رسائل الزلازل

صلاح بن محمد البدير

2009-01-17 - 1430/01/20
التصنيفات: الخلق والآفاق
عناصر الخطبة
1/ عظمة الله في سكون الأرض وقرارها 2/ تخويف الله عباده بالزلازل والخسف والرجف 3/ وجوب العودة إلى الله والتوبة اليه 4/ هدي النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الوقائع 5/ ثواب الصبر على من أصيب بهذه الزلازل

اقتباس

أنبع عيونها وأظهر مكنونها، وأجرى أنهارها وأنبت زرعها وأشجارها وثمارها، وبث الخلق فيها إذ دحاها فهم قطانها حتى التنادي، يعيشون في أرجائها وأطرافها حتى إذا انتهى الأمر وانقضى الأجل أذن الله لها فتزلزلت وتحركت وألقت بما فيها من الأموات وحدثت بما عمل العاملون على ظهرها من الحسنات والسيئات ..

 

 

 

الحمد لله العظيم في قدره العزيز في قهره، العليم بحال العبد في سره وجهره، أحمده على القدر خيره وشره، وأشكره على القضاء حلوه ومره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.. له الآيات الباهرة، ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمداً عبده ورسوله.. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد: فيا أيها المسلمون اتقوا الله حق تقاته، وسارعوا إلى مغفرته ومرضاته، وسابقوا إلى رحمته وجنته، وحاذروا سخطه وأليم نقمته.. إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.

أيها المسلمون: خلق الله الخلق وهو المعبود أبداً المحمود على طول المدى، ومن آيات قدرته العظيمة أن جعل الأرض قارة ساكنة ثابتة لا تزلزل ولا تضطرب ولا تميد ولا تتحرك بأهلها ولا ترجف بمن عليها، وجعلها مهاداً وبساطاً، وأرساها بالجبال وقررها وثقلها حتى سكنت وتذللت

وحالها القرار فاستقرتِ *** وشدها بالراسيات الثُبتِ

أنبع عيونها وأظهر مكنونها، وأجرى أنهارها وأنبت زرعها وأشجارها وثمارها، وبث الخلق فيها إذ دحاها فهم قطانها حتى التنادي، يعيشون في أرجائها وأطرافها حتى إذا انتهى الأمر وانقضى الأجل أذن الله لها فتزلزلت وتحركت وألقت بما فيها من الأموات وحدثت بما عمل العاملون على ظهرها من الحسنات والسيئات:(يوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) [الزلزلة: 4-8].

أيها المسلمون: ولله آياتٌ وعظاتٌ يريها عباده في الدنيا إنذاراً وتخويفاً وتحذيراً وترهيباً وإيقاظاً وتذكيراً (وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً) [الإسراء: 59]. قال قتادة: " إن الله يخوف الناس بما يشاء من عباده لعلهم يعتبرون ويذكرون ويرجعون ".

ومن الآيات المخيفة والنذر المرعبة والعظات الموقظة آية الخسف والرجفة والزلزلة؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: " لا تقوم الساعة حتى يُقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن ويكثر الهرج -وهو القتل- حتى يكثر فيكم المال فيفيض " أخرجه البخاري.

وعن عمران بن حصين -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: " في هذه الأمة خسفٌ ونسفٌ وقذف، فقال رجل: يارسول الله ومتى ذاك ؟ قال: إذا ظهرت القينات والمعازف وشُربت الخمورُ " أخرجه الترمذي.

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " يكون في آخر هذه الأمة خسفٌ ومسخٌ وقذف، قالت: قلت: يارسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم.. إذا ظهر الخبث " أخرجه الترمذي..

وعن صفية بنت أبي عبيد قالت: " زُلزلت الأرض في عهد عمر حتى اصطفقت السرر، فخطب عمر للناس فقال:أحدثتم لقد عجلتم.. لئن عادت لأخرجن من بين ظهرانيكم ".. أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي..

وذُكر أن الكوفة رجفت على عهد عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- فقال: " يا أيها الناس إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه "، ومعنى يستعتبكم؛ أي يطلب منكم الرجوع عن المعاصي إلى ما يرضيه عنكم.

أيها المسلمون: إن ما حدث في الأيام الماضية من زلازل وهزات حدثٌ جللٌ وأمرٌ عظيم يبعث على الوجل من الله – تعالى- وعقوبته؛ فضجوا بالاستغفار وتخلصوا من الذنوب والأوزار، وأشفقوا من غضب الجبار، وأظهروا الخشية والتوبة والإنابة والتضرع والفاقة والمسكنة، وأكثروا الدعاء وعظموا الرغبة والرجاء، واصدقوا في اللجأ، ولا تفتروا عن ذكر الله –تعالى- والتذلل له والتقرب إليه والفرار إليه.

يا من إليه جميع الخلق يبتهـل *** وكل حي على رحماه يتكـل
أنت المنادى في كل حادثـةٍ *** وأنت ملجأ من ضاقت به الحيل
أنت الغياث لمن سدت مذاهبه *** أنت الدليل لمن ضلت به السبل
إنا قصدناك والآمـال واقعـة *** عليك والكل ملهوف ومبتهل
فإن غفرت فعن طَولٍ وعن كرم *** وإن سطوت فأنت الحاكم العدل

لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا ظالمين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ، ربِّ اغفر وارحم.، ربِّ اغفر وارحم، ربِّ اغفر وارحم وأنت خير الراحمين.

ياكاشف الضر صفحـاً عن جرائمنـا *** لقد أحاطت بنا يا رب بأسـاء
نشكـو إليك خطوبـا لا نطيـق لهـا *** حملاً ونحن بها حقـاً أحقـاء
زلازل تخشـع الصـم الصـلاب لهـا *** وكيف يقوى على الزلزال شماء
فباسمك الأعظم المكنـون إن عظمـت *** منا الذنوب وساء القلب أسواء
فاسمح وهب وتفضل وامحُ واعفُ وأجب *** واصفح فكل لفرط الجهل خطاء

(وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) [الشورى: 30]. قال قتادة: " بلغنا أنه ليس أحدٌ يصيبه خدش عود ولا نكبة قدم ولا خلجات عرق إلا بذنب، ويعفو الله عنه أكثر "..

وعن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: " خسفت الشمس في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- فقام فزعاً يخشى أن تقوم الساعة حتى أتى المسجد، فقام يصلي بأطول قيامٍ وركوعٍ وسجود ما رأيته يفعله في صلاة قط، ثم قال: " إن هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله يرسلها يخوف بها عباده، فإذا رأيتم منها شيئاً فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره " متفق عليه ..

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: " كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا رأى غيماً أو ريحاً عُرف في وجهه، فسألته، فقال: " يا عائشة ما يؤمني أن يكون فيه عذاب.. عُذب قومٌ بالريح، وقد رأى قومٌ العذاب فقالوا: ‏هذا عارضٌ ممطرنا " أخرجه البخاري.

الناسكـون يحاذرون *** ومــا بسيئـة ألمــوا
كانوا إذا راموا كلاماً *** مطلقاً خطمـوا وزمـوا
إن قيلت الفحشاء أو *** ظهرت عموا عنها وصموا
فمضوا وجاء معاشر *** بالمنكرات قـووا وطمـوا
ففم لطعـم فاغـر *** ويـد على مـال تضـم
عدلوا عن الحسن الجميل *** وللخما عمدوا وأموا
وإذا هـم أعيتهـم *** شنائعهـم كذبوا وأمـوا

(لَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [الأنعام: 43]، (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) [المؤمنون: 76].

أيا عجباً للناس في طول ما سهوا *** وفي طول ما اغتروا وفي طول ما لهوا
يقولون نرجـو الله ثم افتروا بـه *** ولو أنهم يرجون خافوا كما رجـوا

(ومَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ) [غافر: 13 ]، ( وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ) [البقرة: 269]، ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ) [هود: 103]، ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى) [النازعات: 26]، (سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى) [الأعلى: 10 -11].

ما يجهل الرشد من خاف الإله *** ومن أمسى وهمته في دينه الفتر
ما يحذر الله إلا الراشدون وقد *** ينجي الرشيد من المحذورة الحذر

 

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونعفني الله وإياكم بما فيهما من الآيات والبينات والدلالات والحكمة..

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه..

وأشهد أن نبينا وسيدنا محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد: فياأيها المسلمون اتقوا الله وراقبوه، وأطيعوه ولا تعصوه: يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين.

أيها المسلمون: من أُصيب بهذه المصيبة فصبر واحتسب وصبر واسترجع - عوَّضه الله عما فاته هدًى في قلبه، ويقينًا صادقاً في نفسه وخلفاً عاجلاً في دنياه؛ فعن صهيب -رضي الله عنه- قال: " قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: " عجباً لأمر المؤمن إنَّ أمره كله له خير -وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن- إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له " أخرجه مسلم ..

وكلمة الاسترجاع: " إنا لله وإنا إليه راجعون " جعلها الله ملجأً لذوي البصائر وعصمة للمتحنين وبشرى للصابرين المسترجعين؛ فلا جزع ولا هلع.. ولكن رضا وتسليم، فعن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: "سمعت الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: " ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون.. اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها.. إلا أخلف الله له خيراً منها " أخرجه مسلم ..

وعن أبي سعيد وأبي هريرة -رضي الله عنهما– " أنهما سمعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: " ما يصيب المؤمن من نَصَبٍ ولا وَصَبٍ ولا سقم ولا حزن.. حتى الهم يهمه إلا غفر به من سيئاته " أخرجه مسلم.

إذا ابتليت فثق بالله وارضَ به *** إن الذي يكشف البلوى هو الله
إذا قضى الله فاستسلم لقدرته *** ما للمرء حيلة فيما قضـى الله
اليأس يقطع أحيانا ً بصاحبـه *** لا تيأسـن فإن الصانـع الله

اللهم ارفع عنا الغلا والوبا والربا والزنا والزلازل والمحن. والزلازل والمحن. والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلدنا هذا خاصةً وعن سائر بلاد المسلمين يارب العالمين.

اللهم إنا نعوذ بك من يوم السوء ومن ليلة السوء ومن ساعة السوء.

اللهم اجعلنا في ضمانك وأمانك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

اللهم اجعل أهلنا في (العيص) و(أملج) وما حولهما في ضمانك وأمانك وإحسانك ياأرحم الراحمين.

حسبنا الله وكفى. حسبنا الله وكفى، سمع الله لمن دعا، ليس وراء الله منتهى، على الله توكلنا وإليه أنبنا.

اللهم إنا نعوذ بك من الطعن والطاعون والوباء وهجوم البلاء في النفس والأهل والمال والولد، الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر، الله أكبر مما نخاف ونحذر، الله أكبر الله أكبر عدد ذنوبنا حتى تغفر..

اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء.

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك،وتحول عافيتك وفجآءة نقمتك وجميع سخطك.

نعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن برٌّ ولا فاجرٌ من شر ما خلق وبرأ وذرأ، ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما يلج في الأرض ومن شر ما يلج في الأرض ومن شر ما يخرج منها، ومن شر طوارق الليل والنهار إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن.

اللهم اغفر لنا ذنوبنا. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، ولا تؤاخذنا بذنوبنا فنهلك.

ولا تؤاخذنا بذنوبنا فنهلك، ولا تؤاخذنا بذنوبنا فنهلك وأنت أرحم الراحمين وخير الغافرين.

اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وهيئ له البطانة الصالحة الناصحة التي تدله على الخير وتعينه، وأبعد عنه بطانة السوء يارب العالمين.

اللهم وفق جميع ولاة أمر المسلمين لتحكيم شرعك واتباع سنة نبيك محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-.

اللهم ارحم موتانا، واشف مرضانا، وفك أسرانا، وانصرنا على من عادانا برحمتك يا قوي يا عزيز.

عباد الله: اعلموا أن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه وثنى بملائكته المسبحة بقدسه، وأيَّه بكم أيها المؤمنون من جنه وأنسه فقال قولًا كريما:(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [الأحزاب: 56 ]..

اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمدٍ وعلى جميع آله وأصحابه صلاةً تبقى وسلامًا يترى إلى يوم الدين.

عباد الله: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل:90 ].

فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

 

 

 

المرفقات

986

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات