رمضان شهر القرآن

منصور محمد الصقعوب

2017-06-02 - 1438/09/07
عناصر الخطبة
1/ منزلة القرآن وشرفه وفضله 2/ نزول القرآن في رمضان وأحوال المسلمين معه 3/ من أحوال السلف مع القرآن في رمضان 4/ مشاريع المسلم مع القرآن في رمضان وبعض ما يجب عليه تجاهه 5/ الرفعة والكرامة لأهل القرآن في الدنيا والآخرة

اقتباس

إذا جاء رمضان تجددت بنا ذكريات القرآن إلى هناك حيث كانت الأرض على موعد مع وحي السماء، إلى هناك حيث غارُ حراء, والمصطفى -عليه السلام- قد خلا بربه يتعبد, ليس حوله صوت ولا حركة, بعيد عن الناس, قد أنس بالتعبد والخلوة مع رب الناس, إذا...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله عالم السر والنجوى, وخالق الأرضين والسماوات العلى, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذل له كل شيء, وهو خالق كل شيء, وله الحمد في الآخرة والأولى, أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً, وتفرد بالخلق والملك والربوبية فلم يتخذ صاحبة ولا ولداً.

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي المصطفى وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

 

أما بعد:

 

فاتقوا الله -عباد الله-.

 

أحدثكم اليوم -يا صائمون- عن الناصح الهادي، والبلسم الشافي، والعلاج الواقي, يأتيه ذلك الرجل مهموماً مغموماً, قد لحقه الضيق والكرب، فما إن يقبل عليه ويجالسه إلا والهم يتبدد، والحزن يزول، والقلب ينفرج بالراحة والسعادة, ويقبل عليه المريض الذي أنهكه المرض وأضناه الألم فإذا بالمرض يزول، وبالألم يتلاشى, ويأتيه طالب العلم فإذا بكنوز العلوم تتفجر منه, يأتيه الكافر المعرض أو الفاسق الفاجر فربما بجلسه معه تغير كل شيء فأسلم الكافر وآب الفاسق الفاجر، بل تأتيه الأمة كلها تبحث عن السناء والعز, فحين تقرب منه, وتمسك به حساً ومعنى, تجد الرفعة والعزة.

 

نعم لعلكم عرفتم ماذا أريد؛ إنه كتاب الله، إنه القرآن كلام الله، أفصح الكلام، وأعظم البيان، والسراج المنير، والطريق القويم، والمنهج السليم لهذه الأمة, وعزها وعلوها ورفعتها مقرون بتمسكها به.

 

إنه القرآن، كتابٌ كلما قرأته وكررته زدت له شوقاً وحباً، وتفتح لك من معانيه وعجائبه وأسراره ما لم تره قبل ذلك, وما زال العلماء قديماً وحديثاً يقفون أمام عجائبه، ويحارون أمام إعجازه، ويطوفون في أفانينه, ولن يبلغوا لمعانيه وعلومه حداً.

 

القرآن وصفه علي بن أبي طالب فقال: "الناصح الذي لا يغش، والهادي الذي لا يضل، والمحدث الذي لا يكذب، وما جالس هذا القرآن أحد إلا قام منه بزيادة أو نقصان، زيادة في هدى، ونقصان من عمى".

 

إنه القرآن فيه علاج للنفوس وأدوائها، ودواء الأمراض وألوانها، وراحة من الكروب والغموم وأعراضها، لو أنزل على جبل لرأيت الجبل خاشعاً متصدعاً من خشية الله.

 

إنه القرآن هدى للمتقين, يهديهم للتي هي أقوم, وبشرى للمؤمنين, قصصه أحسن القصص, ومواعظه أبلغ المواعظ, فيه تبينان كل شيء, فما فرط في الكتاب من شيء.

 

هذا الكتاب تحدى الله به العرب الفصحاء أن يأتوا بمثله فعجزوا، فتحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله فخابوا، فتحداهم بسورة فوقفوا حائرين عاجزين خاسرين.

 

إنه كتاب الله العظيم، وحبل الله المتين، والصراط المستقيم لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يخلق على كثرة الترديد، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله.

 

كم من ضال سمعه فنقله الله بهداياته من الشقاء إلى الهدى, وإلى النور بعد الظلماء ،يأتي ذلك الرجل الذي ملئ قلبه كفراً فما هو إلا أن يسمع آياته إلا ويدخل الدين قلبه, فلا يحصى كم عاتٍ زال عتوه, وذهب تكبره, بآية سمعها فقلبت موازينه.

 

نِعمَ السمير كتاب الله إن له *** حلاوة هي أحلى من جنى العسل

 

به فنون المعاني قد جمعن فما *** تفتر من عجب إلا إلى عجب

أمر ونهي وأمثال موعظة *** وحكمة أودعت في أفضح الكتب

لطائف يجتبيها كل ذي أدب *** وروضة يجتنيها كل ذي أدب

 

أيها الصائمون: وإذا جاء رمضان تجددت بنا ذكريات القرآن, إلى هناك حيث كانت الأرض على موعد مع وحي السماء، إلى هناك حيث غارُ حراء, والمصطفى -عليه السلام- قد خلا بربه يتعبد, ليس حوله صوت ولا حركة, بعيد عن الناس, قد أنس بالتعبد والخلوة مع رب الناس, إذا بجبريل يأتيه بآيات القرآن من الرب المنان، فيأخذه ويغمه حتى يبلغ منه الجهد ثم يرسله, مراراً, حتى إذا تهيأت نفسه لما سيلقى, وحضرت كل حواسه, انسابت من جبريل آي القرآن: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ) [العلق: 1 - 2]، فشهد رمضان اتصال الأرض بالسماء، وتنزل الوحي بالنور والضياء, وأشرقت الأرض بنور ربها حين نزل القرآن.

 

وظلت هذه الذكرى عالقة في نفس نبينا -عليه السلام-, فكان إذا ما جاء رمضان اتصل به جبريل كرة أخرى, فظل يدارسه القرآن فيه, حتى توفاه الله على ذلك.

 

إذن فلنا مع القرآن في رمضان ذكرى وأي ذكرى؟

 

أمة القرآن: وحين تحل أنوار رمضان فبالنفوس شوق للقرآن, وبالقلوب شعث لا يزيله إلا آياته.

 

جاء رمضان ولقد كنا نلوم نفوسنا على التقصير والهجران لأي الرحمن, فحلت أيامه، وتغير حال الكثير منا مع كتاب الله, وصرت ترى إقبال الجموع عليه ذكورا وإناثا صغارا وكباراً, فما أجملها من مشاهد حين ترى تسابق الناس أدبار الصلوات إلى القرآن, فذاك تالٍ, وذاك مدارسٌ, وذاك سائل عن حكم آية, ما أروعه من مشهد ذلك الأب وهو يدارس أبناءه القرآن؟ ما أجله من منظر منظر صبية يتسابقون أيهم يقرأ القرآن أكثر, ومنظر رجلٍ قد أكب على تفسير يطالع فيه معاني القرآن؟

 

إنها مشاهد يقف المسلم أمامها موقف إكبار وانشراح.

 

وكيف لا يُقبلون على القرآن وهو كلام الخالق المنان, فحين يبحث عن الربح, وعن تطلّب الكنوز, ففي القرآن الكنوز الباقية, والأجور الجزيلة, وإذا كان الحرف يقرأه المؤمن بعشر حسنات, فكم ينال من ختم القرآن مرة وربما مرات من أجور وحسنات؟ وكيف لا يقبلون على القرآن وفيه الهداية من كل بلاء والنور من كل ظلماء: (قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [المائدة: 15 - 16].

 

كيف لا يُهَتمُّ بالقرآن وفيه الشفاعة في يوم القيامة والنجاة من كربات النيران؟ ففي الحديث: "اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه"، وفي الحديث الآخر: "القرآن والصيام يشفعان لصاحبهما يوم القيامة يجئ القرآن فيقول: أي رب حرمته النوم فشفعني فيه؟"، فلتهنؤوا يا من نلتم الصيام والقرآن بشفاعتهما لدى الملك المنان.

 

معاشر الصائمين: ويكفي أهلَ القرآن شرفاً, وللإقبال عليه حادياً قول المصطفى -عليه الصلاة والسلام-: "إن لله أهلين" قالوا: يا رسول الله من هم؟ فقال: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته".

 

الله أكبر! فلينتسب أهل الفن لفنهم, وأهل الدنيا لدنياهم، وأهل الأموال لأموالهم, فلقد انتسب أهل القرآن لربهم، وكفى بذلك فخراً أنهم أهل الله وخاصته.

 

أجل لقد ذهبوا بشرف الدنيا وعز الآخرة، وفازوا بمجد الدنيا وجنة الآخرة.

 

حق لهم ذلك وهم من كان كلام الله في صدورهم، وترتيل آياته أنيس وحدتهم، وسلوة حياتهم، وتدبر كلماته ديدنهم.

 

وفي أخبارهم مع القرآن الحديث العجب, والنبأ الذي لا يُكذب, يعمرون أوقاتهم بتلاوته, سيما في المواسم, ولن يعجزك أن ترى من حولك من هؤلاء من يختم القرآن في رمضان كل خمس, وكل ثلاث, ومن يختم كل يوم, وليس من عجب فلقد حُبِّبَ للقومِ القرآن, فلا يمل المرء منهم من المكث معه الساعات الطوال, وأين يذهب ويفارق كلام الله -سبحانه-.

 

وإذا أتيت تدبر القرآن وجدت لهم في هذا سهماً وأي سهم, وليس يخفى عليهم مقولة العالم الرباني ابن القيم -رحمه الله-: "لو علم الناس ما في تلاوته بالتدبر لتركوا كل شيء وأقبلوا عليه".

 

وكم نقل عن أقوامٍ أنهم مكثوا ليلة كاملة يرددون آية واحدة لا يتجاوزونها, يتأملون فيها ويبكون, وفي الحديث: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكث ليلة كاملة يردد قول الله -تعالى-: (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [المائدة:  118].

 

"لقد كان أهل القرآن قوماً رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل، ويعتقدونها بالنهار".

 

وما أحلاها من دمعة, وما أعظمها عند رب العزة, وما أثقلها في ميزان الحسنات, حين تخرج عند سماع عظات رب البريات, فيتدبر القلب, ويوجل الفؤاد, وتخرج الدمعة, فهنيئاً لهم بما قاله المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: "عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله".

 

والله -يا كرام- إن عبداً يخشع عند القرآن لهو عبد موفق, أجل فلقد بتنا في زمانٍ تمر علي كثيرٍ منا عظات القرآن وزواجره, ووعده ووعيده, قلا تتحرك القلوب ولا توجل الأفئدة, فإلى الله نشكو؟

 

ما بالنا صرنا نقرأ القوراع التي تهز الجبال, وتقدّ الحجارة, ثم تمر بنا ولا تحرك في نفوسنا شيئاً؟ أما والله ما أنزل القرآن إلا ليتدبر, وإنه حينما ترى قلبك لا يتأثر مع القرآن فراجع حالك, واتهم نفسك, وسل الله أن يحيي قلبك, وأن يزيل أقفاله ويمحو رانه.

 

اللهم أحيي قلوبنا...

اللهم صل على محمد..

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى.

 

عباد الله: وأهل القرآن مصاحفهم في صدروهم فيوم أن انشغل الكثير بالدنيا والأموال, أقبل هؤلاء يحفظون كلام الله في صدورهم, ويوم أن خوت قلوب الكثير من الآيات وصارت كالبيت الخرب, لا ترى أهل القرآن إلا يترنمون بآيات القرآن قائمين وقاعدين, معه يمضون نهارهم وليلهم, فلا تسل بعد ذلك عن انشراح صدورهم، وراحة قلوبهم وسعادتهم، وكيف يشقون وأنيسهم القرآن، فبشراكم بشراكم أهلَ القرآن أهلَ الله وخاصَّتَه بهذه المنقبة التي لا يساميكم فيها أحد ولا يدانيكم.

 

يا حفاظ القرآن: حدّثوا الناس بما تحسون به من الأنس والسعادة, حدثوهم أن المرء منكم تمر به أوقات فرح لا توازيها كنوز الدنيا, حين يراجع كتاب الله حفظاً, حدثوهم عن فرحة أحدكم حين ينهي كتاب الله حفظاً في صدره, تلك الحالة التي لو وزنت بما في الدنيا من أموال لوزنتها, ولقد عرفت رجلاً من أصحاب الثراء الفاحش قال لإمامهم في التراويح: "والله لوقفتك تصلي بنا من حفظك أغلى عندي من ملياراتي, وما غبطت أحداً كما أغبط حافظ القرآن".

 

أيها الصائم, يا من ظمئت وجعت لأجل ربك: الله أكرم منك, فسله وقد صمت له أن يفتح عليك في القرآن, فهناك السعادة الحقة والحياة الهنية.

 

ليكن لك في القرآن مشاريع: مشروعٌ لتدبره, بصفحة في كل يوم تتلوها بتفهم وتدبر, ومشروع لتلاوته وختمه، ومشروع لحفظه, فما تقرب المتقربون إلى الله بحفظ شيء أعظم وأولى من حفظ كلامه, فكم في صدرك منه تنير به دربك, وتتلوه بعد ضعف بصرك, ويؤنسك حين توسد في قبرك.

 

ولا تستطل الطريق, ولا تتعلل بالكبر, فالواقع يشهد أنه ربما حفظ القرآن من عاش السنين, وإذا كبرت الهمة صغر أمامها كل شيء وسهل، وقد قال المصطفى -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه يوماً, وقد رأى قدر النوق في القلوب: "أيكم يجب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيعود منه بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطيعة رحم؟ فكلٌ قال: نعم، فقال: أفلا يغدوا أحدكم إلى المسجد فيتعلم آيتين خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل".

 

فإن غلبت على ذلك فليكن عوضك في أبنائك, وحلقات القرآن خير طريق يوجه له الأبناء.

 

ولربما علّم العبد القرآن بماله وبدعمه, فنال أجر الحافظ, وها هي حلقات القرآن قد زينت أحياءنا, وعمرت مساجدنا, يقوم عليها كرام فضلاء, اقتطعوا الأوقات, وأمضوا مع الجيل الساعات, فيا سعد من كانت له بصمة معهم, بدعم مالي, وتشجيع معنوي.

 

وبعد -أيها الصائمون-: فالرفعة والقيادة, والكرامة والريادة, والعزة والسيادة, في الدنيا والآخرة, إنما هي لأهل القرآن, وعبر بوابة القرآن, فإذا أردت سعادة القلب، وطمأنينة النفس، ومضاعفة الأجر، وجنة الخلد، ورفعة الدرجات، ومرضاة رب البريات، فها هو القرآن بين يديك, مدَّ يدك إليه, افتح صفحاته, عش مع آياته, صحح العقد معه, وجدد العزم إليه, لتعمر به وقتك وقلبك وبيتك.

 

اللهم اجعلنا من أهل القرآن، واشرح به صدورنا، وارفع به أجورنا، واجعله شافعا لنا، وحجة لنا لا علينا.

 

 

المرفقات

شهر القرآن1

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات