رجال الظل

أحمد بن عبد العزيز الشاوي

2015-11-15 - 1437/02/03
عناصر الخطبة
1/ الأهمية الكبرى لهيئة الأمر بالمعروف 2/ دوافع وأساليب الحرب على الهيئة 3/ إحصائيات رقمية تبين إنجازات الهيئة 4/ مواقف يجب اتخاذها نصرةً للهيئة ورجالها 5/ رسالة نصرةٍ وإكبار لرجال الهيئة.

اقتباس

إنهم جنودٌ في الظل، وقتهم متاح للجميع، ولكل من يستنجد بهم، حتى إننا أصبحنا نتداول عبارة: "أين رجال الهيئة؟" عندما نرى تصرفات غير منضبطة، وأصبح معروفا أن بعض المواقع الترفيهية والمراكز التجارية التي لا يسمح لرجال الهيئة بدخولها تنتشر فيها الفضائح الأخلاقية، والقبائح السلوكية، والاعتداء على أعراض الآخرين.

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله حمدا كثيرا، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له إنه كان بعباده خبيرا بصيرا، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المرسل من ربه شاهدا ومبشرا ونذيرا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن كان بهديه مستنيرا.

 

أما بعد: فاتقوا الله أيها المسلمون، وكونوا على الخير أعوانا، قبس من القران، وتحذير من النبي المصطفى سيدِ الإنس والجان، ترسم لهذه الأمة معالم دينها وأمنها.

 

أما قبس القران فنصه: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) [آل عمران:110]، وأما تحذير سيد الورى والنبي المصطفى -صلى الله عليه وسلم- فنصه: "والذي نفسي بيده! لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن أن يعمكم الله بعقاب، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم".

 

هذه آية تحدد معالم الخير لهذه الأمة، وحديث يرسم مكمن الخطر، وينذر بعقاب إلهي عام عند التفريط في هذه الشعيرة؛ وأن بلادنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تميزت عن سائر البلدان، وبدون ذالك لا قيمة لها ولا قدر، ولا عز ولا نصر؛ ومن هنا كانت هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان رجالها حماة الدين والفضيلة، وغزاة الفساد والرذيلة، وأصحاب المواقف الجميلة، إنهم الأكف الحانية، والأعين الساهرة، والوجوه المضيئة.

 

الهيئة هي أم رؤوم، وأب عطوف، يحز في نفسها أن ترى أبناءها يتجرعون السم من أيدي ضعاف النفوس، ويكدر صفوها أن تضيع زهراتُ أعمار شبابها فيما يضر ولا يفيد، ويضيق صدرها وهي ترى الصلاة تقام ورجل واقف مكانه لا يتجه للمسجد، ويثير غيرتَها على أعراض المسلمين رؤيتُها لبنات المسلمين وهن يمشين بلباس سافر متبرج في حدائق أو في مراكز تجارية، ويحرك حميتَها رؤيةُ الشباب المستهتر وتهافتهم على المعاكسات والنيل من أعراض نساء المسلمين.

 

إنها هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إنها هيئة للتعديل والتقويم والإصلاح، ليست نظاما مفروضا لم يرد واضعه إلا المعاقبة؛ بل هي أسمى من ذلك بكثير، إنها هيئة بنيت على أحكام الكتاب والسنة، إنها القائد الذي يقود دفة الأمة إلى بر النجاة، حيث الأعراض مصانة، والصلاة مقامة، والخمور مراقة، والمعاكسون مقوَّمون، والأمن مستتب.

 

إنها هيئة الأمر بالمعروف لضبط السلوك المنحرف، فكم من جرائم أخلاقية وانحرافات سلوكية تم ضبطها وحماية المجتمع منها! وكم من اعتداءات أخلاقية لجأت فيها بعض الأسر إلى رجال الهيئة وذلك لعلمهم بصدق أدائهم، وحسن نيتهم، وسلامة مقصدهم.

 

بل إن هناك دراسة أكدت أن سبعين من كل مائة من الجرائم الأخلاقية تم ضبطها من قبل رجال الهيئات، وذلك مع ضعف جهازهم، وقلة عددهم وعدتهم، وهوانهم على الناس، وإساءة الصحف لهم، ولا ناصر لهم إلا الله، وهم -مع كل ذلك- عيون المجتمع الساهرة، يعملون بصمت، ويحملون هموم المجتمع إلى منازلهم، لا يعيشون الحياة العائلية مع زوجاتهم وأطفالهم.

 

إنهم جنودٌ في الظل، وقتهم متاح للجميع، ولكل من يستنجد بهم، حتى إننا أصبحنا نتداول عبارة: "أين رجال الهيئة؟" عندما نرى تصرفات غير منضبطة، وأصبح معروفا أن بعض المواقع الترفيهية والمراكز التجارية التي لا يسمح لرجال الهيئة بدخولها تنتشر فيها الفضائح الأخلاقية، والقبائح السلوكية، والاعتداء على أعراض الآخرين.

 

ولا أدري، لماذا يمنع رجال الهيئة عن مثل هذه المواقع، والتي يفترض أن يكون بها مراكز مستقلة لرجال الهيئة؟ هل هو تكريس للفساد؟ أم لإيجاد متنفس في بلاد الحرمين ومهبط الوحي الأمين لأهل الشهوات وأصحاب الرذيلة ودعاة الفجور والفساد؟ إن مجرد مرور رجال الهيئة في الأسواق يحدث انضباطا لدى المنحرفين الذين يتجولون في الأسواق لمعاكسة النساء والاعتداء على الأعراض، أو لاصطياد فريسة!.

 

إنني لا أتكلم دفاعا عن الهيئة ورجالها، فحسبهم أنهم الساهرون والناس ساهدون، وحسبهم أنهم يكدحون والناس يمرحون، وحسبهم أنهم يبذلون والناس يلومون، وحسبهم أنهم يصلحون والمنحرفون يفسدون.

 

إنني لا أتكلم دفاعا عن الهيئات ورجالها الذين بلغ الاعتداء عليهم الاعتداء بالقتل وبالضرب في أحايين كثيرة كما حدث قبل أيام في الرياض والمدينة وينبع، وذلك في مداهمات لأوكار الدعارة والخنا والفجور، ونتج على إثر هذه الاعتداءات إصابات بليغة وخطيرة لعدد من رجال الهيئات، ولم نسمع من يدافع عنهم ويطالب بحمايتهم أو ينتصر لهم، ولو حدث اعتداء يسير من رجال الهيئة على أحد المنحرفين لطارت الصحف بذلك تشهيرا وتشنيعا وسبا وتقبيحا وشتما وتقريعا! مطالبين بسحق هذا الجهاز وإلغائه بالكلية!.

 

وقد حدث ذلك بالفعل ونحن نقرأ ونسمع في كل يوم عن مثل ذلك في صحفنا المحلية، وكثير مما يُكتب يثبت كذبه وبهتانه بعد التحقيق في الحادثة، ويعلن ذلك من قبل المسؤولين، ثم لا تحاسب تلك الصحيفة ولا الكاتب على ذلك الإفك والافتراء؛ ولذلك نرى هذه الافتراءات والأكاذيب تزداد في صحفنا يوما بعد يوم، ومَن أمِن العقوبة زاد في بغيه وظلمه.

 

ثم لو حدثت بعض الأخطاء من رجال الهيئة، وهم غير معصومين؛ فلماذا لا يتعامل معها كبقية الأخطاء التي تقع من الأجهزة الأمنية؟ ولكن وراء الأكمة ما وراءها!

 

عباد الله: إننا لا ندافع عن الهيئة ورجالها، بل ندافع عن الفضيلة والأعراض، وحفظ الأعراض والدين من الضروريات التي لا قيمة للحياة دونهما، بل حفظ الأعراض والأخلاق أولى من حفظ آبار النفط وغيرها، فكما تعد العدة وتؤخذ الاحتياطات اللازمة والمهمة لحماية آبار النفط، فيجب أن تتخذ أضعاف هذه الاحتياطات لحماية الدين والأعراض والأخلاق، ولن أستهلك الوقت ولن أنهك الجهد دفاعا عن جهاز الحسبة ورجاله، فو الله الذي لا رب غيره! لَأنا أقل شانا من أن أعد محاسن هؤلاء الرجال علينا وعلى مجتمعنا! فهم خط الدفاع الأول، وهم الحصن المنيع، وهم حماة الدين والعرض والعقل.

 

لن أتحدث عن محاسن الحسبة والمحتسبين، ولن أغوص في الأرقام الفلكية لإنجازاتهم وعطائهم، حتى قال عضو في مجلس الشورى: ونحن نطَّلِع في مجلس الشورى على التقارير السنوية التي تأتينا من جهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إننا نقف عندها في المجلس بكثير من الإكبار والتقدير، ولا أقول هذا الكلام مجاملا بل قلته علنا في المجلس، إن التقارير مليئة بالانجازات التي يقوم بها رجال الهيئة، وذلك على مستوى محاربة الكثير من ظواهر الفساد؛ ابتداء من المخدرات، مرورا بالدعارة والخمور وعدد آخر من الموبقات، وأحيانا نقول في المجلس ونحن نناقش تقاريرهم: لو لم يكن هؤلاء موجودين؛ إذاً، كيف يكون حال البلد؟ اهـ.

 

أيها المسلمون: ولكي تقوم الحجة ويتبصر الناس أضع بين يدي كل عاقل وكل منصف مجموعة من الأرقام التي هي من انجاز هذا الجهاز المستضعف في هيئته، العظيم في إنجازه، أضعها لكل محب للفضيلة ومبغض للرذيلة، إنها أرقام لإنجازات سنة واحدة فقط؛ فكيف بكل الأعوام؟.

 

ففي مجال طباعة الكتب والنشرات طبعت الهيئة ووزعت أكثر من خمسة ملايين وسبعمائة وثلاثة وثلاثين ألف كتاب، ونسخت من الأشرطة ووزعت أكثر من ستمائة وواحد وسبعين ألف شريط، ونظمت من المحاضرات والندوات اثني عشر ألفا.

 

وفي مجال إنكار المنكرات ضبطت الهيئة في مجال العقيدة أكثر من ثمانمائة وثلاث وستين مخالفة عقدية، وفي مخالفات العبادة مِن تخلف عن الصلاة وإفطار في رمضان سجلت الهيئات في وقائعها أكثر من مائتين وواحد وأربعين ألف مخالفة، وأما في مجال المنكرات الأخلاقية من ضبط بيوت للدعارة أو فواحش أو اغتصاب ومعاكسات وخلوة محرمة وتشبّه من الرجال بالنساء فقد وصل الرقم إلى واحد وأربعين ألف مخالفة، وفي مجال مكافحة المسكرات والمخدرات ضبطت الهيئة أكثر من ألفي مخالفة في مجال المسكرات وأكثر من أربعمائة وتسعين مخالفة في مجال المخدرات.

 

وفي مجال محاربة الأفلام الهابطة والصور الفاضحة والمطبوعات الهدامة ضبطت الهيئة أربعة ألاف ومائتي مخالفة، هذا فضلا عن مخالفات المحلات التجارية، والمخالفات للآداب العامة، وكل ذالك في عام واحد. فبربكم، كيف يكون مجتمعنا لو تركت هذه المنكرات بلا نكير؟ هذا مع ضعف حيلتهم، وقلة عددهم، وانعدام ناصرهم، وهوانهم على الناس!.

 

واسألوا مَن وقع في أيديهم من الفتيات وهن على حالة منكرة: كيف انتشلوهن من بحور الظلمات؟ كيف صانوا أعراضهن وأنقذوهن من براثن الكلاب المسعورة التي لا ترحم؟ لم يكن منعهن من التبرج في الأسواق تعدياً على حرياتهن الشخصية، أو وصاية عليهن، أو تحكماً بهنّ؛ بل صيانة لهن، وحفاظاً عليهن.

 

واسألوا الشباب: كم تائبٍ تاب على أيديهم؟ وكم ضائع اهتدى بسببهم؟ وكم حائر أخذوا بيده إلى الطريق القويم؟ كم مدمن للخمر انتشلوه حفاظا على دينه وصحته؟ كم من تارك للصلاة أرجعوه إلى دائرة الدين؟ كم من معاكس أوقفوه عند حده ومنعوه من اللعب بأعراض المسلمين؟ كم من متشبه قوموه وأرشدوه؟ كم من فرد كان على شفا الوقوع في الفاحشة والهاوية فانتشلوه وأنقذوه؟ كم من مروج للأشرطة الفاضحة والسموم المهلكة وقع في أيديهم فمنعوه؟ كم وكم؟! ألا ترونهم في الأسواق وفي أماكن التجمعات آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر؟!..

 

هذه الهيئات المباركة ورجالها المخلصون مع كل ذلك لم يسلموا من أذى المنافقين ولمزهم، والسخرية بهم والحط من قدرهم، الهيئات ورجالها أصبحوا مادة للأفاكين، يسخرون منهم وينسجون في أخطائهم الأساطير والأباطيل، لقد أصبحنا نقرأ ونسمع من يضخم أخطاء الهيئات، ويطالب بإلغائها، ولعمر الله! هل كل خطأ في أمر حقه الإلغاء!.

إن يسمعوا سبة طاروا بها فرحاً *** مني وما سمعوا من صالحٍ دفنوا

 

تسطر في أخطاء الهيئات أساطير وخزعبلات تمجها عجائز نيسابور، ولا يصدق بها إلا كل ختار غرور، إنها حملة من الإفك جائرة، ينشر عن الهيئات كل كذب وزور، فالهيئة عندهم هي السبب في حريق المدارس، وهي التي تدفع بتصرفات رجالها بعض الناس إلى الانتحار، وهي التي تسبب حوادث السيارات بمطاردة الناس، ولا تتعجبوا ولا تستغربوا إن قيل أن الهيئة سبب للزلازل والأعاصير، فسياراتها التي تطارد المعاكسين أضعفت القشرة الأرضية وأثارت الغبار والأتربة! وشر البلية ما يضحك!.

 

لقد سئمنا من هذا الهراء وذلك السخف النفاقي الذي يشرق بوجود امرأة محتشمة ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا، وينفر من صُور العفة والحياء في المجتمع، ويغص بوجود الحلقات، ويتكدر لكثرة الدروس والمحاضرات، إنهم المنافقون، (نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ) [التوبة:67]، (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ) [المنافقون:4].

 

إنه لا يعادي الهيئات ورجالها إلا منافق حاقد، أو صريع للشهوات فاقد، حالت الهيئة بينه وبين ما يشتهي، ولا يلمز الهيئات إلا من وقفت الهيئات أمام ضلالاته وانحرافاته.

 

إن المنافقين -أيها المسلمون- يريدون أن تميلوا ميلا عظيما، ورجال الهيئات يريدون أن تعيشوا عيشا كريما، فمَن الأحق بأن يطاع؟ ألا فليعلم المنافقون أنهم وإن قالوا في الهيئات ما قالوا، وإن لمزوا وإن سخروا، فستظل الهيئات ورجالها الصادقون معلما من معالم تميزنا، وسيظل حبها وحبهم دما يجري في عروقنا، وسنظل ندافع عنهم، ونصحح أخطاءهم، ونخلصهم النصح، ونذب عن أعراضهم.

 

لا تحاولوا -أيها المنافقون- أن تنزعوا ثقة الناس في الهيئات، فالناس أذكى وأحكم من أن تخدعهم هذه الضلالات، لا تحاولوا أن تزرعوا بذور الحقد والكراهية في قلوب الناس على رجال الهيئات، فلقد علمت الأمة أنهم مخلصون، وأدركت أنكم لأمتكم خائنون، (وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ) [يوسف:52].

 

يا فارس الميدان يا رمز الهدى *** يا شوكة دميت بها قدمُ العدا

يا فارس الهيئات يا قطر الندى *** يا حامي الأعراض يا بل الصدى

يا من لقيتم في سبيل عفافنا *** صور المتاعب والمكايد والردى

لا تعبؤوا بالساخرين وكيدهم *** فالله ناصركم وان طال المدى

سنظل نذكركم ونذكر بذلكم *** فلقد بنيتم في القلوب قواعدا

سنظل نعلنها ونرفع صوتنا *** عيش بغير ضيائكم مُرٌّ وَدَا

 

أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم، إنه هو التواب الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

أما بعد: أيها المسلمون، إننا لا نبالغ ولا نجافي الحقيقة إذا قلنا إن المنافقين هم أسعد الناس بالكوارث والنكبات التي تحل بالأمة، وإن أظهروا الحزن والأسى، فدموعهم دموع التماسيح، وإنما (يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) [التوبة:8].

 

إنهم يستغلون هذه الأزمات وتلك الأحداث ليُفْرغوا حقدهم وغيظهم على الصالحين والمصلحين حينما يجعلون من المتدينين سبب كل بلاء، حينما يصيب الأمة نصب ومخمصة أو تحل بها نازلة وكارثة فان المطبخ العلماني جاهز بالتهمة، متهيئ لنسج خيوط اللعبة، فإذا كان في منطق العدل أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، ففي منطق الجور العلماني تجد أن المتدين متهم ومدان ولو ثبتت براءته! فإذا ما أظهرت الحقائق خلاف ما زعموا رجعوا إلى جحورهم ينتظرون نكبة أخرى للأمة بلا حياء ولا اعتذار!.

 

لم يعد كيد المنافقين وحقدهم قاصرا على الهيئات ورجالها؛ بل تجاوزه إلى السخرية بشعائر الدين وأحكامه ومظاهر التدين، ولمز السلف الصالح وعباد الله الصالحين، اقرؤوا كتاباتهم لتروا كيف بدت البغضاء من أقلامهم، وما تخفي صدورهم أكبر! ولولا خشية أن أطيل عليكم أو أن أستفز عواطفكم الإسلامية، ولولا حرصي على مشاعركم الدينية، لأوردت لكم نماذج من كتاباتهم القذرة التي يسخرون فيها من بعض أحكام الدين، كاللحية، وتقصير الثياب، بالكلمة، وبالرسوم، بأسلوب يستفز كل غيور، ويقهر كل محب لله ولدينه.

 

إذا كان الله -عز وجل- حكم على فئة من المنافقين بالكفر لأنهم قالوا: "ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء!"، فقال الله عنهم: (لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) [التوبة:66]. فماذا سنقول عن كتابات تفوق كلام المنافقين الأول خبثا وكيدا؟ أفليس فينا من يغار لله وينتصر لدينه ويتصدى لهذه المهازل بالإنكار والإبراق والاتصال؛ لكي يعلم المنافقون أن في الأمة من يغار، وفيها من لا يرضى بالذل والعار؟!.

 

وبعد هذا، أيها المسلمون، لعلكم تسألون: ما الموقف من هذه الاستفزازات النفاقية؟ والجواب يتمثل في المواقف التالية:

 

أولها عنوانه: (آمَنّا بالله رب الغلام)، حينما قتل الملك الغلام المؤمن ردد الناس جميعا: آمنا بالله رب الغلام، فقال الملأ: إن هذا -أيها الملك- ما كنا نحذره. أفلا يجمل بنا -أيها المسلمون الغيورون- ونحن نسمع هذه السخرية بالهيئات وأسودها والاعتداء عليهم بالضرب وذلك الطعن الجائر بالتدين والمتدينين، أفلا يجمل أن ننزل إلى الميدان محتسبين؛ لنكون جميعا من رجال الهيئات؟ وأن نصبح جميعا من أنصار هذا الدين؛ ليذل المنافقون، ويصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين؟.

 

وثاني المواقف عنوانه: (انصر أخاك ظالما أو مظلوما). أتدري -يا أخي- من الرابح ومن الخاسر في هذه الحملة ضد التدين وأهله، وضد الحسبة ورجالها؟ إنهم أحد اثنين: إما مغرض يريد الإفساد، أو طائش يريد فتح أبواب شهوة، فإياك -يا أخي- والمنطقَ المعكوس! منطق الأنانية والفردية ممن يقول: ما مسؤوليتي في الأمر؟ وما شأني في هذا وذاك؟ أنسيت -يا أخي- أنك عضو في الأمة؟ فحينما تتخلى عن مسؤولياتها فمَن يتبنى قضايا الأمة؟ ومن يحمل هموم المجتمع؟ ومن ينصر دين الله؟ أتعلم -يا أخي- أن من ذب عن عرض أخيه ذب الله عن وجهه النار يوم القيامة؟ فلم لا تحتسب وتقول كلمة في الدفاع عن الدين وأنصاره والحسبة ورجالها؟ لا عن عاطفة واندفاع، ولا عن حماس فائر، وإنما عن واقعة ومعرفة.

 

وختاما: أيها المحتسبون، اصبروا و صابروا ورابطوا، واحتسبوا الأجر عند الله، فحسبكم دعوة أمٍّ لكم بالسداد بعد أن أنقذتم ابنتها من غائلة الانحلال، ودعوة أب أنقذتم ابنه من براثن الفساد، ودعوات أسرة سرتم بأبيهم إلى بر النجاة وأنقذتموه من التشرد والضياع، فكنتم -وما زلتم- كالأب الذي يتابع أبناءه فيقوم من يخطئ، ويرشد من ينحرف، وكالأم التي يؤلمها أن يصيب فلذات أبنائها الشر.

 

قد يقابلكم البعض بالنكران والجحود، وقد يتهمكم البعض بالقسوة والجمود، ولكن حسبكم من عملكم دعوة صالحة كما أسلفت، وأجركم على الله، ولا تسمحوا لمن يثنيكم عن عملكم أن ينال منكم.

 

سيروا، والله يرعاكم، ويسدد على طريق الحق خطاكم، يقول الله -تعالى-: (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) [لقمان:17].

 

اللهم إنا نسألك أن تعز الهيئات ورجالها، وأن ترفع ذكرهم، وتعلي قدرهم، وأن تخرس ألسنة تلمزهم، اللهم إنا لا نملك لبذلهم وعطائهم جزاء فجازهم عنا بالنعيم المقيم، وبرؤية وجهك الكريم، وعوضهم عن صبرهم صلاحا في الذرية، وسعة في الرزق، وتوفيقا في الدارين.

 

اللهم صل وسلم على من بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وارض اللهم عن صحابته أجمعين.

 

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، وأذل الشرك ودمر المشركين، وانصر عبادك المجاهدين، اللهم سدد رميهم، واجمع كلمتهم، ووحد صفهم، وأقرّ عيوننا وعيونهم بنصر عاجل للإسلام والمسلمين.

 

اللهم آمنا في دورنا، وأصلح ولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.

 

اللهم عليك بالمنافقين والمنافقات، الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، اللهم لا ترفع لهم راية، ولا تحقق لهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم آية، اللهم أرهم من عز الصالحين ما يموتون به كمدا، اللهم احفظ بلاد المسلمين من كيد الكائدين، اللهم احفظ بلاد المسلمين من كيد الكائدين، اللهم انشر في ربوعها الأمن والإيمان، والسلام والإسلام.

 

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 

 

 

المرفقات

الظل

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات