِنْ سَابَّكَ أَحَدٌ، أَوْ جَهِلَ عَلَيْكَ، فَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ".

 

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ وَالجَهْلَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ".

 

عباد الله: الصيام الحقيقي يَرْقَى بصاحبه عن الفُحش والسفه والطيش والعنف مع من يتعامل ممن هو قريب منه ويساكنه من الزوجة والأولاد وسائر الأقارب، ومع إخوانه المسلمين بل مع الناس كافة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا، وَصِيَامِهَا، وَصَدَقَتِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: "هِيَ فِي النَّارِ"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا، وَصَدَقَتِهَا، وَصَلَاتِهَا، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ، وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: "هِيَ فِي الْجَنَّةِ".

 

 ومن هذا المنطلق حذَّر النبي -صلى الله عليه وسلم- الصائمين من أن يخدش أحدهم صيامه بالكذب أو الزور أو الغيبة أو النميمة؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ وَالجَهْلَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ".

 

 بل وجَّه الصائم إلى أن يترفع عن ذلك كله لأنه صائم؛ فقال: "إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ"؛ لهذا فهم الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- هذه المقاصد العظام من الصيام وسائر العبادات فطبّقوها، وأدركوا تلك الغايات فعملوا بها.

 

فالسعيد -أيها المسلمون- مَن عبَد الرحمن والتزم بالأخلاق الحسان ففاز بالجنان وسلم من النيران، نسأل الله أن يَمُن علينا بكلّ خُلق كريم وكل فِعْل نبيل.

 

أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه.

 

أما بعد: عباد الله: في كتاب الله توجيهات إلى مكارم الأخلاق في البذل والعفو والإحسان إلى عباد الله؛ لينال المتصف بها المغفرة والرضوان وسكنى الجنان؛ قال -تعالى-: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)[آل عمران: 133- 134].

 

وهنا وقفات وإشارات يتعرض لها المسلم الصائم في يوم صيامه؛ ففي داخل أسرته مهم جدًّا أن يتحلى بالصبر والحلم ومكارم الأخلاق.

 

وفي تعاملاته الخارجية مع الناس لا بد أن يكظم الغيظ ويعفو ويصفح، وإعطاء الصدقة بالمعروف وكريم الخُلق؛ (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ)[سورة البقرة: 263]؛ لأن الله -تعالى- قال قبل هذه الآية: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)[سورة البقرة: 262].

 

في تنقلاته في سيارته لا بد أن يتأدب بآداب القيادة، في الأسواق حريّ به أن يبتعد عن الغش؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا فَقَالَ: "مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟" قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: "أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي".

 

في بيته، وفي الشارع، وفي السوق، وفي مقر العمل؛ لا بد للصائم أن يتحلَّى بمكارم الأخلاق وفي مسجده لا بد أن يحلق مع القرآن وآدابه.

 

وعند إفطاره يحتاج إلى الرفق والأناة، وأن يُعنَى بالدعاء؛ فعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: "ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ الله"(رَوَاهُ أَبُو دَاوُد).

 

وصلوا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، قال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

 

المرفقات

رمضان والأخلاق.doc

رمضان والأخلاق.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات