رسائل ثبات للمرابطين وتهديد ووعيد للمعتدين

الشيخ خالد أبو جمعة

2024-04-26 - 1445/10/17 2024-04-28 - 1445/10/19
عناصر الخطبة
1/الوعيد الشديد للظالمين المعتدين 2/رسائل تهديد ووعيد لكل من يعتدي على الأبرياء المستضعَفين 3/بالصبر والاحتساب تنجلي بإذن الله الكربات 4/استنكار وتنديد بما يحدث لأهلنا في غزة وفلسطين 5/أين دور العالم المتحضر مما يحل بأهلنا في غزة؟! 6/رسائل للحكام والمسؤولين في العالم العربي والإسلامي 7/خصوصية القدس والمسجد الأقصى المبارك 8/الدعوة لصون كرامة وحياة الأسرى والمعتقلين

اقتباس

أيها المؤمنون: ورغم قتامة المشهد، وقساوة الحدث، وبشاعة الإجرام، ووحشية وفظاعة الظُّلَّام، في القمع والقتل والتدمير، إلا أنَّنا -واللهِ- متفائلون؛ فالأحداث تحمل في طياتها خيرًا كثيرًا -بإذن الله-، فبطش الظلام وقسوتهم هي علامات إفلاس واحتضار، واضمحلال وإدبار، وتخبط وبوار، ونهاية وانهيار...

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ لله ربِّ العالَمِينَ، الحكيم بما يقضيه في كل زمان ومكان، اللطيف بِعِبَادِهِ حين تقلقهم الهموم والأحزان، وعد الصابرين أجرهم بغير عد ولا حسبان، وأشهدُ ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، الملك الديان، لم يجعل الدنيا دارَ نعيمٍ لأوليائه، ولا مستقرًّا دائمًا لعباده، ولكنه أرادها بحكمته دار ابتلاء واختبار وتمحيص، يُمَحِّص عبادَه بالبلايا، ويختبرهم بالمحن والرزايا، يبتليهم بالضراء؛ ليظهر الصادق من الكاذب، ويميز الخبيث من الطيب.

 

وأشهد أن حبيبنا وقدوتنا، ورسولنا، محمدًا عبدُه ورسولُه، صبَر على طاعة الله، وصبَر على أقدار الله، وصبَر على إيذاء المشركين، فكان قدوةَ الصابرينَ المحتسِبِينَ، قدوةً في الثبات مع اليقين بوعد رب العالمين، وحذَّر -عليه الصلاة والسلام- من الظلم فقال: "اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم الدين".

 

اللهُمَّ صل صلاة كاملة، وسلم سلامًا تامًّا على سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، الذي تنحل بالصلاة عليه العُقدُ، وتنفرج الكُرَب، وتُقضى بها الحوائج، وتُنال بها الرغائب، وحُسْنَ الخواتيم، وعلى آله وأصحابه في كل لمحة ونفس، بعدد كل معلوم لك يا ربَّ العالمينَ، إلى يوم الدين.

 

وبعد، أيها المصلون: أوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102]، ومدَح اللهُ -عز وجل- عبادَه المتقينَ في كتابه المبين: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)[التَّوْبَةِ: 4]، وبالتقوى تحصيلٌ لمعِيَّة الله، وهي معيَّةُ توفيقٍ وتسديدٍ ونُصرةٍ وتأييدٍ، بهذه المعية أيَّد اللهُ -عز وجل- نبيَّه العظيمَ، وأيَّد عبادَه الصالحينَ، على مر العصور والسنين؛ (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)[الْبَقَرَةِ: 194]، فالذي أمر بالتقوى هو الله، والذي حرم الظلم هو الله، فالظلم بكل صوره وأشكاله وألوانه محرم؛ لأن فيه انتهاك محارم الله، وتعطيل أحكام الله، وفيه التعدي على المخلوقات، وهتك الحرمات، والعبث بالأعراض، ونهب الأموال، ومن أشنع الظلم ظلم الإنسان للإنسان؛ وذلك بحمله على الفسوق والعصيان، والقتل والإجرام.

 

واعلموا أن أكثر ما ذُكر في القرآن الكريم من وعيد الظالمين إنما أُرِيدَ به المشركون، وخص به المشركون؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)[الْبَقَرَةِ: 254].

 

نعم أيها المرابطون: لا فلَاح مع الظُّلْم، ولا بقاء للظالم، ولا استقرار للمعتدي مهما طال الزمن، ومهما بلغ به الشأن، يقول الله، والقرآن يبشرنا فأبشروا: (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)[الْأَنْعَامِ: 21]، وأيضًا يقول: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الْأَنْعَامِ: 45]، ويقول: (هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ)[الْأَنْعَامِ: 47]، وقد تتأخر عقوبة الظلم إلى حين وأجل، يعلمه الله، ويحدده الله، والله يمهل الظالم، يتركه يقتل، ويشرد ويتآمر، ويهدم ويردم، ويجرف ويجوف في الأرض، إلَّا أن العقوبة الإلهية سنة من الله، التي لا تتغير ولا تتبدل، واضحة في كتابه العزيز؛ (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا)[طه: 111]، نعم، خاب وخسر، وحرم وتحسر، ولا ينال ما طلب، ولن يحقق هذا الظالم من مراده شيئًا، لا يستطيع مهما علا، ومهما طَغَى وتجبر.

 

يا من تعتدي علينا: لن تجني إلا الخيبة الكبيرة، يا من تعتدي علينا: لن تنال إلا الإخفاق، يا من تعتدي علينا: أبشر بخيبة الأمل؛ (وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ)[إِبْرَاهِيمَ: 15]، يا من تعتدي علينا: اعلم أن الظلم ظلمات، وارتكابه غضب ولعنات، والله أخبر أنَّه لا يحب الظالمين، ووعد بقطع دابر المجرمين، هم والحاقدين؛ (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ)[الْبَقَرَةِ: 270].

 

والله -سبحانه وتعالى- جعَل البأسَ بينهم شديدًا؛ أي: يُسلِّط بعضَهم على بعض، فقال سبحانه: (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)[الْأَنْعَامِ: 129]؛ أي: نسلط بعضهم على بعض، ونهلك بعضهم ببعض، وننتقم من بعضهم ببعض؛ جزاء على ظلمهم وبغيهم؛ اللهُمَّ عَجِّلْ، والله توعَّدَهم بسوء المنقلب؛ (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)[الشُّعَرَاءِ: 227]، قال شُريحٌ -رحمه الله-: "إن الظالم ينتظر العقاب، والمظلوم ينتظر النصر"، والظالم أيامه في الدنيا معدودة، ولكن الله يمهله؛ (فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا)[مَرْيَمَ: 84]، ومن طال عدوانه زال سلطانه.

 

أيها الأحبة: كيف نقابل الظلمَ وجبروتَ الظالمينَ؟ نقابلهم بسلاح الصبر والاحتساب، مع اليقين والثبات بأن الله -عز وجل- بوعده صادق، واعلموا أن الصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد، فلا إيمان لمن لا صبر له، "ومن يتصبر يصبره الله"، "وما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر"، فكل مصيبة تصيب المؤمن تكون نعمة عليه إذا صبر واحتسب.

 

أيها المرابطون: كم تلجلجت وتلعثمت في تاريخنا من أصوات لمنكوبين، وكم ترقرقت ودارت وتدفقت في ماضينا من دمعات لمظلومين، وكم تعالت في غابر دهرنا من استغاثات لمقهورين، لم تكن عند سلف الأمة مجرد صيحات في الهواء، أو أنات محبوسة في الضمير، بل كان لها أثرها ووقعها في إشعال الغيرة الإسلاميَّة، وتحريك النخوة الإسلاميَّة، يوم أن كنا خير أمة، كانت تتكافأ دماؤنا، ويسعى لذمتنا أدنانا، ونحن يد على من سوانا، يوم أن كنا خير أمة فككنا العاني، وأجبنا الداعي، وأغثنا الملهوف، ونصرنا المظلوم، يوم أن كنا مستجيبين لله وللرسول صدقًا، تمثلنا قول الله حقًّا: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ)[الْأَنْفَالِ: 72]، فحفظ لنا التاريخ مواقف وضاءة، لأسلافنا حركتهم صيحات المستغيثين، وألهبتهم آهات المكلومين.

 

نعم؛ إنه الغضب لله ولرسوله ولحرمات المسلمين، ولسان حال هؤلاء الناس في هذه الأيام يقول ويسأل في الخلوة والجهر: إن لم نغضب إذا انتهكت محارمنا، ونُسفت معالِمُنا، وقُتلت شهامتُنا، وهُدمت مساجدنا، ولم نغضب، فأخبرني بالله عليك متى نغضب؟ في غزة هاشم وقد مضت شهور طوال، والحال كما هو، في عنفه ودمويته وبطشه، وفيه من الخوف والظلم والألم والقتل، والمعاناة في أمر صنوفها، ولا نشهد في الإعلام العربيّ والإسلاميّ من جهةٍ، وفي الإعلام الغربي العالميّ من جهة أخرى، سوى عدد القتلى والجرحى والمهجرين والمشردين، هذا الإعلام كل الإعلام خوى وخلا من كل أثر أو بقية باقية من دين سليم، خلا من كل خلق قويم، ورحمة وشيمة، وعرف وحمية، أو نخوة إسلاميَّة، لمرأى تلك الصُّوَر المروعة، وسماع تلك الأخبار المفجعة، لم نر سوى الشجب والاستنكار.

 

أيها المسلمون: ورغمَ الجراح والألم، ونزيف الدم والتهجير، إلا أن الثقة بوعد رب العالمين، وعد غير مكذوب، فالله لا يهدي كيد الخائنين، ولا يصلح عمل المفسدين، وكما أفلت أنظمة ظالمة وسقط جبارون معتدون فلا بد من جريان السنة الربانية في بلادنا ووطننا، وها هو العالم يشاهد ما يجري في بلادنا؛ استغاثات الأمهات، ويسمعون صرخات الأطفال الصغار، ويقرؤون عن أحوال المشردين، ويرون فظائع وجرائم من كل حدب وصوب، ولكن لا مجيب؛ شعب يباد أمام أعين العالم، لا يحرك ساكنًا، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

إن المجيب هو -وحدَه- الرحيم القريب، هو الذي بيده تصاريف الأمور، إن المجيب هو الله ذو القوة والجبروت، الحي الذي لا يموت، الذي يسمع ويرى؛ (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ)[إِبْرَاهِيمَ: 42].

 

أيها العالَمُ المتحضرُ: وأنتم ترون وتشاهدون نسألكم: أين المواثيق والاتفاقيات الدولية؟! أين من يدعي الديمقراطية؟! أين المنظمات الإنسانية؟! هل تحمينا المنظومات والمنظَّمات الدولية؟! وهل ستحمينا كلمات مثل القانون، والتشريع والدستور؟! أم أنَّها وضعت لخدمة شعب دون شعب؟! وأن لها مقاييس ومكاييل خاصة؟! أين جمعيات حقوق الإنسان التي تُجرِّم في هذه الأيام من يتمسك بالإسلام وتعاليمه، وسماحته وعدله؟! إذا بيَّن أن الخمر حرام، والزنا حرام، والشذوذ حرام، والربا حرام، ترى هذه الجمعيات تقف وقفة رجل واحد ويستجمعون قاموسًا من الألفاظ بالتنديد والتجريم.

 

أيها المؤمنون: ورغم قتامة المشهد، وقساوة الحدث، وبشاعة الإجرام، ووحشية وفظاعة الظُّلَّام، في القمع والقتل والتدمير، إلا أنَّنا -واللهِ- متفائلون؛ فالأحداث تحمل في طياتها خيرًا كثيرًا -بإذن الله-، فبطش الظلام وقسوتهم هي علامات إفلاس واحتضار، واضمحلال وإدبار، وتخبط وبوار، ونهاية وانهيار.

 

أيها الحكام، والمسؤولون في العالَم العربيّ والإسلاميّ: الاستنكار والشجب وتحميل المسؤوليَّة للعدو يمنع صرخات الأطفال، وأنين المرضى، وآهات الثكلى؟ أو يدخل رغيف خبز أو زجاجة ماء؟ أو دواءً إلى المحاصرين؟ هل الشجب والاستنكار منعًا هدم البيوت؟! هل الشجب والاستنكار منعًا إلقاء الأهل في العراء؟! هيهات هيهات! أن يمنع هتك الأعراض، هيهات هيهات أيها المرابطون.

 

أيها المسؤولون: ما جوابُكم لرب العالمين، فأنتم ستسألون، أما سمعتم تلك الصرخات والآهات؟! أما رأيتم بأم أعينكم تلك الدماء والأجسام الممزقة؟! ألم تروا المقابر الجماعية؟! انظروا إلى حالكم وأوطانكم وبلادكم، ما الذي حل بكم وببعض بلادكم؟ أحداث واضطرابات، وصدامات ونزاعات، ومواجهات، فتن وحروب، قتل وتدمير، ألا تسألون أنفسكم عن أسبابها ومسبباتها؟! متى سيؤثر فيكم عزة الفاروق؟! ومتى ستتحرك فيكم نخوة المعتصم؟! وأين هبَّة صلاح الدين؟!

 

وأما أنتم أيها المظلومون، أيها المرابطون: ثقوا بربكم، وأمِّلوا خيرًا؛ فإن أعداء الله مَهمَا مَكَرُوا وخرَّبوا فإن الله سيستدرجهم من حيث لا يعلمون؛ (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ)[الْقَلَمِ: 45]، نسأل الله أن يرفع الغمة عن أمتنا، وأن ينزل بالظالمين بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين، إنه سميع قريب، والحمد لله رب العالمين؛ (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)[آلِ عِمْرَانَ: 139]، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنَّه كان يقول: "لستم تنصرون بكثرة، وإنَّما تنصرون من السماء، وإني لا أحمل هم الإجابة، ولكن هم الدعاء، فإذا ألهمتم الدعاء فإن الإجابة معه، ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، أقول قولي هذا وأستغفِر اللهَ لي ولكم، فيا فوزَ المستغفرينَ استغفِرُوا اللهَ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ لله ربِّ العالَمِينَ، ولي الصالحين، أحمده حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آل بيته الأطهار، وصحابته الكرام، وعلى التابعين وعلينا معهم يا ربَّ العالمينَ.

 

لقد أثنى رسولنا -صلى الله عليه وسلم- على المسلمين المُقِيمينَ في بَيْت الْمَقدسِ، وأن منهم الطائفة المنصورة إن شاء الله؛ فبيت المقدس أرض باركها الله -عز وجل-، ووصفها بالقداسة، موطن الأنبياء، ومهد الرسالات، فيها المسجد الأقصى، ثاني مسجد وضع في الأرض، قبلة المسلمين الأولى، وثالث المساجد التي تشد إليها الرحال، ويخطئ من يظن أن القدس مكان كأي مكان، أو مدينة كأي مدينة، بها مبان ومنشآت وطرق ومؤسَّسات، يتصرفون فيها كيفما شاءوا، ويصدرون القرارات بشأنها بالتمليك أو بالهبة، لا، هذه المدينة ارتبطت بالإسلام، هذه المدينة ارتبطت بنبي الإسلام، هذه المدينة ارتبطت بالمسلمين، في قلوبهم، وعقولهم وجوارحهم، مدينة القدس لواؤها التوحيد، منذ أو وطئ أرضها أقدام الأنبياء، على مر العصور والدهور، فهي أرض البراءة من كل مظاهر الشرك والكفر.

 

إنَّ بلادنا بلاد مباركة، لفظت المحتلين عبر التاريخ، وإننا على ثقة ويقين بالله رب العالمين، بأنَّها ستلفظ هذا المحتلَّ -بإذن الله-، فما زالت الآيات القرآنيَّة تتردد على مسامعنا، تُحرِّك قلوبَنا؛ (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)[الشَّرْحِ: 5-6]، ويقينًا -أيها المرابطون، أيها المحبون لأرضكم- أنَّه مَهمَا كَثُفَتْ واسودَّتِ الخطوبُ، وعبستِ الأيامُ، فلن يدبَّ اليأسُ إلى قلوبنا، ولن نقول للقدس ومسجدها المبارَك: إلَّا مهلًا، مهلًا يا أرض الرسالات! صبرًا جميلًا يا أم الأنبياء!

 

أيها المصلون، أيها العاشقون لهذه الأرض المبارَكة: يكاد قلب العاشق للقدس الحبيبة أن يتفطر وهو يرى ما يجري على ترابها الطاهر، وما يحاك لها من مؤامرات ومكائد، يندى لها الجبين، ويشيب من هولها البنون، فأنتم أيها الأحبابُ، وأنتم تعيشون على هذه الأرض، ترابطون فيها بكل ما أوتيتم من قوة وهمة وعزيمة، وأنتم تصبرون على ضنك العيش وقساوته، تتعرضون للظلم بشتى أنواعه وأشكاله، رغم كل هذا صابرون، وعلى الله متوكلون، وتصرون على التمسك بحقكم في أرضكم، وفي مسجدكم الأقصى، الرباط في المسجد الأقصى، نرابط بثقة ويقين، كيف لا؟ وفيها التاريخ الإسلامي العريق، الذي يزرع نفسَه بقوة في مدينة القدس، في كل شارع من شوارعها، في كل حَجَرٍ مِنْ أحجارِها، في كل أثَر من آثارها، في بيوتها القديمة، وفي طرقها وأزقتها الجميلة، فهي الأرض التي ولدنا على ثراها، ونأكل من خيرها، ونشرب من مائها، ونستظل بظلالها، ونصلي في مسجدها، المسجد الأقصى، الذي هو عقيدتنا وتاريخنا وحضارتنا، وحاضرنا ومستقبلنا، ولن يكون إلا لنا.

 

كيف لا؟ وترابه الطاهر يشهد بذلك، في كل بقعة فيه صلى نبي، وسجد صحابي، وسبح تابعي، وذكر ولي، وهلل مسلم تقي، وكبر عبد نقي، وهو قبلة كل عالم صفي، تشهد أروقته ومصاطب العلم وساحاته، وغرفه وأشجاره بالتوحيد والتسبيح، نحن نتشابه ونتقارب، وغيرنا غريب طارئ.

 

أيها المرابطون: مِنْ أدنى معاني الوفاءِ أن نحفظَ لأهل الفضل فضلَهم، وإخواننا الأسرى من أهل الفضل، فكان لِزامًا علينا أن نديم ذكرهم، وأن نقف في صفهم، وأن ننتصر لحقوقهم، ومن أبسط هذه الحقوق أن ينالوا الحرية.

 

أيها المؤمنون: إن المواثيق الدوليَّة، والقوانين العالميَّة، ضمنت للأسرى المعاملة الإنسانيَّة، ألم تحرم هذه المواثيق كافَّة أشكال التعذيب والإيذاء؟! ألم تتضمَّن لهم عدم التعرض للإهانة وما يجرح الكرامة؟! كالتعرية والشتم والسب بأبشع الألفاظ وأقبحها؟! ألم تضمن لهم الطعام والشراب وصحة المكان؟! ولكن للأسف فالسجان اليوم لا يلتفت لتلك الحقوق، ولا يأبه لتلك الأنظمة إن كان يعرفها، وإن عرفها لا يغير ولا يبدل.

 

أيها المسلمون: إنها حكاية يتسلَّط بها القويُّ على الضعيف، فأين المبادئ والأخلاق؟! أين القِيَم والمُثُل الإنسانية؟! إن الواقع يشهد ويزخر بالشواهد التي تعد عارًا على جبين الإنسانيَّة أن يتعرَّض الأسرى للتجويع والتنكيل، والتهديد والوعيد، والإهمال الطبيّ، وعدم توفير الدواء والعلاج أصلًا.

 

اللهُمَّ إنَّا نشكو إليك ضَعْف قُوَّتِنا، وقلةَ حيلتنا، وهوانَنا على الناس، اللهُمَّ إنَّا نستودعكَ المسجدَ الأقصى، مسرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يا من لا تضيع ودائعه: احفظ بحفظك المسجد الأقصى، واحفظ أهل فلسطين، واحفظ أهل غزة يا ربَّ العالمينَ.

 

اللهُمَّ احفظ أهل غزة يا ربَّ العالمينَ، كن لهم سندًا وظهيرًا، وعونا معينًا، اللهُمَّ أنزل عليهم الرحمات، اللهُمَّ اشملهم بالألطاف، اللهُمَّ أطعمهم واسقهم، واشف مرضاهم وجرحاهم، وارحم موتاهم، وارفع عنهم ما هم فيه، اللهُمَّ أدخل الفرحة على كل قلب به ألم، وأبعد عنهم الهموم وارزقنا الرضا والسعادة والسكينة والطمأنينة، برضاك يا الله.

 

اللهُمَّ اغفر لنا وارحمنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم؛ (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)[الْعَنْكَبُوتِ: 45]، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يذكركم؛ (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)[الْعَنْكَبُوتِ: 45]، وأَقِمِ الصلاةَ.

 

 

المرفقات

رسائل ثبات للمرابطين وتهديد ووعيد للمعتدين.doc

رسائل ثبات للمرابطين وتهديد ووعيد للمعتدين.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات