رسالة نُّزَّاع القبائل

شريف عبدالعزيز - عضو الفريق العلمي

2021-09-19 - 1443/02/12
التصنيفات: وعي الخطيب

اقتباس

فالمصلحون أصحاب الدعوة إلى التوحيد الخالص وتطهير الأرض من الفساد الذي يصيبها بالبعد عن دينه وتعبيد الناس لغير خالقهم، هم صمام الأمان للأمم والشعوب، وهذا يبرز قيمة كفاح نُّزَّاع القبائل...

سنن الله ماضية لا تتوقف ولا يملك أحد إيقافها أو تغييرها إلا موجودها وخالقها. سنن الله ضابطة للكون وحافظة للخلق ومقومة للسير، بها يجري قلم القضاء وتحت وقع مطارقها يمضي الناس إلى مصارعها ويأخذوا أماكنهم، والعاقل من تدبرها ووعيها وفهم طريقة عملها فيأخذ بسنن النجاة ويحيد عن سنن الاستئصال والهلاك.

 

ومن أكثر السنن التي يغفل عنها الناس ولا يشعرون بوقع خطواتها وهي تقبل وتدبر بين أظهرهم؛ وقوع الفتن. فالله -تعالى- قال: (أَلَم * أحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ)[العنكبوت:1-2].

 

فوقوع الفتن سنة ربانية ارتضاها الله -تعالى- كاشفة ومميزة لإيمان عباده، وممحصة لذنوبهم، ومطهرة لآثامهم ورافعة لدرجاتهم. وفي صحيح مسلم من حديث حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً؛ فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء...." والتعبير النبوي بالمضارعة يفيد معنى في غاية الخطورة والأهمية؛ يفيد الاستمرارية وعدم التمييز بين صالح وطالح!

 

وجماع وملاك أسباب الوقوع في الفتن بأصلين عظيمين، فيهما هلك كثير من الناس وغرقوا في بحر الفتن الهادر؛ ترك الحق، وترك الصبر. وبين هذين التركين يقع غالب الفتن التي تعرض على قلوب الناس؛ فأصل كل فتنة من تقديم الرأي على الشرع، والهوى على العقل؛ فالأول: أصل فتنة الشبهة، والثاني: أصل فتنة الشهوة. وفتنة الشبهات تُدفع باليقين، وفتنة الشهوات تُدفع بالصبر. ولذلك جعل الله -عز وجل- إمامة الدين منوطة باجتماع هذين الأصلين العظيمين، فقال -تعالى-: (وَجَعَلنَا مِنهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)[السجدة:24].

 

الناجون من الفتن

عند الحديث عن سنة وقوع الفتن في الكون واستمراريتها وشيوعها وشموليتها لكل الأزمان والأماكن والفئات والمجتمعات، يثور تساؤل هام حري بكل مسلم أن يعرف إجابته: إذا كان وقوع الفتن سنة ماضية ولا يسلم منها أحد؛ فمن الناجون إذاً من هذه الفتن؟!

 

والإجابة لا تحتاج إلى جهد جهيد أو تنظير وتقعيد؛ فالناجون هم النُّزَّاع من القبائل!!

 

نعم؛ النُّزًّاع من القبائل، الغرباء الأولون والآخرون، القلائل المصلحون، العالمون العاملون، الصابرون الثابتون، الذين يصلحون ما أفسده الناس بكثرة وقوعهم في الفتن.

 

روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء"، وعن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباَ كما بدأ، فطوبى للغرباء"، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: "الذين يَصلُحون إذا فسد الناس" وروي بزيادة لفظ: "قيل ومن الغرباء؟ قال: "النُّزاع من القبائل".

 

والنُّزَّاع من القبائل: جمع نزيع وهو الغريب الذي نُزِع من أهله وعشيرته، وهذه الصفة هي التي كان عليها أتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- في أول الإسلام، كان أحدهم يُنزع من الأهل والعشيرة والوطن ليلحق برسول الله، وهذه الصفة ذاتها التي يكون عليها أهل الحق في آخر الزمان حين تكثر الفتن، فيهجرونها وأهلها، مفارقين الأقارب والأباعد حين لا يجدون على الحق نصيرا ولا معينا.

 

وروى عبد الله بن المبارك في كتابه "الزهد" عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "طوبى للغرباء"، قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: "ناس صالحون قليل في ناس سوء كثير، ومن يعصيهم أكثر ممن يطيعهم".

 

فالناجون من الفتن هم أفراد قلائل في المجتمعات لا ينتسبون إلا جماعة أو فرقة أو طائفة ولا يرتضون شعاراً أو وسماً إلا الإسلام الصريح، ولا يعتزون بعشيرة ولا أهل ولا بنسب أو حسب أو وطن إلا الله ورسوله، هم الأتقياء الأنقياء الأبرياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا وإذا حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون من كل فتنة عمياء مظلمة.

 

قال ابن القيِّم -رحمه الله- في مدارج السالكين في باب الغربة: "أهل الإسلام في الناس غرباء، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء، وأهل السنة الذين يميزونها من البدع والأهواء فيهم غرباء، والداعون إليها، الصابرون على أذى المخالفين أشد هؤلاء غربة وهم الغرباء من الله ورسوله ودينه، وغربتهم هي الغربة الموحشة، فإنهم لم يأووا إلى غير الله تعالى، ولم ينتسبوا إلى غير رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يدعو إلى غير ما جاء به. فهذه الغربة لا وحشة على صاحبها، فوليه الله ورسوله والذين آمنوا، وإن عاداه أكثر الناس وجفوه".

 

رسالة نُّزًّاع القبائل

هؤلاء الغرباء؛ نُّزًّاع القبائل ليسوا رهباناً منعزلين في الصوامع والجوامع، وليسوا منقطعين على ذواتهم لا يبالون بما وقع في مجتمعاتهم، ولا بما جرى لدينهم من تبديل وتحريف، بل هم الصالحون المصلحون، العالمون العابدون، الخطباء الواعظون، الدعاة المخلصون.

 

نُّزَّاع القبائل ليس لهم رسالة في الحياة إلا الإصلاح وخدمة الدين وتجريد التوحيد والذب عن حياض الإسلام.

 

نُّزَّاع القبائل هم القائمون على حدود الله، حراس السفينة، وحماة الثغور، أُسُد الإسلام.

 

نُّزَّاع القبائل هم الطائفة المنصورة، الظاهرون على الحق، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم، لا يضرهم من خالفهم، الثابتون على الحق إلى يوم الدين.

 

"الإصلاح" إذاً هو الرسالة الأولى لنُّزَّاع القبائل وقضيتهم المحورية من أجلها عاشوا وفي سبيلها ماتوا. وإن من الأشياء العظيمة أن يكون الإنسان صالحاً في قوله وعمله، ولكن الأعظم من ذلك أن يكون مُصلحاً في قوله وعمله؛ فالصالح قد اكتفى بنفسه عن الخلق، وأما المصلح فقد حمل هموم الخلق، وتصدى لإصلاحهم، وإن الصلاح يُستجلب به الخير والبركة والنماء، أما الإصلاح فيدفع الله به عن البشر الشر والهلاك.

 

ولكن للأسف هذه القضية اليوم يعتريها كثير من الغبش والتحريف ويعلوها كثير من الرين بسبب ما أحدثه الناس في الدين، وبسبب اليأس الذي بدأ يدب حتى في قلوب نُّزًّاع القبائل!!

 

فقد تعرَّض مصطلح "الإصلاح" إلى كثير من الخلط والعبث الفكري من قِبَل بعض المنهزمين أمام الحضارة الغربية؛ ففرَّغوا الإصلاح من مضمونه الشرعي وجعلوه غطاءً على تحريف الدين وإبطال الشريعة؛ حتى أصبح مصطلح الإصلاح ووظيفة المصلح ودعوى الإصلاح كلها يثيرون الريبة والتوجس والقلق بين عامة المسلمين.

 

لذلك نحن في حاجة لإعادة التعريف بهذه المهمة المقدسة والوظيفة السامقة التي يستحق بها المصلحون وراثة الأنبياء والقيام مقامهم في أممهم حتى تكون رسالتهم على بصيرة وسعيهم على رشاد.

 

"الإصلاح" مصطلح قرآني له دلالات عظيمة جاء في القرآن والسنة بصيغ متعددة تدل في مجملها على إصلاح وهداية الإنسان في الاعتقاد والسلوك والعبادات والمعاملات. فقد اعتبر القرآن أن الإصلاح مهمة الأنبياء-عليهم السلام-ووظيفتهم الأساسية، قال الله -تعالى- على لسان شعيب -عليه السلام-: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلاَّ الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإلَيْهِ أُنِيبُ)[هود:88].

 

أيضا القرآن الكريم فنّد دعاوى المفسدين الذين يتظاهرون بالإصلاح. ويرتدون لبوسه وهم أبعد الناس عنه، فقد حاول المفسدون عبر التاريخ اختطاف هذا الهدف العظيم، ومنهم فرعون-لعنه الله-؛ حيث اتهم موسى -عليه السلام- بإظهار الفساد، بعد أن ارتدى ثوب الخطباء الناصحين والواعظين المخلصين رغم أنه شيطان مريد، فقال: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ)[غافر:26]

 

 وكعادة المنافقين في كل زمان ومكان تشابهت قلوبهم فاتحدت مشاربهم، يظنون أنهم على خير، وأنهم حُمَاة الإصلاح وروَّاده؛ فقد ادَّعى المنافقون قديماً أنهم مصلحون، كما ادَّعاه إخوانهم في العصر الحديث. قال -تعالى-: (وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ)[البقرة:١١].

 

دعائم الإصلاح في القرآن

قال -تعالى-: (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْـمُصْلِحِينَ)[الأعراف:170] آية قرآنية واحدة تمثل قمة الإعجاز القرآني في بيان مهمة الإصلاح وأهم دعائمها؛ الجدية.

 

فاللفظ القرآني "يمسّكون" زاخر بالدلالات الموحية بالقوة والصرامة والجدية والاهتمام البالغ، تلك الصورة التي يحب الله أن يُؤخذ بها المصلحون كتابه وما فيه في غير تعنت ولا تنطع ولا تزمت، فالجِدُّ والقوة والصرامة شيء والتعنت والتنطع والتزمُّت شيء آخر. إن الجد والقوة والصرامة لا تنافي اليسر، ولكنها تنافي التميع، ولا تنافي سعة الأفق ولكنها تنافي الاستهتار، ولا تنافي مراعاة الواقع ولكنها تنافي أن يكون الواقع هو الحكم في شريعة الله، فهو الذي يجب أن يظل محكوماً بشريعة الله.

 

والتمسك بالكتاب في جِدٍّ وقوة وصرامة، وإقامة الصلاة-كمثال على إقامة شعائر الله-هم دعائم المنهج الرباني لصلاح الحياة. والتمسك بالكتاب في هذه العبارة مقروناً إلى الشعائر يعني مدلولاً معيَّناً؛ إذ يعني تحكيم هذا الكتاب في حياة الناس لإصلاح هذه الحياة، مع إقامة شعائر العبادة لإصلاح قلوب الناس؛ فهما طرفان للمنهج الذي تصلح به الحياة والنفوس، ولا تصلح بسواه.

 

ويذكر القرآن العظيم أن الأمم السالفة لما رفضت دعاة الإصلاح وراج بينهم الفساد واستشرى، عاقبهم الله رب العالمين بالهلاك والاستئصال، قال -تعالى-: (فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِين * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ)[هود: 116-117].

 

وهذه الإشارة القرآنية تكشف عن سنة من سنن الله في الأمم؛ فالأمة التي يقع فيها الفساد بتعبيد الناس لغير الله، في صورة من صوره؛ فيجد من ينهض لدفعه هي أمم ناجية لا يأخذها الله بالعذاب والتدمير، فأما الأمم التي يروج فيها الفساد بلا نكير، بحيث لا ينهض من يدفع الظلم والفساد، أو يكون فيها من يستنكر ولكنه لا يبلغ أن يؤثر في الواقع الفاسد، فإن سنة الله تَحقُّ عليها إما بهلاك الاستئصال. وأن المانع من وقوع العذاب والاستئصال؛ وجود المصلحين؛ فالإصلاح جنّة من الهلاك والاستئصال والعذاب وتسليط الأعداء.

 

والإصلاح أمان من المخاوف والأحزان، قال-سبحانه-: (فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)[الأنعام:48].

 

والإصلاح سبب من أسباب رحمة الله ومغفـرته، قال-سبحانه-: (وَإن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً)[النساء:129].

 

فالمصلحون أصحاب الدعوة إلى التوحيد الخالص وتطهير الأرض من الفساد الذي يصيبها بالبعد عن دينه وتعبيد الناس لغير خالقهم، هم صمام الأمان للأمم والشعوب، وهذا يبرز قيمة كفاح نُّزَّاع القبائل المجاهدين في سبيله، الواقفين للظلم والفساد بكل صوره؛ إنهم لا يؤدون واجبهم لربهم ولدينهم فحسب، إنما هم يحولون بهذا دون أممهم وغضب الله واستحقاق النكال والضياع.

 

فهذه هي رسالة نُّزَّاع القبائل، وهذا هو قدرهم، وهذا اصطفاء الله -عز وجل- لهم، فمهما اشتدت عليهم الخطوب وطالت عليهم الغربة وخالفهم أقرب الناس وعاداهم أحب الناس، ومضت سنوات عمرهم؛ خطباء ودعاة ووعاظ وناصحون وقائمون على الحق، بلا أدنى مكاسب مادية أو مغانم دنيوية؛ فلا يمكن أن يتنازلوا عن هذه الرتبة والتشريف الرباني لهم؛ لأن قعودهم هو نهاية الأمة.

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات