رجب ومعالم الانطلاقة الكبرى

شريف عبدالعزيز - عضو الفريق العلمي

2021-02-18 - 1442/07/06
التصنيفات: مقالات في الوعي

اقتباس

من رحمة الله -جل وعلا- بعباده أن يسّر لهم من الشرائع والسبل والأدوات والمواسم ما يهيئ به القلب للقيام بواجب العبودية، تكون بمثابة الاستعداد والتجهيز للقلب والنفس والجسد للقيام بواجب العبادة على الوجه الأمثل كما...

أقبلت النفحات، وهلّ هلال الخير، وانفتح باب الفيوضات، فقد نبتت الورقات، وأينعت الثمرات، وعمّا قليل يحين وقت الحصاد. فقد ظهر هلال رجب، وما أدراكم ما شهر رجب!!

 

إنه رجب التوبة وترك الجفاء، رجب اعتزال الآفات وسيء العادات، رجب الزرع وبدو الأوراق، رجب العبادة والتهيؤ للرحمات، رجب مفتاح الأشهر الحرم والخيرات والبركات، رجب السبق والمسارعة إلى الجنات.

 

وحريٌ بكل باحث عن المكارم، وطامع في الغنائم، أن يتهيأ لما هو قابل؛ فيعتزل الرذائل، ويتحلى بالفضائل، وكريم الشمائل؛ فالسباق خطير، والفوز كبير، والخسارة خذلان في الدنيا والآخرة. وبالجملة فإن رجب هو شهر الانطلاقة الكبرى نحو الفردوس والعلا من الجنة.

 

ولأن لكل انطلاقة معالم ونصائح، ولأن ديننا هو دين النصيحة، والبيعة النبوية كانت على النصح لكل مسلم، فهذه طائفة من خلاصة تجارب السابقين واللاحقين، ممن ذاقوا فعرفوا، فلما عرفوا اغترفوا، فنالوا الشرف، وأحبوه لإخوانهم:

 

النصيحة الأولى: إثارة الأشواق

الشوق عنوان المحبة ودليلها ووقودها، وإنما تزينت الجنة للمشتاقين، وكلما كان الشوق حاضراً كلما كانت المحبة قوية وباقية، وإنما جاءت نصوص الوعد ومشاهد النعيم وتفاصيل الجنات في القرآن والسنة؛ لإثارة الأشواق وتهييج العزائم واستنفار الطاقات وبعث القدرات؛ فالشوق هو الأساس، ومتى خبى الشوق ذهبت المحبة من القلب، وزهد المحب في المحبوب، وانشغل بغيره، وهكذا الأغيار لا تجتمع محبتهم في قلب واحد حتى يلج الجمل في سمّ الخياط.

 

ولأن كل واحد منا يعايش كل يوم ما يحطم إيمانه ويزعزعه من شبهات وشهوات وفتن ومنكرات، تدع الحليم حيران، والقلوب في الصدر تصدأ، والإيمان في الخوف يخلق؛ فقد توجب تجدد الأشواق وإثارتها بمطالعة السيرة النبوية وأخبار الصالحين، ومشاهدة آلاء الله ومننه وجزيل نعمه على الناس أجمعين؛ مسلمهم وكافرهم، على حد السواء، ومراقبة لطفه -سبحانه- بعباده الصالحين، وجميل صنيعه بهم، وعظيم مكره بالكافرين والمجرمين، واستدراجه لهم، وأعظم من ذلك كله تدبر آيات القرآن الكريم، وما فيها من عجائب لا تنتهي وإشارات للمحبين والسالكين.

 

وإن كان الشوق هو وقود المحبين طيلة عمرهم؛ إلا إن هذا الشوق يحتاج لمزيد عمل في شهر رجب قبل دخول شهر رمضان حتى تكون القلوب والنفوس مستعدة لأعظم مناسبات ومواسم الخير.

 

النصيحة الثانية: تهدئة وتيرة الحياة

التسارع هي السمة الرئيسية للحياة اليوم، كل في حولك اليوم يلهث مسرعاً، والجميع في سباق من أجل تحصيل المتع وتكميل الذات، وفي سبيل ذلك يعيش الجميع في سباق محموم مع الآخرين، سرعة في العمل، سرعة في العلاقات، سرعة في أداء العبادات، سرعة في الدراسة واتخاذ القرارات، سرعة في التعلم وحيازة الشهادات واكتساب المهارات؛ كأن الكون بأسره موضوع في حلة ضغط بخارية من أجل النضج السريع، فما كان ينضج في ساعة يريدون له أن ينضج في خمس دقائق!!

 

والمحصلة اشتعال الصراعات، وكثرة الأمراض والآفات، وفشل العلاقات، وخراب البيوتات، وتشتت الأسر، وشيوع العقوق والخلافات. وصدق الحبيب محمد -صلى الله عليه وسلم- عندما قال: "العجلة من الشيطان".

 

والمرء يحتاج لتهدئة وتيرة حياته السريعة، وإعطاء نفسه مهلة لالتقاط الأنفس، وإراحة أعصابه المتعبة من كثرة الأشغال والمناكفات والصراعات بسبب التسارع والعجلة، والاستعداد لنمط جديد من الحياة يناسب شهر رمضان الذي يحتاج إلى مسارعة من نوع آخر؛ مسارعة في الخيرات.

 

وحتى يستطيع الإنسان أن يغير نمط حياته ابتداءً من شهر رجب استعدادًا لشهر رمضان لابد له من تغيير عاداته الحياتية من طعام وشراب، ونوم وسهر، وعمل وراحة، وخروج ودخول، لابد من التخلص من العادات السيئة مثل الإفراط في الأكل والشرب، وكثرة النوم والسهر، فتهيئة الجسد أهم نقطة في أجندة تغيير نمط الحياة. قال ذو النون المصري -رحمه الله-: "رجب لترك الآفات، وشعبان لاستعمال الطاعات، ورمضان لانتظار الكرامات، فمن لم يترك الآفات، ولم يستعمل الطاعات، ولم ينتظر الكرامات، فهو من أهل الترهات".

 

كما لابد من التعود على المحافظة على الوقت فهو نعمة ثمينة من الله تعالى، ورأس مال العقلاء، فيجب على الإنسان الطامع في تغيير نمط حياته أن يستغله أفضل استغلال ممكن، فيملأ أوقاته بكل ما هو مفيد، ونافع، وممتع -قدر الاستطاعة-، وهذا وحده كفيل بإدخال تغييرات جذرية على نمط حياته، خاصة في هذا الزمان الذي يعاني فيه الكثيرون من وجود أوقات فراغ طويلة بسبب تداعيات فيروس كورونا، وما سببه من إجبار للعالم بأسره على تغيير نمط حياتهم. بالجملة فإن تنظيم الوقت يعتبر من أهم الخطوات الواجب اتخاذها لضمان تغيير نمط الحياة إتمام الأعمال الهامة المطلوبة في شهر رمضان، وتحقيق السعادة المنشودة.

 

النصيحة الثالثة: بعث العزائم

من أهم الأمور وأغلى المطلوبات في حياة المسلم؛ تحقيق وظيفة العبودية التي تمثل غاية الوجود؛ وشهر رمضان أعظم مواسمها، ورجب هو فاتحة هذا الموسم والتقدمة بين يديه، لذلك جعل العلماء شهر رجب بداية الاستعداد الخاص لشهر رمضان، كأن السنة شجرة، تظهر أوراقها في شهر رجب، وتثمر في شهر شعبان، ويأخذ الناس من ثمارها في شهر رمضان.

 

وتمام العبودية واستمراريتها مرهونة ببقاء الهمة واستنفار العزائم، وإنما تبقى الهمم مستعدة بالتنشيط والتمرين والتهيئة ودفق العوامل المساعدة على استمرار فاعليتها وحيويتها.

 

والعزيمة لا تكون إلا فيما يكره الإنسان ويستثقل؛ فالنفس بطبيعتها تميل للدعة والكسل والبطالة، وتحتاج دائما إلى المجاهدة، كما أنها بحاجة لمعرفة فضل ذلك العمل المكروه إليها، ما يترتب عليه من أجر عظيم في الدارين، ثم إنها بحاجة أيضا لمجاهدة دواعي العجز والكسل القابعة في الفطرة البشرية، ولذلك قال الله عن الجهاد:(وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ)[البقرة: 216]، ثم إنها بحاجة أيضا لسماع أخبار الصالحين وهممهم العالية وعزائمهم السامقة وتنافسهم في مضمار الخيرات، وكلها أمور تبث دفقات من الحماسة في النفوس، وتبعث العزائم من مراقدها.

 

قيل لنافع: "ما كان ابن عمر يفعل في منزله؟ قال: الوضوء لكل صلاة، والمصحف فيما بينهما، وكان إذا فاتته صلاة الجماعة صام يومًا، وأحيا ليلة، وأعتق رقبة". وعن جعفر: دخلنا على أبي التياح نعوده، فقال: "والله إنه لينبغي للرجل المسلم أن يزيده ما يرى في الناس من التهاون بأمر الله أن يزيده ذلك جدًا واجتهادًا، ثم بكى".

 

وعن فاطمة بنت عبد الملك زوج أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- قالت: "ما رأيت أحدًا أكثر صلاة ولا صيامًا منه ولا أحدًا أشد فرقًا من ربه منه، كان يصلي العشاء ثم يجلس يبكي حتى تغلبه عيناه ثم ينتبه فلا يزال يبكي تغلبه عيناه، ولقد كان يكون معي في الفراش فيذكر الشيء من أمر الآخرة فينتفض كما ينفض العصفور من الماء ويجلس يبكي فأطرح عليه اللحاف".

 

وقيل لعامر بن عبد الله: كيف صبرك على سهر الليل وظمأ الهواجر؟ فقال: "هل هو إلا أني صرفت طعام النهار إلى الليل ونوم الليل إلى النهار؟ وليس في ذلك خطير أمر. وكان إذا جاء الليل قال: أذهب حر النار النوم، فما ينام حتى يصبح". وعن وكيع قال: "كان الأعمش قريبًا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى، واختلفت إليه أكثر من ستين سنة فما رأيته يقضي ركعة". وعن حماد بن سلمة قال: "ما أتينا سليمان التيمي في ساعة يطاع الله عز وجل فيها إلا وجدناه مطيعًا، إن كان في ساعة صلاة وجدناه مصليًا، وإن لم تكن ساعة صلاة وجدناه إما متوضئاً أو عائدًا أو مشيعًا لجنازة أو قاعدًا في المسجد، قال: فكنا نرى أنه لا يحسن يعصي الله عز وجل".

 

النصيحة الرابعة: مراجعة دفتر الأحوال

ما من أحد من خلق الله إلا وله دفتر أحوال، هو نفسه أكثر من يعرف ما حوى هذا الدفتر من صفحات مضيئة وأخرى مخزية، هذا الدفتر هو مسيرة حياة كل واحد منا، وجامع براهين ودلائل صلاحه أو فجوره، وهو الكتاب الذي ألزمه الله -تعالى- عنق كل امرئ يوم القيامة، لذلك يقول الله عز وجل:(اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا)[الإسراء:14]؛ أي حسبك اليوم نفسك عليك حاسبا يحسب عليك أعمالك، فيحصيها عليك، لا نبتغي عليك شاهدا غيرها، ولا نطلب عليك محصيا سواها.

 

فمراجعة دفتر أحوال القلب والنفس، ومحاسبة النفس على ما بدر منها -سلباً وإيجاباً وفعلاً وتركاً- يخلق للمرء مساحات واسعة للاعتذار والتوبة وتصحيح المسار، ورغم أن الاستعداد للطاعة ومحاسبة النفس عليها وظيفتان متباينتان، إلا أنهما متداخلتان فيتعاقبان ويتوارد أحدهما على الآخر.

 

فالإعداد للعمل والتهيؤ له من علامات التوفيق وأمارات الصدق في القصد، قال تعالى:(وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً)[التوبة:46]، ومحاسبة النفس يمهد للانطلاقة قوية سليمة خالية من العيوب والآفات التي تقعد بصاحبها في منتصف الطريق.

 

مراجعة دفتر الأحوال ومحاسبة النفس تقتضي فحص العبادة والعلاقة، ومتابعة الثمرة والأثر، لذلك تكون قبل العمل وأثناءه وبعده. أما قبله -وهو المطلوب بداية من شهر رجب- فبالاستعداد له واستحضار ما قصّر فيه حتى يتلافاه، وأثناءه بمراقبة نية العمل ظاهرًا وباطنًا أوله وآخره، والتأكد من موافقته للسنة وركن الاتباع، أما بعده فالتوبة والاستغفار وطلب القبول وسقوط الجاه ونبذ الإعجاب به.

 

وهذه المحاسبة ومراجعة دفتر الأحوال إذا صارت مسلكًا ونهجاً للحياة فلا يحتاج العبد وقتها إلى تكلّف ومعالجة وسيجد غِبَّ هذه المحاسبة وثمرتها تزايدًا في مقام الإحسان الذي سعى إليه كل السالكون وهي أن يعبد الله كأنه يراه.

 

خامساً: الإحماء لتحصيل اللذة

من أكثر الأسئلة شيوعاً في شهر رمضان؛ لماذا يصيبنا الملل والفتور سريعاً؟ حيث ترى المساجد عامرة بالمصلين وحلق الذكر فيها كدوي النحل، وموائد الخير وقوافل المتصدقين تجوب البلاد طولاً وعرضاً، ولكن سرعان ما تنخفض هذه المشاهد شيئاً فشيئاً، ولا يبق في السبق إلا القليل. والإجابة بكلمة واحدة؛ "غياب الإحماء".

 

والإحماء لا يعرفه الكثيرون إلا في ممارسة الرياضة، ولكنه في الحقيقة يدخل في كل مجالات الحياة وأنشطة الإنسان، سواءً التعبدية أو الاجتماعية.

 

والإحماء له تعريفات كثيرة، فهو التمرين، وهو التعويد، وهو التسخين، وهو التأهيل، والتدريب، وهو الاستعداد، وكلها ألفاظ متقاربة ذات مدلول واحد وهو الاستعداد للعمل قبل الشروع فيه.

 

فمن رحمة الله -جل وعلا- بعباده أن يسّر لهم من الشرائع والسبل والأدوات والمواسم ما يهيئ به القلب للقيام بواجب العبودية، تكون بمثابة الاستعداد والتجهيز للقلب والنفس والجسد للقيام بواجب العبادة على الوجه الأمثل كما أمر الشارع وبما يضمن تحقيق أثر هذه العبادة في صلاح حياة العبد وآخراه. وشهر رجب هو شهر الإحماء لعبادات رمضان.

 

وهذا الإحماء وإن كان لغاية عظيمة وهو الاستمرار والمداومة، إلا إنه يعمل على تحصيل سرٍ من أعظم أسرار العبودية، وهو لذة العبادة، وهي أغلى مطلوب، حق أن يتجالد عليها الملوك لو يعلمون؛ فمعظم الناس يؤدون العبادة بهيئتها ورسومها صماء لا روح ولا معنى، ولا يحصّلون لذتها ولا يعرفون طعمها وجمالها!!

 

فما من عبادة إلا ولها لذة وحلاوة؛ من ذاقها عرف، ومن عرف اغترف، فنال الشرف، يدل عليها قوله -صلى الله عليه وسلم-: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولاً"، وقوله: "ثلاثة من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار". وتأمل عبارة الإمام ابن القيم -رحمه الله- وهو يصف هذه اللذة بتعليقه على قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إني لست كهيئتكم، إني أظل عند ربي يُطعمني ويسقيني". قال: "وقد غلُظَ حجاب من ظن أن هذا طعام وشراب حسي للفم، والمقصود أن ذوق حلاوة الإيمان والإحسان أمر يجده القلب تكون نسبته إليه كنسبة ذوق حلاوة الطعام إلى الفم".

 

هذا السر نلمحه في قوله -صلى الله عليه وسلم-: "أرحنا بها يا بلال"، راحة جعلت عروة بن الزبير -رحمه الله- لا يشعر بقطع رجله وهو في الصلاة. ولقراءة القرآن لذة جعلت عثمان -رضي الله عنه- يقول: " لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام الله". والأمثلة كثيرة؛ فكل عبادة ولها لذتها الخاصة، كلمة السر في تحصيلها بالاستعداد لها والإحماء وكثرة التدرب.

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات