رأي في العنوسة وتأخير الزواج

صالح بن عبد الله بن حميد

2008-11-24 - 1429/11/26
التصنيفات: قضايا المرأة
عناصر الخطبة
1/حكمة مشروعية الزواج 2/ لماذا العنوسة؟ 3/ لماذا تأخير الزواج؟ 4/ غلاء المهور قاصمة الظهر 5/ فقه إدارة المنزل.
اهداف الخطبة
التحذير من مسببات العنوسة / التحذير من غلاء المهور.
عنوان فرعي أول
عندما لا يتم الزواج
عنوان فرعي ثاني
ذات الدين وذات المال
عنوان فرعي ثالث
فقه إدارة الإنفاق

اقتباس

إن تضييق فرص الزواج علةٌ خراب الديار.. به يقتل العفاف، وتوأد الفضيلة. وهو طريق الفساد، وهتك حجاب الستر والصيانة. إنها سوءاتٌ وخبائث.. لا تظهر إلا إذا افتعلت الحواجز، وتنوعت العوائق أمام الراغبين من البنات والبنين.

 

 

 

 

الحمدُ لله أحاط بكل شيءٍ علماً، وجعل لكل شيءٍ قدراً. خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً. أحمده سبحانه وأشكره.
كرمُهُ يتوالى، ونعمه علينا تترا. وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله. اصطفاه ربه واجتباه. فكان أشرف البرية وأعلاهم ذكراً، صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد:

فاتقوا الله –أيها المسلمون- (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) [النساء:1].
عباد الله: اقتضت حكمة الله ربنا جل وتبارك بقاء النسل البشري، وحفظ النوع الإنساني.. من أجل إعمار الكون، وإصلاح الأرض، وإقامة الشرع، والقيام بشئون الحياة.
فشرع بحكمته ما ينظم العلاقة بين الجنسين الذكر والأنثى من بني آدم. سن الزواج بأحكامه وآدابه.. علاقةٌ شرعية تدعو إليها الفطرة السليمة، وتنظمها أحكام الشرع القويم.

بقيامه تنتظم الحياة، ويُحفظ الحياء، وينعم البال، ويستقيم الحال. بالزواج المشروع يتحقق العفاف والحصان.. الذي يضمن وفاق العلاقات وأمن البيوتات، النسل الصالح والجيل الخير لا ينبت ولا يتربى إلا في أحضان زوجية شرعية.. بين أبوة كادحةٍ، وأمومة حانية.
في الذرية الصالحة، والاستكثار منها في الأمة.. العز والفخار للدين والأسرة والمجتمع:(وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ) [الأعراف: 86]. (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً) [الإسراء:6].

إن نعيمَ الحياة ومتعتها لا تكون إلا في بيت سعيد، وسعادة البيت لا يحققها إلا دينٌ صحيحٌ، وخلقٌ سمحٌ، وأدبٌ رفيع. ينضم إلى ذلك صفاء الود، والحفظ المتبادل بين القرينين في الحضور والغيبة. بيتٌ سعيد ظاهره الحشمة والمهابة، وباطنه العفاف والصيانة.
الزواج السعيد تتجاوز السعادة فيه حدود الزوجين. لتمتد إلى أسرتيهما، فتكون حلقة واسعة من المودات والصلات بين الأقارب والأصهار. تتأكد بين الآل والأرحام وشائج القربى وعلائق المصاهرة.

أيها الإخوة في الله: إذا كانت هذه بعض حكم الزواج وأسراره ومنافعه وآثاره.. فما بال الناس تشكو وتتبرم؟؟ تشكو من العنوسة وتأخر سن الزواج في الفتيان والفتيات؟ تتقدم السنون بهم، والعراقيل تزداد أمامهم، والمشكلات تتفاقم في وجوههم.
وكأن الطرق قد سدت أمام كثير من الشباب، والحجب قد غلظتْ أمام جموع الراغبين.. حتى ظهر الحال بمظهر ينذر بسوء المنقلب.
إن تضييق فرص الزواج علةٌ خراب الديار.. به يقتل العفاف، وتوأد الفضيلة. وهو طريق الفساد، وهتك حجاب الستر والصيانة. إنها سوءاتٌ وخبائث... لا تظهر إلا إذا افتعلت الحواجز، وتنوعت العوائق أمام الراغبين من البنات والبنين.

هل هناك للأعداء –يا تُرى- خططٌ ماكرةٌ لنشر المسالك الداعرة؟.
جديرٌ بذوي الرأي وأولياء أمور النشء، وحق على العلماء والمربين أن يولوا الأمر عنايتهم الجادة، هل المشكلة مشكلة مهور؟. أم المشكلة تعلمٌ وترق في سلم التعليم لنيل شهادات ودرجات؟.
الأمر فيما يبدو –أيها الفضلاء- أكبر من ذلك وأوسع. إن الناظر في أحوال المجتمعات، والمراقب لمتغيراتها في هذا العصر؛ يحس بأشياء كثيرة وكبيرة.. يدرك أموراً مخيفةً ومهولةً.
إن هذه المشكلات وهذه العوائق راجعةٌ إلى خلل في التصور، وزعزعةٍ في الفكر. ولا مبالغة إذا قيل إنها راجعةٌ إلى ضعف في العقيدة، وخلل في تطبيق الشريعة.

إنه التفكير المشوش حول المستقبل، والتخوف الذي لا مسوغ له. ثم ما يرتبط التخوف من الاعتماد على الشهادات، والتعلق بالوظائف، وتأمين فرص العمل، والاشتغال بالترقي في سلم التعليم.. حتى يفوت الجميع قطار الزواج. ومشاركة الوالدين في هذا التخوف، وقبول المجتمع له، والرضا عن هذا المسلك يؤكد هذا الخلل في التفكير، والانقلاب في الموازين، وتزعزع الثقة بالله، وضعف النظر المتعقل (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ ) [النور: 32]، (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً) [الطلاق: 7]. اضطربت المقاييس، وطاشت الموازين.. فالمستقبل مادةٌ، والتخطيط مادةٌ، وشريكة الحياة وزوج المستقبل يقومان بالمادة وشبه المادة. الوظيفة والشهادة، والمرتب و الوجاهة.. هي السوق الرائجة. يستوي في ذلك الشاب وأهله والشابة وأهلها إلا ما رحم ربي.

ما يتلقفه الناس والشباب من معلومات وأخلاقيات في المقالات والمسلسلات والصحف والإذاعات بطريق مباشر أو غير مباشر؛ له أثره البين في اختلاف النظرة إلى الحياة. هذا الزخم من الثقافات، وهذا الطرحُ من التصورات؛ قلب المفاهيم وأفسد الأمزجة، وجعل علاقات الناس وروابطها منافع ذاتية ومادية بحتة.

أيها الآباء، أيها الأمهات، أيها المربون: إذا انحدر الناس في هذه المقاييس، وحكموها في علاقاتهم.. فقد فسد الزمان، وبطل دليل العقل، وتعطل أمر الشرع. يعيرون بالفقر، ويكلفون ما يخرج عن الطوق؟؟ (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ) [الطلاق: 7]. لقد انبنى على فساد التصور هذا أن ساءت الأفكار وارتفعت المروءات في كثير من البيئات.. فاشتط الناس في النفقات، وسرت بينهم في الحطام المنافسات، وتوجهوا نحو الدراهم والمراكز واللذائذ الحسية والجسدية، حتى ولو تعارضت مع العفة وحفظ الأعراض والاستمساك بالخلق العالي. فزادت الحواجز ارتفاعاً، وامتدت السدود طولاً.. فتطلع النساء وأشباه النساء إلى صنوف الملابس والمساكن،وألوان الفرش والمآكل. والمفتش عن الزواج من الفضلاء والصالحين يخشى أن يُبتلى بأصهارٍ وأنساب يتجاوزون في مطالبهم حدود المعروف، فيكلفونه في حياته عسراً، ويزيدونه من أمره رهقاً.

لماذا كل هذا أيها الناس؟ إن جميل الخُلُق أبقى من جَمال الخَلْق، وغنى النفس مقدم على غنى المال، والعبرة كل العبرة في كريم الخصال.. لا في زين الأجسام وكثرة الأموال.
سُئل سعيد بن المسيب –رحمه الله- عن حديث: "خيرُ النساء أيسرهن مهوراً" كيف تكون حسناء ورخيصة المهر؟ فقال سعيدٌ: يا هذا، انظر كيف قلت؟ أهم يساومون في بهيمةٍ لا تعقل؟ أتراها بضاعة طمع صاحبها يغلب على مطامع الناس (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) [الأعراف: 189]، إنه إنسانٌ مع إنسانةٍ، وليس متاعاً يطلب مُبتاعاً.

أما الحمقاء وأهل الحمقاء.. فيتمسكون بالجمال والمنصب، والمال والمركز، ليزايدوا في الثمن. أتُرى هؤلاء من الشرار أم من الخيار؟ إن المرأة للرجل نفسٌ لنفس، وليست بضاعة لتاجر. إن ميزان الرجال لا يوزن بمالٍ، ولكنّ المهر يوزن بالمعاملة، وحسن التبعل، ورعاية المسئولية.

إن صاحب الجمال والجاه قليل الدين والخلق من الرجال والنساء لا يغني عنه كثرة المال شيئاً. أرأيت لو كان مع الجبان مائة سيف؛ أكان ذلك يُغني عن ضعفه وجبنه وخوره؟ فاستكثار المال وموازين المادة لا تستر خيبة الزوجين، وصفاقتهما وسوء خلقهما، ولو كان ذلك قناطير الذهب والفضة.
إن نِسَبَ الطلاق والفراق، وأسباب الانفصال والشقاق في مقدمة هذا العصر.. أعلى منها في مجتمعات سلمت من رياح هذا التقدم البائس وغباره الخانق. وكلما دخلت أمةٌ في هذا النوع من المعاصرة والمقاييس ارتفعت فيها نسبُ الطلاق والشقاق.

أيها الإخوة في الله:

حق على أصحاب القدوة من الأمراء و الوجهاء والعلماء، والأغنياء وشيوخ القبائل والعشائر، أن ينشروا في الناس خلق القناعة بما يسر الله ورزق. ويرسموا ذلك بفعالهم قبل أقوالهم.
لا يكون الاغتباط إلا بالدين وحسن الخلق، والاهتمام بغرس المودة ونعمة البال.. غير ناظرين إلى ما تعجز عنه أيدي الشباب، ولا مالا تبلغه طاقاتهم. يجب أن يكون التوجيه وصرف الهم والهمة إلى الفتى المهذب والفتاة المهذبة من أجل أن تُستجلب راحة الضمير والإعانة على نوائب الحياة، والتهيئة لكسب شريف وسعي كريم. الصلاح والتقى والعفة والأمانة وكرم العنصر وطيب الأرومة.. كل أولئك تورث حسن الطباع، وعزة النفس، واحترام البعل، والعرق دساسٌ، والطبع غالب. وقد قال أكثم بن صيفي لبنيه: يا بني لا يحملنكم جمال النساء عن صراحة النسب، وكرم العنصر، فإن المناكح الكريمة مدرجة الشرف.
أيها الأخ المسلم: إن الجمال ونضارة الشباب تزيلهما السنون، وإن المال غادٍ ورائحٌ، ولا يبقى إلا الدين والخلق الكريم. فاظفر بذات الدين تربت يداك.

  

الخبطة الثانية:

 

الحمد لله حمداً كثيراً كما أمر. وأشكره على إنعامه وإفضاله، وقد تأذن بالزيادة لمن شكر. وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أرجو بها الزلفى لديه يوم العرض الأكبر. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الشافع المشفع في المحشر، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، السادة الغرر، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما اتصلت عينٌ بنظر، وأذنٌ بخير.

أما بعد:

فاتقوا الله أيها المسلمون:

عباد الله: إن الجدل حول الماديات، وتكاليف الزواج ونفقات البيت، لا ينقطع، ومتطلباتُ الأسرة لا تنقضي. والإسلام يكره أن تكون أمورُ النفقة، وحوائج الدنيا سبباً في تعرض الأسرة للمتاعب، وتهديد مستقبلها بالأخطار والمصاعب: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً) [الطلاق:7].

وإن مسالك العقل والحكمة تقتضي التوجه إلى حسن المعاشرة، وفقه إدارة المنزل، وما يوثق العلاقة بين الزوجين الجديدين. واسمعوا إلى حكماء العرب وهي تخاطب المرأة حين تزف إلى زوجها، وهي وصايا ينبغي أن يتحلى بها الرجال والنساء، كل حسب طبيعته وموقعه.

قالت الحكماء: كوني له أرضاً ذليلة يكن لك سماءً ظليلة، وكوني مهاداً يكن لك عماداً، وإن كنت له أمةً كان لك عبداً ولا تكثري من الإلحاح فيقلاك، ولا تتباعدي عنه فينساك. فإن من بعد عن العين بعد عن القلب. احفظي أنفه وسمعه وبصره... فلا يشم إلا طيباً، ولا يسمع إلا حسناً، ولا يرى إلا زيناً، طول الصحبة بالقناعة، وجميل العشرة بحسن الطاعة. المحافظة على المال حسن التقدير، ورعاية البنين حسن التدبير. ولا تفشي له سراً، ولا تعصي أمراً، فإن من أفشى سراً لم يأمن غدراً، ومن عصى أمراً فقد أوغر صدراً. وليس من الأدب الفرح وقت الحزن، ولا الاكتئاب في حال السرور.. فإن الخصلة الأولى من التقصير، والثانية من التكدير، ومن كان أشد احتراماً فإنه يلقى إلا محبةً وإكراماً. واعلمي أن طول المرافقة تكون بكثرة الموافقة.
تلك هي بعض التوجيهات، بعيدة عن مقاييس الماديات، فاتقوا الله- رحمكم الله- وخذوا بأيدي الناشئة، وأصلحوا ذات بينكم، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين.

 

 

 

 

 

المرفقات

117

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات