دور الخطباء في بناء مجتمع التكافل

شريف عبدالعزيز - عضو الفريق العلمي

2021-01-05 - 1442/05/21
التصنيفات: تأصيل الوعي

اقتباس

ونظام التكافل والتضامن في الإسلام أحد أبرز بنود المنهج الإسلامي الفريد في صيانة المجتمعات والحفاظ عليها وقت الأزمات والنوازل، وهو النظام الذي لا يشبهه نظام في القديم ولا في الحديث من حيث الفلسفة والأدوات والشمولية والحركة والفاعلية. وهو النظام الذي...

عندما تقلّب ناظريك في التاريخ وأحوال الأمم والممالك والدول تجد أمراً عجيباً يسترعي الانتباه ويلفت الأنظار، ويدعو للتأمل والتدبر. هذا الأمر هو عبرة التاريخ في هلاك الأمم وانهيارها !! فالتاريخ يزخر بأخبار الأمم العظيمة والدول الكبرى التي قامت ونهضت وكانت ملأ السمع والبصر، ثم ما لبثت أن سقطت وبادت كأنها لم تقم، ولم يبق منها إلا الأثر والذكرى!!

 

وبالبحث والاعتبار وتقليب الأنظار نجد أن السبب الرئيسي وراء سقوط تلك الأمم والممالك والدول الكبرى، وعبرة التاريخ في سقوطها ترجع لأصل كبير يندرج تحته عشرات الأسباب التي ولّدت في النهاية نتيجة السقوط الحتمي، هذا الأصل هو فشل الأمم والممالك في مواجهة التحديات والأزمات التي تنزل بها وتحيط بها.

 

ونعني بها تحديداً الأزمات الداخلية، إذا أن الأزمات الخارجية تستدعي شعوراً جمعياً بالتصدي والمقاومة وتوّحد الصفوف وتركز الجهود، لكن الأزمات الداخلية هي المعول الذي يأخذ الأمم من أساسها ويضرب الدول والممالك في مقاتلها.

 

وهنا مربط الفرس ومعقد الكلام عن أمة الإسلام التي ظلت وحدها باقية صامدة رغم الأعاصير والأهوال التي تعرضت لها عبر الزمان، فسر بقائها صامدة حتى اليوم وفناء معظم أعدائها وسقوط دول وممالك خصومها التاريخيين، هو قدرتها الفائقة على التلاحم والتراص وقت الأزمات بما تملكه من منهج سماوي رباني تقوم عليه مجتمعاتها، ومنظومة أخلاقية واجتماعية متكاملة وشاملة تفردت به الأمة الإسلامية سابقاً وتميزت به لاحقاً، وظلت به الأمة قائمة صامدة واقفة على أقدامها رغم حملات الاستئصال الرهيبة التي تُمارس بحق الأمة اليوم.

 

ونظام التكافل والتضامن في الإسلام أحد أبرز بنود المنهج الإسلامي الفريد في صيانة المجتمعات والحفاظ عليها وقت الأزمات والنوازل، وهو النظام الذي لا يشبهه نظام في القديم ولا في الحديث من حيث الفلسفة والأدوات والشمولية والحركة والفاعلية. وهو النظام الذي يحتاج الخطباء والدعاة للحديث عنه في هذه الأيام بعد الآثار المدمرة التي تركتها جائحة كورونا على المجتمعات البشرية جمعاء.

 

التكافل لغة واصطلاحاً

لغة: تكافل على وزن تفاعل من كفل، وهو يدل على تضمن الشيء للشيء كما قال ابن فارس. والكافل: هو الذي يعول إنسانا وينفق عليه؛ فالتكافل: التزام بين طرفين ليكون كل منهما كفيلا لصاحبه في حالة معلومة لهما. وقد ورد لفظ "كفل" بمشتقاته اللغوية في القرآن نحو عشرين مرة بمعنى الرعاية والتربية. وقد تعني جزءاً أو نصيباً أو جانباً مثل (وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا)[النساء:85]. وهي نفس المعاني الموجودة في استعمالات لفظ "كفل" في السنة النبوية الشريفة. والمعنى الأكثر شيوعاً هو الرعاية. فقد كفل الرسولَ -صلى الله عليه وسلم- جدُه وعمُه. وإبراهيم يكفل ذراري المسلمين في الجنة، ويعني اللفظ أيضاً التعهد، كما يعني كذلك القضاء، مثل التكفل بقضاء الدَّين عن الميت. وهو نفس المعنى السائد في كتب الفقه في باب الكفالة للأشخاص وللقروض وللديون. وهو نفسه معنى التحمل لجزء من المسؤولية.

 

أما في الاصطلاح فللتكافل عدة تعريفات ذكرها أهل العلم تدور في فلك التعاون وإيصال الخير وإرادة النفع للآخرين، منها تعريف الشيخ الأصولي محمد أبو زهرة: "يقصد بالتكافل الاجتماعي في معناه اللفظي أن يكون آحاد الشعب في كفالة جماعتهم وأن يكون كل قادر أو ذي سلطان كفيلاً في مجتمعه يمده بالخير وأن تكون كل القوى الإنسانية في المجتمع متلاقية في المحافظة على مصالح الآحاد ودفع الأضرار ثم المحافظة على دفع الأضرار عن البناء الاجتماعي وإقامته على أسس سليمة".

 

ومنها تعريف الأستاذ المربي عبد الله علوان: "التكافل أن يتضامن أبناء المجتمع ويتساندوا فيما بينهم سواء أكانوا أفراداً أو جماعات حكاماً أو محكومين على اتخاذ مواقف إيجابية كرعاية اليتيم أو سلبية كتحريم الاحتكار بدافع من شعور وجداني عميق ينبع من أصل العقيدة الإسلامية ليعيش الفرد في كفالة الجماعة وتعيش الجماعة بمؤازرة الفرد حيث يتعاون الجميع ويتضامنون لإيجاد المجتمع الأفضل ودفع الضرر عن أفراده" وهو أشهر التعريفات عند المعاصرين وأكثرهم شيوعاً واستخداماً في كتاباتهم.

 

ومنها تعريف الدكتور عبد العزيز الخياط: "فمعنى التكافل الاجتماعي إذن أن يتساند المجتمع أفراده وجماعته بحيث لا تغطى مصلحة الفرد على مصلحة الجماعة ولا تذوب مصلحة الفرد في مصلحة الجماعة وإنما يبقى للفرد كيانه وإبداعه ومميزاته وللجماعة هيئتها وسيطرتها فيعيش الأفراد في كفالة الجماعة كما تكون الجماعة متلاقية في مصالح الآحاد ودفع الضرر عنهم".

 

فلسفة التكافل في الإسلام

التكافل في الإسلام يمثل فكرة متقدمة، ترقى بالمفهوم وتتوسع بالمصطلح ليتحول إلى مظلة أممية شاملة وعابرة للحدود والقارات، إلا وهي فكرة الأمة الواحدة والجسد الواحد والكيان الواحد مهما اختلفت الألوان والبلدان والألسن، الأمة الواحدة التي تقوم على فكرة الولاية المتبادلة بين الأفراد، والذمّة الواحدة التي يسعى بها أدناهم على أقصاهم، والإخوة الواحدة التي تجمع الغني والفقير في نسيج واحدة تحت مظلة ومرجعية واحدة هي مرجعية الدين والعقيدة.

 

فالإنسان في التصور الإسلامي لا يعيش مستقلا بنفسه منعزلا عن غيره، وإنما يتبادل مع أفراد المجتمع الآخرين الولاية والإخوة والذمّة والمنافع، بما تعنيه من الإشراف والتساند والتكافل في أمور الحياة، وفي شؤون المجتمع.

 

فلسفة التكافل تستند على تربية الضمير الإنساني والرقي بها ليتجاوز الفردانية والأنانية التي أهلكت الأمم، وترجمة العقيدة والفكرة إلى واقع عملي حيّ يعايشه الفرد في مجتمعه مصداقاً لقوله تعالى (ليْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ) وقوله (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ).

 

أهداف التكافل في الإسلام

كما تفرد الإسلام بفلسفة خاصة حول التكافل، فإن أهداف التكافل في الإسلام أيضا متفردة ومميزة عن غيرها من نظم التكافل القديمة والحديثة، حيث أنه يهدف لأمور من شأنها الرقي الإيماني والإنساني والمادي بالمجتمع ككل، ومن أهم هذه الأهداف:

1- التحرر من عبودية المال: المال من أصول النعم الدنيوية التي جاءت نصوص الشرع ببيان أهميتها وعظم المسئولية الملقاة على عاتق صاحب المال بداية من السؤال المضاعف عن مصدره ومصرفه، والسؤال عن حقه وواجبه، والتحذير من فتنته وسطوته، فقد أخرج الترمذي في سننه من حديث كعب بن عياض أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال"؛ فالمال هو اختبار هذه الأمة الذي رسب فيه –للأسف- الكثيرون، لذلك حذر الرسول -صلى الله عليه وسلم- من عبودية المال، هذه العبودية التي تستذل النفوس، وتنكس الرؤوس، والتي نعى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أصحابها في قوله: "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلاَ انْتَقَشَ" وأولى أهداف التكافل التحرر من سطوة المال على النفوس، وتعويد النفس على السخاوة به وعدم تعلق القلب به، فالتحرر من عبودية المال تحرر من أمراض وأدواء مهلكة كالشح والبخل والحقد والحسد، والتكافل يجعل الغني يقدم ماله طواعية لأخيه الفقير بسخاوة نفس وطيب قلب وإحساس بالمسئولية وشعور بآلامه وأوجاعه، فالتكافل يحقق أعظم انتصار للنفس أمام زينة الحياة الدنيا.

 

2- بناء مجتمع الإخاء: تميز المجتمع الإسلامي عن غيره من المجتمعات بفكرة إخوة الدين التي تتجاوز كل الفوارق التي يتباين عليها البشر، من لون ولسان وطائفة وعرق وقبيلة، المجتمع المسلم لا يعرف فردية أو أنانية أو سلبية، هو كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، كما روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "الْـمُؤْمِنُ لِلْـمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا". أو كالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالحمى والسهر، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَثَلُ الْـمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْـجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْـجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْـحُمَّى".

 

وهذا الشعور المتبادل يتولد تلقائياً في الأمة بما رباها عليه الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وتناقلته الأجيال من بعده عبر القرون. قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: "بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ "، قَالَ أبو سعيد: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْـمَالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ".

 

3- الحفاظ على كرامة الفقير: للتكافل قيمة إنسانية كبرى لا تجدها في غير الإسلام الذي يربط الدنيا بالآخرة، والمادي بالمعنوي، والإنساني بالاجتماعي. فالتكافل ليس مجرد مال مدفوع من غني لفقير، هكذا جافاً مجرداً من أي مشاعر أو أهداف معنوية نبيلة، بل له أهداف تتجاوز الحاجات المادية وتضرب أروع الأمثلة على عظم الإسلام وجمال الشريعة.

 

فالتكافل يهدف إلى طمأنة الفقير على حياته وطمأنته على كرامته، التكافل يهدف إلى حفظ ماء وجهه من سؤال ناس وتكفف السائرين، بل له حق مضمون كفلته الشريعة وألزمت به القادرين في المجتمع، ليس تفضلاً أو منّة منهم، بل محض واجب على هؤلاء القادرين. وتلك النظرة السامية في الحفاظ على كرامة الفقير هي التي تحفظ المجتمعات من الصراعات الطبقية والتصدعات المجتمعية التي حدثت في المجتمعات غير المسلمة والتي كانت سبباً مباشراً في إبادة حضارات كبرى مثل الحضارة الرومانية القديمة ومملكة القوط في إسبانيا قبل الإسلام.

 

4 – الدعوة إلى الإسلام: مما يغفل عنه كثير من الناس أن بنود الشريعة وأوامرها ونواهيها كلها جاءت لخدمة أصل كبير وهو حفظ الدين ودعوة الناس إلى الدخول فيه؛ فالإسلام دعوة عالمية ورسالة خالدة جاءت للناس جميعاً بغية إنقاذهم من الضلال والشرك والكفر. لذلك حض الشرع على معاملة غير المسلمين بالبر والإحسان والقسط طمعاً في دخولهم الإسلام، وتحبيباً لهم فيه؛ كما قال الله تعالى: (لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْـمُقْسِطِينَ)[الممتحنة:8] ولذلك جعل الشرع أساس التكافل هو كرامة الإنسان؛ حيث قال الله تعالى (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)[الإسراء:70].

 

 ولقد فقه الجيل الأول هذا المعنى واستوعبه جيداً فكانت سيرتهم مع غير المسلمين من أكبر أسباب انتشار الدين واتساع الأمة. ففي عهد أبي بكر الصديق كتب خالد بن الوليد رضي الله عنه صلحًا لأهل الحيرة بالعراق، وكانوا من النصارى، جاء فيه: "وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنيًّا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طُرحت جزيته، وعِيل من بيت مال المسلمين هو وعياله". وهذا الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه يضرب أروع الأمثلة في التكافل مع غير المسلمين، التي تُعبِّر عن مدى توفير الرعاية الاجتماعية لهم، وانتشالهم من أزماتهم؛ فقد روى القاضي أبو يوسف في كتابه (الخراج) أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرَّ بباب قوم وعليه سائل يهودي يقول: شيخ كبير ضرير البصر. فقال له عمر: ما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: الحاجة والجزية. فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله، فرضخ له بشيء مما في المنزل، ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال له: انظر هذا وضرباءه، فو الله ما أنصفناه إن أكلنا شيبته ثم نخذله عند الهِرم". كما روى البلاذري في فتوح البلدان أنَّ عمر بن الخطاب عند مقدمه الجابية من أرض دمشق مرَّ بقومٍ مجذومين من النصارى، فأمر أن يُعطوا من الصدقات، وأن يُجرى عليهم القوت. وروى أبو عبيد في كتابه (الأموال) أن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كتب إلى عدي بن أرطاة عامله على البصرة: "أما بعد، فانظر من قِبلكَ من أهل الذمة، مَن قد كَبُرت سنُّه وضعفت قوته، وولَّت عنه المكاسب، فأجرِ عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه".

 

وبمثل هذه النماذج الرائعة دخل الناس في دين الله أفواجاً، وأصبحت الغالبية العظمى من شعوب البلاد التي فتحها المسلمون من أهل الإسلام؛ لا بالحديد والنار كما فعل غيرهم من الغزاة عبر التاريخ، ولكن بالرحمة والشفقة والإحسان وإرادة الخير للعالمين.

 

صور التكافل والتضامن في المجتمع

يعتقد الكثيرون أن منظومة التكافل والتضامن المجتمعي قاصرة على تلبية الاحتياجات المادية للفقراء وسدّ خلة المحتاجين قياساً على فلسفة الزكاة في الإسلام والقائمة على تحقيق الكفاية للمحتاجين، ولكن الأمر في التكافل أوسع وأشمل، وإن كان بين التكافل والزكاة عموم وخصوص، فالزكاة أداة من أدوات تحقيق التكافل ومصدر من مصادرها الرئيسية، إلا إن التكافل يبقى أعمّ وأشمل بصوره الكثيرة والتي من أهمها:

1- التكافل الأخلاقي: ويُقصد به إيجاد تعاون اجتماعي عام؛ وإحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعمومية تضمن قيام غالب أفراد المجتمع بهذا الدور الهام والضروري لتصحيح مسار المجتمع وصيانته من الآفات المتلفة والمنكرات المهلكة، قال تعالى (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)[آل:عمران: 104]؛ فكل فرد في المجتمع الإسلامي، مسؤول عن إشاعة المعروف وإزالة المنكر؛ انطلاقاً من التوجيه النبوي: "مَن رأى منكم منكرًا، فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" كما أن المجتمع بشتى أفراده وهيئاته ومؤسساته العامة والخاصة مسؤول عن حماية دماء الناس وأعراضهم وأموالهم؛ في ضوء القاعدة النبوية الشهيرة: "كل المسلم على المسلم حرام؛ دمُه، وماله، وعِرضه"؛ وذلك ليشيع الأمن والخير والحب في المجتمع.

 

فالإسلام يعتبر المجتمع مسؤولاً عن صيانة الأخلاق العامة لأن فيها الحفظ له من الفوضى والفساد والانحلال ولذا أوجب على المجتمع منع الأفراد من الجرائم ورتب عليها العقوبات الرادعة التي يقوم بها المجتمع قال تعالى (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ).

 

وقد ضرب رسولنا مثلاً رائعاً بديعاً للتكافل الأخلاقي في المجتمع وأثره في الحفاظ على كيان المجتمع ككل ونجاته من الهلاك، حيث يقول -صلى الله عليه وسلم-: "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً".

 

2- التكامل الشخصي: بمعنى رعاية الإنسان لذاته وشخصه عن طريق تزكيتها بالإيمان والعمل الصالح؛ (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) والارتفاع بها، والسير في طريق النجاة، وإصلاح عيوبها، والوقوف على نقاط ضعفها وتقويمها بما يحقق السلامة النفسية والقلبية وانعكاس ذلك على السلوك والأخلاق والمواقف داخل المجتمع.

 

3- التكافل الأسري؛ أي: كفالة الإنسان لأهله؛ لوالديه، وإخوته، وزوجته، وأولاده، فالأسرة هي المجتمع الأصغر ونواة المجتمع الكبير، صلاحه من صلاحها، وفساده من فسادها، وقد روى النسائي عن طارق المحاربي قال: "قدمت المدينة فإذا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- قائم على المنبر يخطب الناس وهو يقول: "يد المُعطي العُليا، وابدأ بمن تعول: أمك وأباك، فأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك".

 

وهذا النوع من التكافل الأسري يمتد ليشمل كل ذوي الأرحام وذوي القربي، وقد أعطى الإسلام ذوي القربي حقوقًا ثابتة بنص القرآن قال تعالى (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ)، كما يمتد ليشمل الجار قال تعالى (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ)[النساء:36]، وقال أبو ذر الغفاري -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أوصاني خليلي -صلى الله عليه وسلم-: "إذا طبختَ فأكثر المرق، ثم انظر بعض أهل البيت مِن جيرانك، فاغرف لهم منها".

 

وليس الجار هو المُلاصق -كما يظن بعض الناس-؛ فقد روي في بعض الآثار أن أربعين دارًا جار، وفسَّرها بعضهم بأربعين من كل جهة من الجهات الأربع، فأهل كل حي جيران بعضهم لبعض، قالت عائشة: قلت: يا رسول الله، إن لي جارَين، أحدهما مُقبل عليَّ ببابه والآخر ناءٍ ببابه عني، وربما الذي كان عندي لا يسعهما؛ فأيهما أعظم حقًّا؟ فقال: "المقبل عليك ببابه "، فالإسلام يريد أن يجعل من الحي والشارع وحدة متكاملة متعاونة؛ بحيث يحمون ضعفاءهم، ويطعمون جائعهم، ويكسون عاريهم، وإلا برئت منهم ذمة الله وذمة رسوله، ولم يَستحقوا الانتماء إلى مجتمع المؤمنين.

 

الحديث عن التكافل والتضامن داخل المجتمع المسلم حديث طويل ويندرج تحته أبواب كثيرة من الفقه والرقائق والسلوك والمعاملات، ويغلب عليه الجوانب الإنسانية، فما من باب خير إلا وتجد للتكافل والتضامن فيه سهم وسهمان، فإطلاق ينابيع الخير في الأمة من أهم أهداف التكافل في المجتمع، والخطباء لابد أن يعووا ذلك جيداً، فكثير من الناس قد لا يفتح الله عليه باباً للعبادة البدنية من صلاة وصيام وذكر، ولكن يفتح له باباً للخير بكفالة الفقراء واليتامى والأرامل وذوي الحاجات، وهو ما يجب أن ينتبه إليه الخطباء بفتح كل هذه السبل أمام جمهور المخاطبين، فالذي يمشي في قضاء حوائج الناس خير ممن يتجاهلها بحجة التفرغ للعبادة والتبتل، فخير الناس أنفعهم للناس.

 

والخطباء لابد أن يركزوا على مواضيع التكافل والتضامن لما لها من آثار كبيرة في الحفاظ على أمن المجتمعات واستقراره وطهارته من الأمراض النفسية وآفات البخل والشح الذي أهلك الأمم السابقة، وآفات الحسد والحقد التي فجرت ثورات عاتية عبر التاريخ أطاح بها الفقراء والمحرمون بأمم وممالك بأكملها عندما لم يجدوا من الأغنياء والساسة إلا التجاهل والتعالي والازدراء.

 

والخطباء لابد أن يجعلوا للتكافل والتضامن المجتمعي نصيباً ثابتاً من خطبهم بشكل دوري وثابت للحفاظ على تذكير الناس بأهمية هذا الأمر، فحاجات الفقراء كثيرة، والنوازل تجدد يوماً بعد يوم، والعالم يعاني من أزمات اقتصادية طاحنة طالت الجميع، ودفع فاتورتها بشكل مؤلم الفقراء والمعوزون الذين تضاعفت أزماتهم واسودت حياتهم وأصبحوا في أمس الحاجة إلى طوق إنقاذ من المجتمع.

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات